العدالة الانتقالية في سورية... حوار حول المسار ومخاطر تكرار العنف

15 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:33 (توقيت القدس)
يهتم مسؤولون وحقوقيون بتأسيس مسار عدالة انتقالية ناجح، 8 ديسمبر 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- نظمت المؤسسة السورية للثقافة والتنوير جلسة نقاش حول العدالة الانتقالية في سورية، بمشاركة رسمية وحقوقية، بهدف معالجة إرث الانتهاكات وغياب العدالة، مع التركيز على مراجعة المنظومة القانونية لتحقيق تكافؤ الحقوق.

- أشار المحامي مازن درويش إلى التحديات المعقدة في تطبيق العدالة الانتقالية، مؤكدًا على أهمية التعامل بوعي مع الضحايا. وأوضحت جمانة سيف أن الهيئة تعمل عبر لجان متخصصة للتحقيق في الانتهاكات، مشيرة إلى ضرورة تضافر الجهود.

- تسعى المؤسسة لتعزيز قيم المواطنة والسلم الاجتماعي، وتمكين الشباب والنساء في عمليات السلام، ونشر قيم العدالة وحقوق الإنسان كركائز للتعافي المجتمعي.

في أولى فعالياتها الحوارية، نظمت المؤسسة السورية للثقافة والتنوير، مساء الأحد، في فندق الشيراتون بدمشق جلسة نقاش موسّعة حول العدالة الانتقالية في سورية، بمشاركة رسمية وحقوقية وحضور ناشطين ومهتمين في الشأن العام، في وقت تتقدّم البلاد بخطوات حذرة نحو معالجة إرث طويل من الانتهاكات وغياب العدالة.

وشدد معاون وزير العدل مصطفى القاسم على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاسبة القضائية، بل تبدأ من إعادة بناء الثقافة السائدة في المجتمع، لا سيما تلك التي تدعو إلى التصالح ومنع تكرار الانتهاكات. وقال القاسم في تصريح "العربي الجديد": "هذه الندوات جزء أساسي من التأسيس لمرحلة عدالة انتقالية ناجحة، ووزارة العدل وباقي مؤسسات الدولة معنية مباشرة بدعم هذا المسار لإيصاله إلى برّ الأمان تمهيداً لمحاسبة كبار المجرمين، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وصولاً إلى تحقيق المصالحة المجتمعية". تابع: "تحتاج سورية اليوم إلى مراجعة شاملة لمنظومتها القانونية، وشهدت السنوات الماضية تفصيل قوانين على قياس السلطة الاستبدادية التي تتحكم بكل مفاصل الحياة، ما يفرض تجديد القوانين المتقادمة، وتصحيح ما يشبه الانحراف، وخلق تشريعات جديدة تواكب التطور التكنولوجي وتؤسس لبيئة اقتصادية تجذب الاستثمار وتحقق تكافؤ الحقوق بين المواطنين".

واعتبر المحامي والحقوقي مازن درويش، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "التحديات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية في سورية كبيرة ومعقّدة، لكن لا خيار آخر سوى المضي في هذا المسار. من الضروري التعامل بوعي وشفافية مع الضحايا وعائلاتهم، والصراحة في التحدث عمّا يمكن وما لا يمكن تحقيقه شرط أساسي لنجاح العملية، ومن أبرز نقاط الضعف الحالية غياب رؤية استراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية على المستوى الوطني".

وقالت جمانة سيف، عضو هيئة العدالة الانتقالية في لجنة الحقيقة، لـ"العربي الجديد": "تعمل الهيئة عبر ست لجان متخصصة، هي لجنة الحقيقة، ولجنة جبر الضرر، ولجنة الإصلاح المؤسساتي، ولجنة السلم الأهلي، ولجنة تخليد الذاكرة، ولجنة المحاسبة. ومهمة لجنة الحقيقة التحقيق في الانتهاكات التي شهدتها سورية، من بينها المجازر والانتهاكات الجسيمة التي يحددها القانون، ويمتد الاختصاص الزماني لعمل هيئتها من عام 1970 حتى 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024". وأكدت أن "حجم الانتهاكات وتشعبها على مدى عقود يشكلان تحدياً استثنائياً لأن عدد المتضررين كبير، ما يتطلب إمكانات واسعة وتضافر جهود المجتمع المدني والدولي، وأيضاً تعاون العائلات المتضررة لضمان الوصول إلى الحقيقة وتحقيق قدر من العدالة".

واندرجت جلسة الحوار ضمن سلسلة فعاليات نظمتها المؤسسة السورية للثقافة والتنوير التي تأسست قبل أشهر بقرار من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وقال رئيس مجلس أمناء المؤسسة، فراس آدم، لـ"العربي الجديد": "تسعى المؤسسة إلى أن تكون فاعلة ومؤثرة في منظومة المجتمع المدني، خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سورية، من خلال المساهمة في إعادة بناء النسيج الوطني، وتعزيز قيم المواطنة والسلم الاجتماعي. وتنطلق المؤسسة من قناعة بأن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق من دون ترسيخ ثقافة الحوار، والاعتراف بالاختلاف والتنوع بوصفهما مصدر قوة للمجتمع السوري لا سبباً للصراع". أضاف: "يركز عمل المؤسسة على إعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع، وتمكين المجتمعات المحلية، لا سيما الشباب والنساء، من المشاركة الفاعلة في عمليات السلام وصنع القرار، إلى جانب نشر قيم العدالة والمواطنة واحترام حقوق الإنسان باعتبارها ركائز لأي تعافٍ مجتمعي حقيقي".

وتُعقد جلسة الجوار في سياق وطني مثقل بإرث طويل من انتهاكات حقوق الإنسان تفاقم مع انطلاق الثورة في مارس/ آذار 2011، وما رافقها من اعتقالات وقتل وتهجير، وصولاً إلى موجات عنف وانتقام خارج القانون شهدتها بعض المناطق بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، ما يعيد طرح السؤال الملحّ حول كيفية بناء عدالة انتقالية حقيقية في سورية قادرة على تجاوز منطق الثأر والمصالحات الشكلية، وتحويل تضحيات السوريين إلى مسار وطني يعيد للضحايا حقوقهم وللدولة معناها.

المساهمون