العراق | بعثة يونامي الأممية تترك فراغاً في العمل الإنساني

15 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:39 (توقيت القدس)
غوتيريس ببغداد للاحتفال بانتهاء مهام بعثة "يونامي"، 13 ديسمبر 2025 (مرتجى لطيف/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أنهت بعثة الأمم المتحدة في العراق "يونامي" عملها بعد 22 عاماً، حيث ساهمت في تطوير المؤسسات ودعم الحوار السياسي والانتخابات وحقوق الإنسان، لكنها تترك قضايا إنسانية وسياسية غير محسومة مثل النازحين وتدهور الديمقراطية.
- رغم الانتقادات لدورها المحدود في معالجة الفساد والانقسامات، قدمت البعثة دعماً في الإغاثة وإعادة الإعمار وأصدرت تقارير عن حقوق الإنسان، مما يثير مخاوف من تأثير مغادرتها على مراقبة الانتخابات وحقوق الإنسان.
- يرى بعض السياسيين أن إنهاء مهمة "يونامي" يعكس استقلال القرار السياسي العراقي، لكن ناشطين يحذرون من فراغ في مراقبة الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما قد يزيد نفوذ الجماعات المسلحة.

أنهت بعثة الأمم المتحدة في العراق "يونامي" عملها بعد أكثر من عقدين من العمل الدبلوماسي والإنساني، الذي مرَّ بتطورات وتحوّلات معقدة عدة، منذ العام 2003 ولغاية نهاية شهر ديسمبر الجاري، حيث ستغادر البعثة العراق، تاركة خلفها وضعاً لا يُعد جيداً، لا سيما وأن قضايا إنسانية كثيرة لم تُعالج، وأبرزها مسألة النازحين وتدهور الحالة الديمقراطية وتراجع حرية الرأي والتعبير والصحافة، فضلاً عن تفلت السلاح بيد جماعات متعددة، ناهيك عن امتلاك السلاح لدى عامة الناس في العراق.

وأعلنت الأمم المتحدة انتهاء ولاية بعثتها في العراق (يونامي) رسمياً بعد 22 عاماً من العمل، في خطوة تمثل انتقالاً من دور أممي سياسي إشرافي، إلى أطر تعاون تقني تنموي تتلاءم مع طبيعة المرحلة في البلاد. وزار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، السبت، العاصمة بغداد، للمشاركة في مراسم الإعلان الرسمي لانتهاء أعمال البعثة.

بدوره، أكد الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق محمد الحسان، أن مهمة بعثة يونامي ستنتهي رسمياً بعد أسبوعين من الآن في 31 ديسمبر/كانون الأول الحالي، مؤكداً في تصريحات للصحافيين، أن "أعضاء البعثة الأممية سيغادرون العراق كلياً بعد يوم 31 ديسمبر"، مبيناً أن "البعثة أتت بناء على طلب العراقيين، وإنهاء البعثة أتى أيضاً بناء على طلبهم".

وتشكلت "يونامي" عقب غزو العراق في 2003، ومقرها في المنطقة الخضراء شديدة التحصين في بغداد، للمساعدة في تطوير المؤسّسات العراقية ودعم الحوار السياسي والانتخابات وتعزيز حقوق الإنسان. وتضمّنت ولايتها، التي جرى تعزيزها في 2007 وتجديدها سنوياً، دعم الحكومة لإجراء حوار سياسي شامل ومصالحة وطنية، وتنظيم الانتخابات أو إصلاح قطاع الأمن. ومنذ الاحتلال الأميركي، بدأت حكومة العراق في اتخاذ خطوات لإنهاء عمل بعثات دولية عدّة، من بينها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، الذي أنشئ في 2014 للتصدي لتنظيم "داعش"، فضلاً عن مهمة الأمم المتحدة التي تشكلت للمساعدة في تعزيز المساءلة عن جرائم الجماعة المتشددة.

وعملت البعثة الأممية ضمن نطاق مهام سياسية واجتماعية وتنموية وأمنية مختلفة، بموجب قرار مجلس الأمن عام 2003 المرقم 1500، بالتزامن مع احتلال العراق من الولايات المتحدة، لكنها لاقت انتقادات واسعة خلال السنوات الماضية، بسبب ما اعتُبر دوراً خجولاً أو محابياً لقوى سياسية وفصائل مسلحة متورطة بانتهاكات حقوقية واسعة في البلاد، وهو ما تنفيه البعثة بطبيعة الحال، ولا سيّما في فترة تسلم جينين بلاسخارت رئاسة البعثة (2018 ــ 2024) التي اتُهمت بأنها أخفقت في مراقبة ملفات مهمة ومتابعتها، مثل الفساد، والانقسامات، والإفلات من العقاب، والتدخل غير المبرّر في وظائف الدولة والجهات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة، وتقوية علاقتها الوظيفية والخاصة، حتى أصبحت صديقة لزعماء الأحزاب وقادة الفصائل المسلحة.

