السلاحف البحرية... نفوق كثيف على سواحل تونس ينشر القناديل
استمع إلى الملخص
- ارتفاع حرارة مياه البحر والصيد الجائر ساهما في تكاثر القناديل، مع تراجع أعداد المفترسين الطبيعيين مثل السلاحف، مما أثر سلباً على السياحة والثروة السمكية.
- أطلقت منظمات بيئية حملات لتقليل التلوث وحماية السلاحف، ودعت لتشديد الرقابة على الصيد غير القانوني، مع التركيز على جزر قوريا كموقع تعشيش مهم.
تطلق منظمات بيئية وناشطون في تونس صيحات فزع من تدهور أعداد الكائنات البحرية النادرة، ومن بينها السلاحف، ويحذرون من تداعيات كارثية على المنظومة البيئية البحرية، خصوصاً أن نفوق السلاحف البحرية في نقاط مختلفة من الشريط الساحلي التونسي يترافق مع ظهور كثيف لقناديل البحر السامة مع بداية موسم الصيف.
في السابق، كانت قناديل البحر تخرج إلى الشواطئ في الأسابيع الأخيرة من أغسطس/ آب، أي في نهاية موسم الصيف والإجازات، ما يجعل مخاطرها محدودة. أما هذا العام فظهرت منذ بداية يونيو/ حزيران الماضي.
ورصدت تقارير المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار انخفاضاً ملحوظاً في أعداد سلحفاة "كاوري"، وهي أكثر الأنواع الموجودة في المياه التونسية. وعزت هذه التقارير أسباب النفوق إلى التلوث البحري المرتبط بالبلاستيك الذي تبتلعه السلاحف من طريق الخطأ، وأيضاً إلى اصطدامها بالقوارب وشباك الصيد، كما أن تدهور مواقع التعشيش بسبب التوسع العمراني والتلوث الضوئي على الشواطئ تسببا أيضاً في نفوق السلاحف.
وفي غياب السلاحف، الكائنات الرئيسية التي تفترس القناديل البحرية، سجلت سواحل تونس ارتفاعاً كبيراً في أعداد القناديل المعروفة بلسعتها المؤلمة والخطيرة. وعطّل هذا الانتشار الأنشطة السياحية، وهدد سلامة المصطافين، خاصة الأطفال وكبار السن، كما أثّر سلباً على الثروة السمكية بسبب تنافس القناديل مع الأسماك على الموارد الغذائية.
ويظهر الواقع أن ثمّة تركيزاً مفرطاً على أنواع محددة من السلاحف، خاصة تلك الخضراء ذات الظهر الجلدي، في مقابل تجاهل أنواع بحرية أخرى لديها دور أساسي في التوازن البيئي، مثل الرخويات، واللافقاريات، والأسماك الصغيرة، وحتى الشعاب المرجانية.
ويقول الخبير البيئي حمدي حشاد، لـ"العربي الجديد"، إن انتشار قناديل البحر في شواطئ تونس لم يعد مجرد مشهد عابر، بل أصبح واقعاً حقيقياً يهدد سلامة المصطافين ويضر بأنشطة الصيادين. وقد تعرضت سواحل محافظة المهدية خلال الأسابيع الأخيرة لخروج كثيف للقناديل البحرية التي اقتربت من الشواطئ وأماكن وجود المصطافين ما شكل ظاهرة غير مألوفة.
ويضيف: "تؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ أن ارتفاع حرارة مياه البحر المتوسط أكثر من 1.5 درجة خلال الأربعين سنة الأخيرة سرّع دورة حياة القناديل التي تُعرف محلياً باسم الحريقة، ما تسبب في تكاثرها على امتداد أشهر السنة".
ويعتبر حشاد أن "الصيد الجائر تسبب أيضاً في انقراض أو تراجع أعداد المفترسين الطبيعيين للقناديل، على غرار السلاحف البحرية والتونة الكبيرة وسمك اللمبوكة، ما أفسح المجال لتكاثر القناديل من دون رقيب".
وبحسب دراسة نشرتها مجلة "مارين إيكولوجي بروغرس" عام 2023 ترافق انخفاض أعداد التونة والسلاحف في البحر المتوسط مع ارتفاع كثافة القناديل خاصة بين عامي 2005 و2020.
ويقول حشاد: "تروّج دعاية مضخمة بأن سلحفاة البحر هي أكبر مفترسي قناديل البحر، وهو أمر يُخالف الحقيقة العلمية. التلوث ونزول مياه الصرف الصحي في البحر خلقا بيئة غنية بالعوالق التي تتغذّى عليها القناديل. يركز الإعلام على أن ظاهرة انقراض السلاحف في البحر المتوسط ناتجة من تحكم المؤسسات الغربية في تصميم الأبحاث، وتحديد الأولويات، وتوزيع التمويلات المتعلقة بحماية هذا الصنف من الكائنات البحرية. فعلياً، تستند حماية السلاحف البحرية إلى أجندات خارجية تستعمل هذه الكائنات البحرية لتبرير تدخلات بيئية غير متوازنة".
ورغم تقليله من مخاطر التأثيرات المناخية على مستقبل السلاحف البحرية في سواحل تونس، أطلقت منظمات لحماية البيئة، على غرار جمعية "أصدقاء البحر"، حملات توعية حثّت المواطنين على تقليل تلوث البلاستيك، والإبلاغ عن السلاحف العالقة أو المصابة. كما دعت الجهات الرسمية إلى تشديد مراقبة أنشطة الصيد غير القانوني، وإنشاء مراكز لرعاية السلاحف المصابة إلى جانب حماية مواقع التعشيش خلال موسم التكاثر.
وبحسب نشطاء بيئيين، يهدد نفوق السلاحف البحرية توازن السلسلة الغذائية البحرية، ويزيد مخاطر القناديل على الإنسان والبيئة، معتبرين أن مسؤولية حمايتها مشتركة بين الدولة والمواطنين للحفاظ على هذا التراث البيئي الثمين.
وتعد جزر قوريا الواقعة في محافظة المنستير وسط شرق تونس، أحد أهم مواقع التعشيش الرئيسية للسلحفاة في جنوب البحر المتوسط.
وصادقت تونس على جميع الاتفاقيات الدولية للحفاظ على السلاحف البحرية، ووضعت استراتيجية شاملة للحماية منذ عام 1992، حين أصدرت وزارة الزراعة أمراً بتنظيم الصيد تحظر فيه صراحة صيد السلاحف البحرية وجمع بيضها.