الساحل السوري.. شاطئ البحر مفتوح بعد عقود من الاحتكار والخوف
استمع إلى الملخص
- بعد سقوط النظام، بدأ السوريون في زيارة الشواطئ المغلقة سابقًا، رغم التوترات الأمنية المستمرة التي تحد من الاستمتاع الكامل.
- مع العودة إلى الحياة الطبيعية، أصبحت الشواطئ وجهة رئيسية للسياحة الداخلية، مع أمل السوريين في استقرار الأوضاع الأمنية واستئناف حياتهم الطبيعية.
يبلغ طول الساحل السوري 183 كيلومتراً، ويمتد على كامل الجهة الغربية من محافظتي طرطوس واللاذقية، ولطالما تغنى الشعراء والأدباء بالشواطئ السورية. لكنّ معظم السوريين كانوا محرومين من هذا البحر بسبب تحويل النظام السابق كل الشواطئ إلى منتجعات تم تعهيدها لأشخاص محسوبين عليه، كما حُرم ملايين السكان في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد من الشواطئ لسنوات عدة خشية الاعتقال أو الاختطاف أو التصفية.
من ريف إدلب، يقول محمد رائد أبو عدنان، لـ"العربي الجديد": "أطفالي كانوا يسألونني عن البحر لأنهم لا يعرفونه، ولم يروه في حياتهم، ولم أكن أستطيع الشرح لهم، وأكتفي بالقول إنه واسعٌ وكبير وممتلئ بالمياه المالحة، لكنهم كانوا يرونه على شبكة الإنترنت، ويلحون في طلب الذهاب إليه، فآخذهم إلى مدينة دركوش في إدلب، حيث يوجد نهر العاصي، لكنه لم يكن يلبي سقف طموحاتهم. منعنا النظام السابق لأكثر من عقد من الذهاب إلى البحر، ولم أكن لأذهب بأطفالي إلى هناك لولا سقوط نظام الأسد، فحياة عائلتي وأمانها أهم من كل شيء".
ورغم قدرة السوريين المقيمين في مناطق سيطرة النظام السابق على الذهاب إلى البحر أحياناً، إلا أن المتنفذين كانوا يهيمنون على الشواطئ، وبعضها كانت مقصورة على أفراد العائلة الحاكمة والمقربين منها، وكانت تستخدم منتجعاتٍ خاصةً، أو تحولت إلى مشاريع استثمارية، وبعض الشواطئ لم يستطع أحد الدخول إليها طوال عقود، لكن سقوط النظام جعل كثيرين يتوجهون إليها، ويلتقطون الصور فيها.
يقول معتز حميداتي، وهو أحد سكان مدينة طرطوس لـ "العربي الجديد": "لم نكن نستطيع رؤية الشواطئ إلا من بعيد، أو عند اعتلاء الجبال المطلة عليها، كما أن ساكنيها غير معروفين بالنسبة لنا، باستثناء معرفة ألقاب بعضهم، ومنهم أفراد عائلة المعلم وعائلة الرفيق. عندما سقط النظام توجهت إلى أحد المنتجعات التي كانت تستخدم صيفاً لإقامة الحفلات، وفوجئت بالتجهيزات الكبيرة على الشاطئ الأزرق الصافي".
لم يكن تاريخ سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول الماضي مناسباً للرحلات الجماعية بسبب الطقس البارد غير الملائم للسباحة، وفرص هطول الأمطار التي تعكر الجلسات على الشواطئ، أو القيام بطقوس الشواء، لذا اقتصر الذاهبون إلى الساحل السوري على التوقف أمام البحر لوقت قصير، والتقاط بعض الصور، في حين قرر كثيرون تأجيل الذهاب إلى الشاطئ لحين استقرار الأوضاع الأمنية في المدن الساحلية، والتي فر إليها ضباط جيش النظام وأنصاره، والذين قاموا بنصب عدة كمائن دامية، كان آخرها يوم الأربعاء 22 يناير/كانون الثاني الماضي، وشهد الاعتداء على سيارات حكومية. كما تشهد المنطقة الساحلية عملياتٍ أمنية ومداهمات.