ورغم ذلك، فإنها وفق قانون الأمم المتحدة، تلتزم بمغادرة أي بلد يطلب منها رسمياً إنهاء مهامها. وطلب رئيس مجلس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني قدم رسمياً في 21 أيار/ مايو 2024، في رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة إنهاء "يونامي" بشكل نهائي اعتباراً من 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025، على أن تقتصر جهودها خلال الوقت المتبقي على استكمال أعمالها فقط في ملفات الإصلاح الاقتصادي، وتقديم الخدمات، والتنمية المستدامة، والتغير المناخي، وغيرها من الجوانب التنموية.

ارتدادات سلبية على رحيل يونامي من العراق

الناشط العراقي محمد عبد الستار، قال إن "رحيل بعثة يونامي سيكون له ارتدادات سلبية على صعيد القضايا الإنسانية، لا سيما وأن البعثة كانت أبرز الجهات التي تراقب سير حالة العملية الديمقراطية، ناهيك عن لمراقبة ومحاولاتها لمعالجة ملفات التلوث والأزمات البيئية وحقوق الإنسان وتمكين المؤسسات الرقابية"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "مغادرة البعثة يخلق مساحة أكبر للجماعات المسلحة في العبث بمؤسسات الدولة العراقية، كما أن المنظمات المحلية ستكون أضعف، ناهيك عن زيادة في مضايقات للنشطاء والصحافة المحلية".

من جهتها، أشارت نور الهدى سعد وهي رئيسة منظمة "ساسة" (منظمة محلية في العراق)، إلى أن "مغادرة يونامي لا تعني مغادرة كاملة للأمم المتحدة، إنما هي مغادرة لوكالة من وكالات الأمم المتحدة المعنية بالإصلاح السياسي والاقتصادي، لكنها تعني في نفس الوقت مغادرة لجهة تنظر في الانتخابات والعملية السياسية"، موضحة لـ"العربي الجديد"، أن "الأحزاب الحاكمة في البلاد، ترى أن البنية المؤسسية والعملية السياسية بدأت تدار بشكل صحيح، مع إجراء دوري للانتخابات وبشكل قانوني، ولكن المغادرة تعني بالضرورة ظهور مخاوف على واقع حقوق الإنسان، كما أن غياب البعثة قد يؤثر على متابعة ومراقبة الملفات الهامة في البلاد مثل الانتخابات والانتهاكات وقضايا متعلقة بالديمقراطية والحقوق والحريات، خصوصاً وأنها تزامنت مع خروج منظمات دولية أميركية وغيرها".

وخلال العقدين الماضيين، عملت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي" على ملفات معقدة، بضمنها التركيز على تقديم الدعم والإغاثة لملايين النازحين، وتنسيق جهود وكالات الأمم المتحدة في مجالات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية وإعادة الاستقرار في المدن المحررة، كما أسهمت البعثة في دعم البرامج الصحية والتعليمية ومشاريع توفير مياه الشرب، بالتعاون الوثيق مع مؤسسات الدولة العراقية. أما في مجال حقوق الإنسان، فقد أصدرت "يونامي"، عشرات التقارير الدورية التي رصدت أوضاع السجون، والاختفاء القسري، وحالات الاغتيال السياسي، واستهداف الأقليات، بالإضافة إلى توثيق الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الأيزيديين، حيث اعتمدت هذه التقارير مراجع أساسية من قبل المؤسسات الدولية والجهات التشريعية العراقية.

قضايا وناس
التحديثات الحية

عضو مجلس النواب العراقي محمد راضي، بيَّن أن "قرار إنهاء مهمة بعثة يونامي لم يأتِ نتيجة ضغوط سياسية، بل كان ثمرة توافق وطني وجهود سياسية متراكمة، لا سيما وأن دور تحالف الإطار التنسيقي في دعم مسار الاستقرار السياسي والأمني، وهو يمثل إنهاء لحالة الوصاية الأممية على القرار العراقي"، مبيناً في تصريح صحافي، أن "العراق بات أكثر استقلالاً في قراره السياسي، ولم يعد خاضعاً لضغوط خارجية، وأن رحيل يونامي يمهد لاستعادة الموقع الطبيعي للعراق داخل المجتمع الدولي بوصفه دولة ذات سيادة كاملة".

المساهمون