السوريون في تركيا... تقليص امتيازات الحماية المؤقتة للاجئين
استمع إلى الملخص
- تأتي هذه الخطوات في سياق تقليص النفقات وضغوط المعارضة، مع الحفاظ على بعض الامتيازات مثل استرجاع قيمة العلاج للحالات الصعبة، لكن التحول للإقامة السياحية يفقدهم بعض الامتيازات.
- تتزامن التغييرات مع عودة مئات الآلاف من السوريين طوعياً، مع توقعات بإلغاء قانون الحماية المؤقتة بالكامل خلال السنوات المقبلة.
يُجمع أتراك وسوريون على أن أنقرة بصدد إلغاء قانون الحماية المؤقتة، ويدور الخلاف حول توقيت الإلغاء، والإجراءات التي تسبقه، والتي يراها البعض تضييقات لزيادة أعداد العائدين إلى بلدهم.
يرى لاجئون سوريون في تركيا أن قرار إلغاء مجانية العلاج بالمشافي الحكومية يأتي ضمن إجراءات لسحب غالبية الميزات التي كانت أنقرة تقدمها ضمن "قانون الأجانب والحماية الدولية"، المعمول به منذ أكتوبر/تشرين الأول 2014، تمهيداً لمعاملتهم وفق إقامة سنوية، وليس بطاقة حماية مؤقتة. في حين يرى آخرون أن أهداف تلك الإجراءات تشمل ضغط النفقات، وسحب ذرائع المعارضة، إضافة إلى تقليص وجود السوريين، ودفعهم إلى العودة الطوعية.
ويطبق قرار إلغاء مجانية علاج اللاجئين السوريين بالمشافي الحكومية التركية في مطلع العام الجديد، ويستثنى من ذلك الحالات الطارئة والإسعافية، مع إلزام السوريين، كما الأتراك، بدفع قيمة التأمين الصحي "نحو 800 ليرة"، كي يتاح لهم العلاج المجاني.
ويقول الطبيب السوري، الحاصل على الجنسية التركية، محمد جزار، لـ"العربي الجديد"، إن "علاج السوريين المجاني بالمشافي الحكومية، أو مراكز المهاجرين الصحية انتهى بالفعل، وستجري معاملتهم بداية من العام الجديد كما يعامل الأتراك إن دفعوا الضمان الصحي، إلى جانب علاج رمزي في المراكز الصحية السورية التي جرى ترخيصها خلال الأعوام الأخيرة".
ويستدرك الطبيب جزار أن "القرار أخذ أبعاداً كبيرة، إذ لم يزل للسوريين خصوصية، إذ يمكن لمن وضعهم المالي سيئ استرجاع قيمة العلاج خلال ثلاثة أشهر، كما يستثني القرار لقاحات الأطفال، ومتابعة الحمل، والخدمات الصحية الأساسية التي تندرج ضمن المسؤوليات الإنسانية الدولية، فيما ستجري مطالبة المرضى بدفع مبالغ رمزية، نحو 20 ليرة، مقابل الفحوص والتحاليل والأشعة، والأدوية غير المشمولة بدعم الدولة، وتحدد مؤسسة الضمان الاجتماعي قيمة الرسوم التي ستُفرض على السوريين، على أن تتحول المتحصلات إلى صندوق المساعدة الاجتماعية".
وخلال مناقشة الموازنة العامة بأنقرة، أخيراً، كشف وزير الداخلية، علي يرلي قايا، أن بلاده كانت تقدم الطبابة والأدوية بالمجان للاجئين السوريين منذ عام 2016، والبالغين نحو مليونين و381 ألفاً، وقد عاد مليون و297 ألفاً طواعية إلى سورية خلال سنة 2024، وبعد تحرير سورية، تسارعت عمليات العودة.
من جهته، أفاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
قبل أيام في 16 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بأنّ عدد السوريين الذين عادوا من تركيا منذ سقوط نظام الأسد أواخر العام 2024 بلغ 580 ألفاً، مؤكداً أن عودتهم الطوعية والآمنة والكريمة ستتسارع كلما ترسّخ مناخ الاستقرار في سورية.وجاء قرار السماح للاجئين السوريين بتبديل بطاقات الحماية المؤقتة "الكيملك" إلى إقامة سياحية كدليل على تبدل التعاطي معهم، والتحضير لحصر وجودهم في تركيا بصفة السياح وليس اللاجئين، ومن ثم إلغاء "الكيملك" لانتفاء مبررات استمرار قانون الحماية المؤقتة بعد تحقيق الأمان في سورية.
من شركة "غولانيم غروب" السياحية، تقول مسؤولة العلاقات العامة، آمال محمد، لـ"العربي الجديد"، إن تركيا سمحت للاجئين السوريين بتحويل "الكيملك" إلى إقامة سياحية صلاحيتها عام أو عامان بشرطين، الأول تاريخ الدخول، إذ يجب أن يكون ختم الدخول إلى تركيا مسجلاً قبل تاريخ 11 إبريل/نيسان 2016، وهذا الشرط لا يمكن التنازل عنه، والثاني وجود جواز سفر ساري المفعول لفترة لا تقلّ عن 60 يوماً إضافية فوق مدة الإقامة المطلوبة.
وحول الأوراق المطلوبة وفائدة الإقامة السياحية، تضيف: "لا بد من جواز السفر، وصور شخصية، ووثيقة إثبات سكن، وتأمين صحي، إضافة إلى صورة عن الكيملك. الحصول على إقامة سياحية يمكّن صاحبه من التنقل داخل تركيا من دون إذن سفر، ويتيح له البقاء من دون تكرار السفر إلى خارج تركيا والعودة، وهذه أمور لا تتاح لحملة الكيملك، لكن سيخسر من يتخلى عن الكيملك حق الطبابة والتعليم المجانيين، وأي مساعدات تقدم للاجئين السوريين. تظل الموافقة على تبديل الكيملك من عدمه، وصلاحية الإقامة لعام أو عامين، مرتبطة بإدارة الهجرة".
