العراق: محاولات للسيطرة على منشآت معالجة النفايات الخطيرة
استمع إلى الملخص
- أكدت وزارة البيئة على أهمية الالتزام بالمعايير البيئية والفنية، مع تكثيف الزيارات الدورية للمنشآت ومراقبة تطبيق نظام السيطرة على المصادر المائية والانبعاثات، مع استمرار الإجراءات الرادعة ضد الجهات المخالفة.
- يشكك خبراء بيئيون في فعالية الإجراءات الحكومية دون بنية تقنية قوية، مشيرين إلى تأثير الفساد الإداري وغياب الشفافية، مما يضعف الرقابة ويزيد أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
في ظل الارتفاع المتسارع في مستويات التلوث البيئي في العراق، بدأت الحكومة، ممثلةً بوزارة البيئة، تنفيذ سلسلة تحركات تهدف إلى السيطرة على منشآت معالجة النفايات الخطيرة وإعادة تنظيمها وفق معايير أكثر صرامة، تضمنت إعادة تقييم التراخيص وتشديد إجراءات المتابعة الفنية للمنشآت، بما يشمل تقييد عمليات المعالجة الحرارية، وتحسين نظم العزل ومنع تسرب الملوثات، واعتماد أدوات مراقبة رقمية لرصد سير عمليات التخلص من النفايات عبر مراحلها المختلفة.
هذه الخطوات تأتي بعد تحذيرات متكررة من تقارير دولية ومحلية أشارت إلى أن العاصمة بغداد باتت من المدن التي تقترب من كونها غير صالحة للعيش بسبب التدهور البيئي الناتج عن الانبعاثات الصناعية وتراكم المخلفات السامة.
ووفقاً للمديرة العامة للدائرة الفنية في الوزارة، نجلة الوائلي، فإن "وزارة البيئة تعتمد على آلية وطنية لمنح التراخيص والموافقات البيئية الخاصة بمنشآت معالجة وإتلاف النفايات الخطرة والنفطية، بما يضمن سلامة عمليات النقل والمعالجة والتخلص النهائي وفق المعايير الفنية والبيئية المعتمد"، مؤكدة في تصريح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، اليوم الجمعة، أنّ "فرق المتابعة تواصل إجراء زيارات دورية لتلك المنشآت للتحقق من التزامها بمتطلبات التشغيل والإجراءات الوقائية وتقنيات الحد من التلوث، بما يعزّز حماية البيئة ويقلل المخاطر الناجمة عن المخلفات الصناعية والنفطية في جميع المحافظات".
وأوضحت أن "الوزارة كثّفت إجراءاتها الميدانية لمراقبة تطبيق نظام السيطرة على المصادر المائية، ومحددات الانبعاث الوطنية، وتعليمات إدارة النفايات الخطرة، إضافة إلى إجراء التدقيق البيئي على مواقع الإنتاج والمعالجة، للحد من أي ممارسات قد تشكّل ضرراً على البيئة والصحة العامة"، مشددةً على أن "الإجراءات الرادعة ستستمر بحق الجهات المخالفة، وأن العمل الرقابي سيشهد مزيداً من التشديد خلال الفترة المقبلة حفاظاً على البيئة وللتقليل من الحمل البيئي على التربة والمياه والتنوع البيولوجي".
ورغم أن المعايير الجديدة التي أعلنتها الوزارة تستند إلى توصيات منظّمة الصحة العالمية، فإن خبراء بيئيين يشككون في جدواها الفعلية ما لم ترافقها بنية تقنية قوية تضمن التطبيق الكامل، وقال الخبير البيئي مصطفى الشماع، لـ"العربي الجديد"، إن "الكثير من المنشآت العاملة في العراق ما تزال تعتمد على تقنيات قديمة، في حين تعمل منشآت خاصة خارج نطاق الرقابة الصارمة، وتستغل ضعف قدرة الجهات الرسمية على المتابعة المستمرة".
وشدد على أنّ "المشكلة لا تكمن في النصوص والمعايير، بل في غياب القدرة المؤسساتية واللوجستية على تنفيذها، خصوصاً مع محدودية أجهزة القياس والتحليل والانبعاثات في البلاد". وأضاف أن "التلوث البيئي ليس ملفاً يمكن التعامل معه بإجراءات جزئية، إذ إن أي تسرب بسيط من منشأة غير مؤهلة قد يطلق ملوثات مسرطنة أو عناصر سامة تستقر في التربة لعشرات السنين"، مشيراً إلى أن "غياب الشفافية حول نتائج المعالجات الحالية، وعدم نشر بيانات الانبعاثات بشكل علني، يفاقمان أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المسؤولة".
ويشتكي مسؤولون ومواطنون من تأثير الفساد الإداري على عمل القطاع البيئي في البلاد، حيث تتجنب بعض الشركات الخضوع لرقابة صارمة، مستفيدةً من نفوذ اقتصادي أو سياسي، الأمر الذي يضعف أي محاولة لتحسين الوضع البيئي. ويعكس الرأي العام صورة أكثر قتامة، إذ ينظر العراقيون إلى الإجراءات الحكومية بنوع من الريبة، خاصة بعد تفاقم الأمراض التنفسية وزيادة الشكاوى من تلوث الهواء والمياه في مناطق قريبة من مواقع معالجة النفايات.
وفي بغداد تحديداً، يتصاعد شعور عام بأن الوضع البيئي أصبح خارج السيطرة، وأن العاصمة تفقد تدريجياً مقومات العيش الطبيعي، الأمر الذي يتطلب خطوات أعمق من مجرد تعديل اشتراطات على عمل المنشآت التي تبعث الغازات الملوثة.