يقول خالد حاج موسى، وهو سائق تاكسي من مدينة إعزاز لـ "العربي الجديد": "منذ سقوط النظام، وصلتني الكثير من الطلبات للذهاب إلى الساحل، من بينها مجموعات شبابية ووفود إعلامية، وكان الركاب متحمسين لرؤية البحر، وبعضهم لم يره من قبل، وكانوا عند الوصول ينزلون ببهجة، ويلتقطون الصور، لكنهم لا يبقون لأوقات طويلة، ويطلبون الرجوع قبل مغيب الشمس خشية التوترات الأمنية. عن نفسي كنت متشوقاً لرؤية البحر، وأفكر بالذهاب مع عائلتي في رحلة خلال الصيف إذا استقرت الحالة الأمنية".
ولم تكن رؤية البحر هي الرغبة الوحيدة العالقة في أذهان السوريين، إذ كان العديد من مهجري محافظتي طرطوس واللاذقية يتوقون للعودة إلى مدنهم. من بين هؤلاء أبو مصعب، الذي ينتمي إلى مدينة جبلة، وهو تاجر ملابس أقام في إدلب لأكثر من عشر سنوات.
ويُعرف سكان المناطق الساحلية بتعلقهم الشديد بالبحر، كما يمتهن قسم منهم صيد السمك، أو العمل في الموانئ والمشاريع المتعلقة بالسياحة البحرية، ما يجعل غيابهم عن البحر أقسى من سكان المحافظات الداخلية، والذين كانوا يقصدون البحر للاستجمام فقط.
يقول فادي العرابي، وهو صياد سمك سابق، لـ "العربي الجديد": "ولدت وترعرعت في مدينة جبلة الساحلية، وسكان مدينتي يتعلمون السباحة والصيد وقيادة القوارب في عمر مبكر، لكني غادرت المدينة في منتصف عام 2012، بعد اعتقال عدد من أفراد عائلتي، وأقمت في إدلب طوال سنوات، وعملت في بيع السمك الذي كان يأتي من تركيا لتعذر جلبه من الساحل السوري. عشت أوقاتاً عصيبة طوال فترة ابتعادي عن مدينة جبلة، قبل أن أعود إليها بعد سقوط النظام".
وفي مايو/أيار 2013، وقعت مجزرة راح ضحيتها ما بين 50 إلى 100 شخص في قرية البيضا بمنطقة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس الساحلية، ما زاد مخاوف السكان من التوجه إلى شاطئ البحر، وقلص الرحلات إلى كامل الساحل السوري.
كما توقف العشرات من طلاب مختلف المحافظات الذين يدرسون في جامعة تشرين الموجودة في مدينة اللاذقية، عن متابعة دراستهم لسنوات خوفاً من الاعتقال. من بين هؤلاء سهيل المحمد، من مدينة بنش، والذي قرر العودة إلى جامعته، وتحديث قيده الجامعي عقب سقوط النظام، خصوصاً بعد صدور قرار من وزارة التعليم العالي في الحكومة الجديدة بإعادة تفعيل القيود الجامعية المعلقة، والتي جمدها النظام السابق للطلاب المقيمين في خارج مناطق نفوذه.
وتظل الطبيعة الخلابة والشواطئ البحرية في اللاذقية وطرطوس هي المتنفس الأهم للسوريين، والمقصد الأول للسياحة الداخلية، ما يضاعف شوق آلاف السوريين الذين لم يستطيعوا الذهاب إلى الشاطئ لسنوات خوفاً من بطش النظام السابق، إذ تحتاج الرحلات الساحلية طقساً معتدلاً وحالةً أمنيةً مستقرة، وهو ما يأمله السوريون مع حلول فصل الصيف المقبل.