من جانبه، يؤكد المعلم السوري، خالد الأسعد، أن تركيا لا تزال تقدم التعليم المجاني للاجئين السوريين في جميع مراحله، الابتدائي والمتوسط والثانوي، ولا يدفع الطلاب السوريون سوى رسوم بسيطة، يدفعها الطلاب الأتراك أيضاً، ويضيف لـ"العربي الجديد"، أن "أي تعديل على مجانية تعليم الطلاب السوريين قد يبدل حجم وجودهم، لأن جلّ من ترددوا في العودة بعد التحرير، كانوا يتعللون بدراسة أولادهم، وأنه يصعب عليهم متابعة التعليم في سورية بعد الاندماج في تركيا، والوصول إلى مراحل تعليمية متقدمة. التعليم الأساسي لا يزال بالمجان، على عكس الجامعي الذي تبدل قبل أعوام، بعد أن كان شبه مجاني منذ عام 2013".
ومن مكتب قبول الطلبة الأجانب بجامعة "استينيا"، يقول بلال سونماز، لـ"العربي الجديد"، إن "السوريين يدفعون رسوماً كما الأجانب في الجامعات الحكومية منذ أربعة أعوام، ولا استثناء لهم في الجامعات الخاصة، لكن شهادة القبول الجامعي للأجانب (اليوس) التي كان يدخل من خلالها السوريون الجامعات سيجري إلغاؤها العام المقبل، وكل سوري مقيم بتركيا ودرس بمدارسها بالمنهج التركي، عليه التقدم وفق شهادة الثانوية التركية، لتبقى اليوس خاصة بمن يأتي من خارج تركيا".
وفي عام 2024، بلغ عدد الطلاب السوريين في تركيا 819 ألفاً و265 طالباً، موزعين على 103 آلاف طالب في المرحلة الثانوية، و273 ألفاً في المرحلة الإعدادية، و398 ألفاً في المرحلة الابتدائية، مع نحو 44 ألفاً في رياض الأطفال، كما يتلقى أكثر من 60 ألف سوري تعليمهم بالجامعات التركية، وتخرج حتى العام الماضي أكثر من 17 ألف سوري من تلك الجامعات.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قال وزير التربية التركي، يوسف تكين، في تصريحات صحافية، إن نحو 100 ألف طالب سوري عادوا إلى بلدهم بعد التحرير.
ويرى كثيرون أن الإجراءات الجديدة نوع من التضييقات لفرض العودة الطوعية، ودفع مزيد من السوريين للعودة إلى بلدهم، خاصة أن تركيا تقدم دعماً مالياً لمن يعود طوعاً. ويرجّح المحلل التركي، جيواد كوك، إلغاء "الحماية المؤقتة" للسوريين خلال عام 2026 أو 2027 في أقصى حد.
ويقول جيواد كوك لـ"العربي الجديد"، إن هذا بات أمراً منطقياً، إذ لا يمكن تجاهل "الضائقة المالية" التي تعاني منها تركيا. ويقول لـ"العربي الجديد"، إنه "لا يمكن النظر إلى جميع القرارات المتعلقة بالسوريين بالنظرة ذاتها، فقرارات سحب مجانية التعليم العالي والصحة لها علاقة بالضائقة المالية، والتقشف ورفع الأسعار والضرائب أمور تطاول الأتراك أيضاً. سياسة تركيا، بشكل عام، هي حصر ميزات الحماية المؤقتة تمهيداً لإلغائها خلال عامين في حد أقصى، من دون التعدي على قوانين حقوق الإنسان".
ويضيف: "سيظل متاحاً للسوريين البقاء في تركيا كحملة إقامة سياحية، وجرى تحريك ملفات الجنسية الاستثنائية مؤخراً، كما أن السياسة التركية تجاه دعم سورية ستتوجه إلى داخل البلد، من خلال المساهمة بالإعمار، وتشجيع الاستثمار، من دون إغفال دعم من عاشوا وتعلموا في تركيا".
بدوره، لم يبتعد رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار في تركيا، غزوان قرنفل، عن التوجه نفسه، وهو يرى أن أنقرة في طريقها إلى إلغاء "قانون الحماية المؤقتة" لانتفاء المبرر القانوني بعد سقوط نظام الأسد وتحرير سورية، لكنها لن تقدم على ترحيل السوريين، بل ستعتمد طرقاً وسياسات متعددة، من بينها إلغاء مجانية الطبابة والأدوية، أو مجانية التعليم العالي، مع تسهيل تبديل الكيملك.
ويضيف قرنفل لـ"العربي الجديد": "لا يمكن فصل الملف عن المساعدات الأوروبية التي تراجعت، وهي سبب مهم في تراجع الخدمات المقدمة للاجئين، وكذا المراجعة الشاملة التي تجريها تركيا لكل من هم على أراضيها، وحتى الإقامة السياحية لم تعد مضمونة التجديد إن لم يكن هناك سبب يستدعي ضرورة البقاء على الأرض التركية. في جميع الأحوال، لم تقصر تركيا كبلد جار استقبل السوريين منذ عام 2011، ووصل عدد اللاجئين يوماً إلى نحو 5 ملايين سوري، واليوم، وبعد عودة الحياة في سورية إلى طبيعتها، وانتفاء غالبية مبررات اللجوء، من حقها أن تتخذ ما تراه مناسباً لمصالحها وأمنها، وأعتقد أن ذلك يجري بالتنسيق مع السلطة في دمشق".