الصرف الصحي في العراق... خيارات بدائية خطرة للتغلب على غياب الشبكات

12 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 07:36 (توقيت القدس)
تحرم مناطق عدة في العراق من أبسط البنى التحتية، 10 أغسطس 2025 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعاني مناطق سكنية في العراق، بما في ذلك بغداد، من غياب شبكات صرف صحي نظامية، مما يدفع السكان لاستخدام حلول بدائية كحفر خزانات تُفرغ دورياً، مما يضيف أعباء مالية وصحية.
- يحذر متخصصون من المخاطر الصحية المرتبطة بالخزانات البدائية، مثل تلوث المياه وانتشار الأمراض، مع غياب الرقابة على سيارات التفريغ التي تزيد التلوث البيئي.
- يوجه الأهالي انتقادات للحكومات بسبب الإهمال المزمن لملف الصرف الصحي، ورغم الوعود الانتخابية، تظل الحلول غائبة، مما يزيد معاناة المواطنين.

لا توجد في مناطق سكنية مكتظة في العراق شبكات صرف صحي نظامية، وقد تكون هذه الشبكات متقادمة ومتهالكة في مناطق أخرى، ولا تستوعب الزيادات السكانية، ما يدفع الأهالي إلى اعتماد حلول يفترض أنها طُويت منذ عقود.

تعتمد آلاف العائلات في مناطق واسعة من مدن العراق، ومنها العاصمة بغداد، حلولاً بدائية لتجاوز أزمة غياب شبكات الصرف الصحي أو ضعفها، في مشهد يعكس فجوة خدماتية كبيرة لا تزال ترافق التوسّع السكاني غير المنظم، خصوصاً في المناطق الجديدة أو الزراعية التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى تجمعات سكنية مكتظة. ومن بين الحلول، حفر خزانات للصرف الصحي داخل باحات المنازل، والتي تبنى غالباً تحت الأرض وتسقف بشكل غير ظاهر لتجميع المياه الثقيلة ثم تفرّغ دورياً باستخدام سيارات حوضية.

ويشير سكان محليون إلى أن هذه الطريقة كانت معتمدة في القرن العشرين قبل أن تتوسّع المدن وتظهر شبكات الصرف الصحي الحديثة، لكنها عادت بقوة خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى إنها باتت الخيار الوحيد لآلاف العائلات في أحياء كاملة يقع بعضها على أطراف المدن وفي وسطها، وبعضها الآخر داخل حدود بلدية لكنها محرومة من أبسط البنى التحتية.

يقول مظفر العيثاوي الذي يسكن في منطقة أنشئت حديثاً جنوبي بغداد لـ"العربي الجديد": "يعتمد كل بيت في المنطقة على خزان للصرف صحي، ولا نملك أي خيار آخر. الشبكة غير موجودة أصلاً في منطقتنا ولا في المناطق قربها، والحديث عن مشروع مستقبلي يتكرر منذ سنوات من دون تنفيذ". يتابع: "يُفرّغ الخزان مرة واحدة شهرياً في أقل تقدير، وقد تتكرر أكثر من ذلك خاصة في فصل الشتاء، ما يعني تكاليف مالية إضافية ترهق العائلات، وأيضاً روائح كريهة ومخاطر صحية".

ويحذر متخصصون في الشأن الصحي من أن هذه الخزانات، خصوصاً تلك التي تبنى بطرق بدائية ومن دون إشراف هندسي، تشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة، إذ تتعرض غالباً لطفح أو لتسرّب المياه الثقيلة إلى التربة المحيطة، ما يلوّث المياه الجوفية وينشر الحشرات والأمراض.

