استمع إلى الملخص
- تشير بيانات وزارة التخطيط إلى وجود 4,679 تجمعاً سكنياً عشوائياً يقطنها 3.6 ملايين شخص، نتيجة النزوح والأزمات الاقتصادية ونقص مشاريع الإسكان، مما يزيد من المشاكل الصحية والنفسية.
- تؤكد وزارة التخطيط على ضرورة حلول عمرانية عاجلة تشمل تخطيطاً حضرياً وإعادة تأهيل العشوائيات، لكن تواجه تحديات بسبب الضغط الاجتماعي والسياسي ونقص الكوادر.
تحرم الفوضى العمرانية شريحة واسعة من العراقيين من ضوء الشمس ما يفاقم الأزمات الصحية والنفسية والاجتماعية جرّاء العيش في بيئة مظلمة.
عند أطراف العاصمة بغداد ومناطق متفرقة من المحافظات العراقية تتكدس البيوت فوق بعضها البعض، تتلاصق واجهاتها، وتضيق الأزقّة حتى يكاد ضوء النهار لا يتسلل إلى بعض غرفها. الأمر الذي يتسبّب في معاناة السكان من الرطوبة والتهوية الضعيفة، وقضاء الأطفال ساعات عديدة داخل غرف شبه مظلمة، نتيجة فوضى التصميم العمراني. ويفاقم غياب الخدمات والبنى التحتية مأساة السكن، الأمر الذي يحوّل المشكلة إلى قضية صحية ونفسية واجتماعية.
وبحسب بيانات وزارة التخطيط في العراق فإنّ عدد التجمعات السكنية العشوائية يبلغ 4 آلاف و679، يقطنها نحو 3.6 ملايين شخص، ما يعادل نسبة 10% من السكان. وتمثل الأحياء السكنية الفقيرة أجزاء واسعة من مدن عدة، من بينها العاصمة بغداد.
تقيم أم سجى مع زوجها وثلاثة أطفال في منزل لا تتجاوز مساحته 50 متراً، يتألف من ثلاث غرف خشبية سقفها من حديد متآكل، وتقول لـ"العربي الجديد": "لا نستطيع إطفاء المصباح، بل نعيش على ضوئه طيلة النهار". وإذ تحدّق في فتحة صغيرة أعلى الجدار، تسمّيها "النافذة الوهمية" كونها لا تجلب أي ضوء، تضيف: "لا نرى الشمس منذ سنوات طويلة، فقد بُني منزلنا قبل أكثر من عشر سنوات بطريقة عشوائية، ولاحقاً ارتفعت بيوت أخرى بجوارنا وحاصرتنا من كل الجهات. واقعنا البائس تسبّب في مشاكل نفسية لدى بناتي اللواتي يتضايقن من البقاء في المنزل، ويتذمّرن من الرطوبة التي تلحق الضرر والعفن بمقتنياتهنّ وبأغراض المنزل".
ويقول الباحث الاجتماعي حسن العزاوي لـ"العربي الجديد" إنّ "حرمان الأفراد من الضوء الطبيعي يرفع مستوى التوتر، ويزيد النزاعات العائلية، ويؤثر مباشرة على سلوك الأطفال، فالأطفال الذين ينشؤون في منازل بلا إضاءة طبيعية يواجهون صعوبة في التركيز والدراسة، ويميلون إلى العزلة والقلق، ويرتبط هذا الحرمان علميّاً باضطرابات النوم والمزاج".
وتقول طبيبة العيون سارة حيدر لـ"العربي الجديد" إنّ "غياب أشعة الشمس الذي يبدو تفصيلاً صغيراً لمن يعيش في بيئة طبيعية، فإنّه في هذه البيوت يمثل معاناة يومية. الضوء ليس رفاهية، بل عنصر أساسي لصحة الإنسان النفسية والجسدية، ونمو الأطفال، وشعور الأسرة بالراحة والأمان".
وتؤكد حيدر أن "نقص التعرض الطبيعي للضوء يضعف قدرة العين على التكيّف البصري ويؤثر على صحة الشبكية، فضلاً عن مساهمته في تفاقم ضعف النظر والصداع والإجهاد المستمر للعين، وهي مشكلات يلاحظها السكان يومياً. نقص الإضاءة الطبيعية مرتبط علمياً باضطرابات النوم، وضعف المزاج، وتراجع القدرة على التركيز لدى الأطفال، وهي آثار قد تتفاقم في حال ترافق الظلام مع رطوبة وتهوية ضعيفة وعيشٍ في ظروف فقر".
وفي مناسبات عدة، أكدت وزارة التخطيط أن العشوائيات توسعت بسبب النزوح والأزمات الاقتصادية ونقص مشاريع الإسكان، ما دفع آلاف العائلات إلى البناء من دون ضوابط. ومع غياب الرقابة البلدية لفترات طويلة، صارت الأزقة تضيق والمباني تتلاصق حتى إنّ بعض المنازل بُني من دون أي نافذة حقيقية، أو أن الضوء يدخلها فقط من سقفٍ متهالك.
وأفادت الوزارة بأنّ المشكلة ليست في تردّي البناء فحسب، بل في غياب رؤية شاملة لحلول عمرانية عاجلة، إذ إنّ الحلول تبقى موقّتة، مثل الاستعانة بفتحات علوية للضوء أو إعادة تصميم الواجهات، في حين أن الأزمة أوسع تستدعي تدخلاً حكومياً منسقاً يقوم على تخطيط حضري واضح، وإعادة تأهيل مناطق العشوائيات، وتوفير الدعم الصحي والاجتماعي للعائلات التي تعيش في الظلام.
ويكشف مصدر في أمانة بغداد لـ"العربي الجديد" أنّ "العشوائيات غالباً ما تنشأ في مناطق خارجة عن السيطرة الإدارية الفعلية، بسبب توسع سكاني يفوق قدرة الأمانة على المتابعة، إلى جانب ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية المعنية"، لافتاً إلى أن "الأمانة تواجه ضغطاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً يمنعها من إزالة أو منع البناء غير النظامي، لأن أغلب هذه المناطق يسكنها ذوو الدخل المحدود والفئات الهشّة، ما يجعل أي محاولة للمعالجة تصطدم بحساسيات وانتقادات شعبية".
ويضيف المصدر الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن "نقص الكوادر، وضعف آليات المتابعة، ووجود مخالفات تُشيَّد في ساعات الليل أو على أراضٍ لا تمتلك سجلات عقارية، يجعل مسألة الضبط أكثر تعقيداً، كما أن صدور استثناءات غير رسمية، وتدخل بعض القوى النافذة، كلها عوامل ساهمت في عدم تطبيق القانون".