الطبيب ثائر أحمد: تأخير الإغاثة يهدد حياة آلاف من أهل غزة
استمع إلى الملخص
- يبرز أحمد التحديات الإنسانية في غزة، مثل نقص الإمدادات الطبية والغذائية وانقطاع الكهرباء، وتأثير ذلك على صحة الأطفال ونموهم.
- يشدد أحمد على أهمية إعادة بناء المجتمع والبنية التحتية في غزة، واصفاً الوضع بأنه كارثة إنسانية تتطلب دعماً دولياً لمواجهة التحديات المستقبلية.
كرر الطبيب الأميركي من أصول فلسطينية ثائر أحمد الذهاب إلى قطاع غزة، ومناطق أخرى من فلسطين المحتلة خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وتطوع للعمل في المستشفيات هناك، بما في ذلك العمل في مستشفيات غزة خلال حرب الإبادة الأخيرة، وهو حالياً يحاول الدخول مجدداً إلى قطاع غزة، بينما ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي السماح له بالدخول.
ويرى أحمد أنه مع إقرار المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تتوجه أنظار الكثيرين، بمن فيهم العاملون في المجال الإنساني، إلى الخطوات التي يجب اتخاذها، كما تزداد المخاوف من عدم التحرك بالسرعة اللازمة لإنجاز الاتفاق، وما سيجده العالم تحت الأنقاض، فضلاً عن الكم الهائل من الاحتياجات الإنسانية.
وبينما تشير إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى أن هناك أكثر من 60 ألف طفل فلسطيني قتلوا أو جرحوا في غزة على يد قوات الاحتلال، يتوقع أحمد أن تكون الأرقام الحقيقية أكبر من ذلك بكثير، كما أكد في مقابلة خاصة مع "العربي الجديد"، أنه تمكن من دخول الضفة الغربية، لكن السلطات الإسرائيلية ترفض السماح له بالدخول إلى غزة، وهذه هي المرة الخامسة التي يرفض فيها طلبه، مشدداً على أنه سيواصل المحاولة.
وحول الخطوات الضرورية التي يجب اتخاذها في قطاع غزة فوراً، يلفت أحمد إلى أنه "من المهم في هذا الوقت الاستفادة من الزخم الذي يرافق إعلان وقف إطلاق النار، والعمل على ضمان إيصال المساعدات الإنسانية، والإمدادات الطبية، وغيرها من المعدات والتعزيزات إلى زملائنا على الأرض. هذا أمر بالغ الأهمية، وله أولوية قصوى، وعلينا أن نتذكر أن معاناة الناس ستستمر بعد توقف القنابل عن السقوط وتوقف الدبابات عن القصف".
ويضيف: "تذليل العقبات، ومعالجة الظروف التي تسببت بحدوث المجاعة سيستغرق بعض الوقت، ولا وقت لدينا لنضيعه، إذ علينا التحرك بسرعة، وتوسيع نطاق عملنا، وإلزام الإسرائيليين بضمان الوصول. إذا لم نفعل ذلك، فإن مئات الأطفال في المستشفيات، خصوصاً الخدج والمواليد الجدد، وآلاف المصابين وأصحاب الأمراض المزمنة سيعانون، ومن المحتمل أن يتوفى عدد منهم، أو يعانون من عواقب وخيمة لا يمكن تداركها إذا استمر هذا الحصار الذي يمنع دخول الإمدادات الضرورية".
ويتابع: "توفير الإمدادات هو أهم شيء في الوقت الحالي، وعندما نتحدث عن الوصول، فإن ذلك لا يقتصر على إدخال المساعدات الطبية والإنسانية، بما فيها الغذاء، بل يعني كذلك وصول الأطباء وغيرهم من الكوادر الصحية، وفي الوقت نفسه إجلاء أكبر عدد ممكن ممن يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع، ونأمل أن نتمكن من إعادة فتح ممر طبي بين قطاع غزة وشبكة مستشفيات القدس الشرقية والضفة الغربية. هناك رغبة واستعداد لحدوث ذلك، لكن التنفيذ هو قرار سياسي".
ويلفت الطبيب ثائر أحمد إلى التدمير الواسع الذي لحق بالبنية التحتية للمستشفيات، مؤكداً أن "الأطفال الذين نفقدهم لهم أسماء مختلفة، لكن قصصهم متكررة، وتشمل حقيقة الافتقار إلى الأمان والحماية، وتكرار استهداف المستشفيات عدة مرات، مع إجبار الأطباء على مغادرة المستشفى، أو المنطقة كلها إلى منطقة أخرى، ما يعني التخلي عن مرضاهم، ومن بينهم القابعون في العناية المركزة، وسمعنا مرات عدة عن أطفال تركوا في الحاضنات ليموتوا وحدهم. الكثير يحدث على الأرض هناك، كما أن الكثير حدث ويحدث دولياً، بما في ذلك الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وأعتقد أنها لحظة حاسمة، لكن علينا أن نرتقي إلى مستوى الحدث، وإلا فسنواصل الفشل، وستستمر سبل الحياة في غزة في الانهيار حتى تختفي".
