العراق: معاناة الازدحام المروري

28 يناير 2021
الصورة
ازدحام مروري في بغداد (مرتضى السوداني/ الأناضول)
+ الخط -

يوماً بعد يوم، تتفاقَم مشكلة الازدحام المروري في العاصمة العراقية بغداد. وعقب كلّ حادث أمني أو تفجير أو اضطراب سياسي، تلجأ قوات الأمن إلى نشر العديد من نقاط التفتيش والتي تُسمّى "السيطرات" في البلاد، ما يؤدي إلى تأخير عشرات آلاف الموظفين والقادمين من المحافظات لإتمام معاملات ومراجعات في دوائر الدولة، فبالكاد تتحرك السيارات. ويزداد الأمر تعقيداً في الشوارع التي تؤدي إلى مباني الوزارات أو المناطق الحيوية والتجارية.
وتُفاقم هذه الازدحامات مشاعر النقمة لدى العراقيين على الحكومة، إذ لم تتمكن حكومات ما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003، من توسيع المدن أو بناء طرقات جديدة أو جسور أو أنفاق أو قطارات، حتى أن مشروع مترو بغداد، الذي كان قد أعلن عنه قبل سنوات، لم ير النور حتى هذه اللحظة بسبب الأزمات المالية، بحسب مسؤولين. كما لم يتم العمل على تطوير البنى التحتية الموجودة قبل الغزو الأميركي للبلاد عام 2003. 
خلال ساعات النهار، تشتد الازدحامات في كل من الكرخ والرصافة على طرفي العاصمة، متسببة بتذمرٍ واسع لدى العراقيين، كما أنها تؤدي في الكثير من الأحيان إلى حصول حوادث سير بسيطة، ما يؤدي إلى مزيد من الازدحام ريثما تنتهي الإجراءات وتحديد الأسباب والمسؤول عن الحادث. وفي النتيجة، بات الازدحام المروري مشهداً مألوفاً في بغداد. كما أن بعض أهالي بغداد باتوا يستعينون بالدراجات الهوائية والنارية الصغيرة، بالإضافة إلى "التوك توك" (دراجة نارية ذات ثلات عجلات)، لقضاء أعمالهم نهاراً.
إلى ذلك، تؤكد مديرية المرور العامة في العراق أن عدد المركبات في العاصمة بغداد وحدها بلغ مليونين و500 ألف مركبة. وبحسب مدير المرور العام اللواء طارق إسماعيل، فإن "العدد الأكبر من المركبات دخل العاصمة بغداد بعد عام 2003، وأن هذا الرقم أثر على انسيابية الطرقات وعلى وجه الخصوص في أوقات الذروة خلال الدوام الرسمي للموظفين والجامعات". ويشير إلى عدم توسيع الطرقات أو تشييد جسور جديدة باستثناء القليل منها، وذلك منذ عام 2003، علماً أن طرقات البلاد غير قادرة على استيعاب الزيادة الكبيرة في عدد السيارات، وخصوصاً مع الازدياد الكبير في عدد سكان العراق، والذي وصل إلى نحو 40 مليون مواطن. وبالتالي، لا يخلو البيت الواحد من سيارة أو اثنتين.  

ويتحدّث عن أسباب أخرى للازدحام هي الاستيراد العشوائي للمركبات، مشيراً إلى وجود خطة لمنع سير بعض المركبات 
التي تعد خارج الخدمة، بالإضافة إلى خطة أخرى وافق عليها مجلس الوزراء، وهي تغيير دوامات الوزارات والجامعات.
يُشار إلى أن رئيس الحكومة العراقية الأسبق حيدر العبادي، كان قد أشار إلى إجراء إصلاحات تتضمن حصر استيراد المركبات من خلال شركات حكومية وبعض التجار. إلا أن مسؤولين في حكومة مصطفى الكاظمي الحالية يؤكدون لـ"العربي الجديد"، أن "استيراد السيارات الأميركية ما زال مستمراً عبر دولة الإمارات. كما أن تجاراً ينتمون إلى بعض الأحزاب يواصلون استيراد سيارات سايبا وطيبة من إيران بأعداد كبيرة".

 الشوارع الداخلية تشهد ازدحاماً أيضاً (صباح عرار/ فرانس برس)
الشوارع الداخلية تشهد ازدحاماً أيضاً (صباح عرار/ فرانس برس)

من جهته، يقول المسؤول في قسم العلاقات والإعلام في مديرية المرور في بغداد، العقيد كريم المشهداني، إنّ "الازدحامات لا ترهق المواطنين في العاصمة العراقية فقط، بل ترهق أيضاً شرطة المرور التي تعمل طيلة ساعات النهار من أجل الحد من الازدحام المروري قدر الإمكان، في ظل الكثافة السكانية وعدم ضبط مشكلة الاستيراد المفتوح للسيارات، وغياب رقابة السلطات بشأن عدد المركبات المستوردة". ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "الطاقة الاستيعابية لعدد السيارات في بغداد هي أقل من نصف مليون سيارة فقط، علماً أن هناك أكثر من مليوني سيارة في بغداد حالياً، ما يؤدي إلى ازدحام قد يمتد نحو خمسة كيلومترات أحياناً".

أما المسؤول السابق في مجلس محافظة بغداد سعد المطلبي، فيرى أن الازدحام المروري مشكلة في كل عواصم العالم. لكن الحكومات في الخارج تعمل دائماً على استحداث الطرقات الجديدة، ووسائل النقل الحديثة، مثل القطارات والمترو. لكن في العراق، فإن الحكومات لم تتقدم بمثل هذه الملفات بسبب المحاصصة والتنافس بين الأحزاب على تنفيذ المشاريع. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن تصميم العاصمة بغداد بحاجة إلى تدخل من وزارة التخطيط، لأنه لا يتناسب مع التنامي المستمر في عدد السكان وعدد مركبات المواطنين.

قضايا وناس
التحديثات الحية

ومنذ عام 2003، تعد الحكومات في العراق أهالي بغداد بإنشاء "مترو بغداد"، الذي أعلن عنه أول مرة عام 2007 بتعليق من أمين بغداد الأسبق صابر العيساوي، وخُصص للمشروع آنذاك مبلغ مليار دولار. ثمّ أضيف إلى هذا المبلغ ملياران إضافيان. إثر ذلك، استحدثت شعبة جديدة في مبنى أمانة بغداد، وهي المسؤولة عن نظافة العاصمة وجماليتها، متخصصة بمشروع المترو. لكنها لم تستمر بسبب عدم توفر السيولة المالية، بحسب الرواية الحكومية. وقبل أشهر، قال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إن الفرنسيين سيدعمون مشروع مترو بغداد، وقد أصدرت الرئاسة الفرنسية بياناً أكدت فيه هذا التصريح، ولكن لا شيء تحقق على أرض الواقع.
من جهتها، تشير زينة علي، وهي موظفة في منطقة العلاوي وتقطن في حي الكرادة، إلى أنها تقضي نحو ساعتين كي تصل إلى منزلها بعد انتهاء دوامها، وهو ما يرهقها ويؤدي إلى تعب إضافي، وتضطر أحياناً إلى النزول من السيارة الخاصة بنقل الموظفين، وتكمل بقية دربها سيراً على الأقدام. تقول لـ"العربي الجديد"، إن "كثرة السيارات في العاصمة بغداد باتت من الظواهر السلبية، وتؤدي إلى مشاكل مرورية، كما أن الحكومات لم تنجز أي تقدمٍ على مستوى استحداث وسائل نقل جديدة".

المساهمون