العراق والثروات المهدورة

31 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:36 (توقيت القدس)
بطالة الخريجين أزمة عراقية مزمنة، بغداد، فبراير 2020 (مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- العراق يعاني من هدر ثرواته البشرية والمادية، حيث تتطلب عملية الإعمار موارد متوفرة نظرياً ومفقودة عملياً، رغم العائد النفطي السنوي الضخم.
- الفساد والإنفاق العسكري يعوقان التنمية، مما يفاقم أزمة البطالة بين الخريجين، حيث يفتقد الكثيرون منهم المهارات الأساسية، مما يجعل شهاداتهم بلا قيمة سوقية.
- الحكومة تواجه تحديات في إعادة هيكلة القطاع العام، حيث تستنزف الرواتب جزءاً كبيراً من الميزانية، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي في حال تراجع عوائد النفط.

يمكن وصف العراق بأنّه وطن الثروات المهدورة، والثروات هنا لا تتمثل بالنفط والزراعة والتجارة فقط، بل بالبشر أولاً وبالأساس. وتبدو عملية الهدر شاملة متى تذكرنا ما تعرضت له البلاد في غضون العقود الأخيرة من تدمير ما زال الكثير من معالمه من دون إعمار، ويتطلب موارد بشرية ومادية متوفرة نظرياً ومفقودة عملياً، رغم أن البلاد تحصل على عائد نفطي سنوي يفوق 200 مليار دولار.
تبدو مشكلات العراق ضمن واقعه الراهن مستعصية، فإذا كانت البلاد بحاجة إلى إعمار شامل على صعيدي البنى التحتية والمؤسسات، الا أن تغلغل الفساد يعوق أي عملية استنهاض. لكن العامل الموازي في هذا المأزق يتمثل بزيادة الإنفاق على الجيش والحشد الشعبي وقوى الأمن. وهكذا تتكامل القيود السياسية المحيطة مع قيود محلية تحول دون الخروج من الأزمة.
وينسحب هذا الوضع على الخريجين الذين يعدون بعشرات الألوف سنوياً، إذ يفتقد خريجو الكليات النظرية والعلوم الإنسانية أي فرصة عمل، بينما يحصل متخرجو الاختصاصات العلمية على أضعاف ما يتوافر لهم من فرص، أما خريجو المعاهد المهنية والتطبيقية، فيبدو أن الأبواب أمامهم مفتوحة، لكنهم يواجهون مشكلة من نوع آخر تتمثل بعدم إيلاء المعاهد والكليات التي تخرجوا منها الاعتبار اللازم، كذلك فإنهم يفتقدون إلى التجهيزات الفنية في المختبرات، ما يمنع امتلاكهم المؤهلات والتدريب الكافي للنجاح في سوق العمل.

موقف
التحديثات الحية

والشائع في سوق العمل أنّ 90% من الخريجين الجدد يفتقدون المهارات، ويعانون من ضعف في اللغة الإنكليزية وفي استخدام الكمبيوتر. وهكذا تدفع 110 كليات ومعاهد رسمية وخاصة، فضلاً عن إقليم كردستان، بعشرات الألوف من الخريجين الذين يحملون شهادات لا قيمة سوقية للكثير منها، وربما عاد السبب إلى النزف الذي تعرض له العراق على صعيد الكوادر والمتخصصين، ما قاد إلى تراجع مستوى الدراسة الجامعية بعد مغادرة آلاف الأساتذة البلاد مكرهين، علماً أنّ جامعات أجنبية كانت تجهد لاستقطابهم.

ويسود في العراق الحديثُ عن بطالة المثقفين، فمن أصل 6 ملايين عاطل من العمل تحدثت عنهم وزارة التخطيط العراقية، هناك مئات الألوف من خريجي الجامعات، الذين باتوا في قمة الإحباط بعد أن مضى على تخرجهم سنوات من دون العثور على فرصة عمل توفر لهم راتباً رسمياً ثم تقاعدياً.
وتمتلك الحكومة 4 ملايين موظف تقريباً، 100 ألف منهم يتقاضون رواتبهم من دون أي عائد اقتصادي، وفشلت عملية إعادة هيكلة القطاع العام بفعل التداخلات السياسية والطائفية، ما يعني استمرار الدولة في أدائها الذي يستنزف الموارد العامة، وهذا يعني أنّ على الحكومة أن تنفق سنوياً نحو 50 مليار دولار أميركي رواتب، بينما يعتبر اقتصاديون أنّ عوائدها لا تتجاوز 69 مليار دولار، وفي حال تراجُع مداخيل النفط ستقع الواقعة.

(باحث وأكاديمي)

المساهمون