وعن عمله في غزة خلال الحرب، وما رآه على الأرض، بما في ذلك نقص الأدوية والمعدات الطبية الأساسية، يقول: "لا أعتقد أن كثيرين يدركون أن كل جوانب الحياة في غزة استهدفت، بغض النظر عن طبيعتها، بما في ذلك كل تفاصيل القطاع الصحي. على سبيل المثال، يُمنع دخول المتخصصين من الخارج، وشخصياً تم منعي من الدخول مرات، ويمنع أو يحدد دخول حليب الأطفال، والمواد الغذائية. حالياً لا يمكن الحصول على المواد الغذائية اللازمة لنمو الأطفال في غزة، لذا ستضعف أجهزتهم المناعية، ولن يتمكنوا من النمو بالشكل اللازم، إذ يُحرمون من الدجاج واللحوم والخضراوات، وغيرها من المواد الغذائية الأساسية، وكلها ضرورية لنموهم. كل ما كانوا يحصلون عليه طوال أشهر كان كميات قليلة من الأرز والخبز والعدس، وهذا لا يكفي".
ويثير الطبيب الفلسطيني قضية انقطاع الكهرباء، مشيراً إلى أن "عدم وجود الكهرباء أمر كارثي، إذ لا تقتصر أهميتها على الإضاءة، فعندما لا تتوفر الكهرباء، فإن هذا يعني أنه لا يمكن للمستشفيات أو المدارس وغيرها من المؤسسات الخدمية العمل على النحو اللازم، ناهيك عن صعوبات عدم توفر الكهرباء في فصل الشتاء، ما يعني غياب التدفئة، وهذا ضرر آخر إضافي".
ويلفت إلى أن "أكثر من 70% من المباني السكنية في قطاع غزة تضررت، ما يعني اكتظاظاً شديداً في المساحات القليلة المتبقية للجوء، مثل المدارس والمخيمات. لقد رأيت تلك المخيمات خلال الزيارات إلى غزة، إنها مكتظة، والناس بعضهم فوق بعض، ولا مكان يذهبون إليه. هذه ليست خياماً حقيقية، إنها خيام مؤقتة، وعشوائية، إذ يضطر الناس لجمع أي شيء من الأخشاب أو البلاستيك لبناء شبه خيمة، وكثيراً ما تؤوي تلك الخيمة البسيطة ثلاثة أو أربعة أجيال من نفس العائلة، وهم مجبرون على العيش في منطقة صغيرة للغاية، ومن دون خدمات. لم نتحدث بعد عن القنابل والرصاص والطائرات من دون طيار، والقيود على الحركة. نتحدث فقط عن الأساسيات المتعلقة بسبل العيش، وجميعها تقريباً غائبة. لكننا بدلاً من التركيز على مساعدة هؤلاء المنكوبين، كنا مشغولين بشكل مستمر بعلاج أو إنقاذ المصابين والجرحى".
ويتذكر أحمد كيف سويت مدينة خانيونس بالأرض عندما كان يعمل هناك، ويصف الأمر قائلاً: "كان الاحتلال يدمر عمارة تلو الأخرى، وحياً تلو الآخر، وسرعان ما اكتظ مجمع ناصر الطبي، حيث كنت أعمل، بالمرضى والمصابين. كانت هذه الأعداد الكبيرة أكبر من القدرة الاستيعابية لأي مستشفى متطور في العالم، بينما مستشفى ناصر ليس بهذا التطور، ولا يملك الطاقة الاستيعابية الكافية، وليس مجهزاً من ناحية عدد الأطباء أو الغرف".
وسبق أن تطوع أحمد للعمل في غزة خلال الـ 15 عاماً التي سبقت الحرب الأخيرة، ويشرح: "حتى قبل الحرب، كان من الصعب إدخال الإمدادات الطبية أو الأجهزة والمستلزمات إلى غزة، لذا فإن العمل الذي ينتظرنا هائل، وأعتقد أن الناس يدركون أن الأمر لا يقتصر على مجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار. علينا أن نساعد في إعادة بناء ذلك المجتمع، وإعادة إعمار غزة، وخلال هذه المهمة سنكون وجهاً لوجه أمام الإخفاقات التي ارتكبناها خلال العامين الماضيين، وسندرك حجم الكارثة الإنسانية القائمة في غزة، وهي كارثة من فعل البشر، وليست كارثة طبيعية. ما نراه حالياً هو الطبقة السطحية لما هو قائم بالفعل، وآمل أن نكون مستعدين للتعامل مع ما سنواجهه".