الصورة
لا تخطيط خدماتي حقيقي في مناطق عدة بالعراق، 18 يوليو 2022 (فرانس برس)
لا تخطيط خدماتياً حقيقياً في مناطق عدة بالعراق، 18 يوليو 2022 (فرانس برس)

ويتحدث الطبيب ضرغام علي الذي يعمل في مركز صحي قريب من هذه المناطق، لـ"العربي الجديد"، عن تسجيل إصابات جلدية متكررة وحالات التهاب معوي وأمراض مرتبطة بالتلوث البيئي، خصوصاً بين الأطفال، ويشير إلى أن "الروائح المنبعثة أثناء عملية الصرف الصحي بواسطة صهاريج تنتشر في الأحياء لساعات وتزيد معاناة السكان خصوصاً كبار السن والمرضى".

ويلفت ناشطون بيئيون الى أن غياب الرقابة على عمل سيارات التفريغ يضاعف المشكلة، إذ يفرّغ بعض سيارات الصهاريج حمولته أحياناً في أراضٍ مفتوحة أو مجارِ قريبة، في انتهاك واضح للمعايير البيئية يحصل من دون أي محاسبة.

وصيف العام الماضي، سجل ارتفاع كبير في معدلات التلوث بمحافظة البصرة (جنوب) نتجت عنها عشرات الإصابات بطفح جلدي، ونبّه مرصد العراق الأخضر المعني بشؤون البيئة إلى أنّ التلوث في مياه محافظة البصرة هو الأسوء منذ عقود وأن المياه تصل إلى المنازل محمّلةً بشوائب وديدان وطحالب.

ولا تقتصر الأزمة، بحسب متابعين للشأن الخدماتي، على المناطق النائية، بل تشمل أحياءً واسعة داخل محافظات رئيسية في العراق تحوّلت من أراضٍ زراعية إلى مناطق سكنية بفعل الحاجة، ومن دون أن يواكب ذلك أي تخطيط خدماتي حقيقي. يقول الناشط المدني إبراهيم عماد لـ"العربي الجديد": "سمحت الدولة بالتوسّع العمراني عبر قرارات مباشرة أو بحكم الأمر الواقع، لكنها لم تضع حلولاً للبنى التحتية، وعلى رأسها الصرف الصحي، ما ترك المواطنين أمام خيارات بدائية وغير آمنة".

ويوجه الأهالي انتقادات حادة إلى الحكومات المحلية والجهات المركزية المعنية بالخدمات، بسبب ما يصفونه  بـ"إهمال مزمن" لملف الصرف الصحي في العراق الذي يُعد أحد الملفات الأكثر تهميشاً رغم ارتباطه مباشرة بالصحة والبيئة.

وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد"، ربط المتخصّص في الشأن البيئي والمائي عادل المختار أسباب التلوث الشديد والمقلق بـ"تصريف مياه الصرف الصناعي والزراعي من دون معالجة كافية، وإذا استمر هذا الوضع، فسنشهد تدميراً كاملاً للموارد الطبيعية، وانهياراً شاملاً في منظومة الحياة البيئية".

ويؤكد سكان محليون أن الوعود تتكرر مع حلول كل موسم انتخابي من دون أن تترجم إلى مشاريع فعلية. ويسأل أبو مهند الذي يسكن في حي سكني حديث بالعاصمة بغداد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، عن مصير الموازنات المالية الكبيرة التي أقرّت خلال السنوات الماضية في وقت تعيش فيه عائلات كاملة بلا شبكات صرف صحي، وتدفع من دخلها المحدود كلفة حلول مؤقتة".

وفي ظل واقع انتشار التلوث، يتعايش الأهالي مجبرين مع بيئة غير صحية، ليس بسبب غياب الوعي، بل بسبب انعدام البدائل، فخيار الخزان المنزلي يبقى الحل الوحيد المتاح رغم المخاطر في ظل غياب أي خطة زمنية واضحة لإنشاء شبكات حديثة أو تطوير تلك القائمة. ويشدد أبو مهند على أن "المشكلة ليست جديدة، لكنها تكبر، ونحن لا نطالب بالكمال، بل بخدمة أساسية تحفظ كرامتنا وصحة أطفالنا".