استمع إلى الملخص
- تقدر الأمم المتحدة كمية الركام بأكثر من 61 مليون طن، وتحتاج إزالته إلى 100 شاحنة يومياً لأكثر من 15 عاماً بتكلفة تتجاوز 860 مليون دولار، مما يهدد الصحة بسبب النفايات السامة.
- تحتوي الأنقاض على نفايات خطرة مثل الأسبستوس والمتفجرات، مما يلوث البيئة ويدمر أنظمة المياه والصرف الصحي، ويهدد النظام البيئي البحري.
يشكل الركام أحد أخطر التحديات البيئية والإنسانية التي تعيق أي محاولة جدية لإعادة الحياة الطبيعية إلى قطاع غزة، بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية التي خلفت دماراً واسعاً في البنية التحتية والمنازل والمنشآت.
وليس الركام مجرد بقايا من الإسمنت والحديد، بل بيئة ملوثة تحمل في طياتها مخاطر طويلة الأمد على الإنسان والمياه والتربة والهواء، إذ يعيش الآلاف في غزة وسط أكوام الأنقاض، في مشهد يعكس حجم الكارثة، ويؤكد أن إعادة الإعمار ينبغي أن تبدأ بإزالة هذا الركام الذي تحول إلى أحد عوائق عودة الأهالي إلى مناطقهم.
عاد الفلسطيني رائد التتري إلى منطقة الصفطاوي في شمال مدينة غزة بعد نزوح طويل، ويقول لـ"العربي الجديد": "العودة إلى المكان الذي نشأت فيه كانت صادمة ومؤلمة. حين وصلت إلى محيط منزلي المدمر لم أجد سوى تلال من الركام تحيط بالمكان من كل اتجاه، وكأن المنطقة تحولت إلى مكب مفتوح. تكدس الركام يجعل من الصعب إيجاد مساحة آمنة لوضع خيمة، وبصعوبة استطعت وضع خيمتي بين ركام يملأ المكان".
ويشير التتري إلى أن "المخاطر لا تتوقف عند صعوبة الحركة، بل تتعداها إلى انتشار القوارض والحشرات، فكميات الركام الكبيرة أدت إلى انتشار الجرذان، ومعها تنتشر روائح كريهة لا نعرف ماهيتها تجعل التنفس صعباً، خاصة في ساعات الليل".
تدفع الفلسطينية أنهار رمضان، المقيمة في مخيم النصيرات بوسط القطاع، حتى اليوم ثمن نجاتها من القصف، وتقول لـ"العربي الجديد": "بقيت تحت الأنقاض لأكثر من أربع ساعات بعد أن تعرضت شقتنا السكنية للقصف، وكنت أتنفس بصعوبة وسط الغبار والدخان، وتركت تلك الساعات أثراً صحياً، فمنذ ذلك اليوم أعاني مشاكلَ في الجهاز التنفسي، رغم مرور قرابة عامين على الحادثة، ولا تزال نوبات الاختناق والسعال تلازمني". وأكدت رمضان أن "خطر الركام لم يقتصر على وقت القصف، بل تحوّل إلى تهديد ممتد، وجميعنا معرضون لاستنشاق الغبار ومخلفات الأنقاض طوال الوقت، فنحن نعيش وسط هذا الركام، ولا توجد أية معالجة حقيقية له، وكأن الخطر سيستمر بلا نهاية".
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن كمية الركام التي خلفتها الحرب على غزة تتجاوز 61 مليون طن، في حين تذكر معطيات محلية أنها موزعة على 17 مليون طن في مدينة غزة، و12 مليون طن في مناطق شمال غزة، و11 مليون طن في خانيونس، و9 ملايين طن في مدينة رفح، ومليوني طن في مدينة دير البلح. وتشير التقديرات الأممية إلى أن إزالة هذا الركام تحتاج إلى تشغيل 100 شاحنة يومياً لأكثر من 15 عاماً متواصلة، بكلفة تتجاوز 860 مليون دولار، كون المساحة التي يغطيها الركام تقدر بمساحة أكثر من ألف ملعب كرة قدم، ما يعكس حجم الكارثة.
ويؤكد المختص في الشأن البيئي، سعيد الملوك، لـ"العربي الجديد"، أن "الركام يجب النظر إليه من عدة زوايا، وكلها خطيرة، فلحظة حدوث الانفجار تنطلق مواد وجزئيات سامة لها تأثير تراكمي خطير على الجهاز التنفسي، والركام نفسه يشكل تهديداً صحياً بسبب احتوائه على كميات هائلة من النفايات السامة، وذلك قد يؤدي إلى تشوهات جنينية، وأمراض جلدية، وربما ظهور أمراض لم تكن معروفة سابقاً".
ويحذّر الملوك: "هناك تلوث واسع للمياه الجوفية، ما سيؤثر بشكل خطير على صحة السكان مستقبلاً، كما أن بعض المواطنين باتوا يتعاملون مع الركام كمكب نفايات، ما يزيد من حجم التلوث. القنابل تحرق التربة بعمق يصل إلى 7 سنتيمترات، ما يجعلها غير صالحة للزراعة، فضلاً عن احتوائها على مواد مشعة، وحتى في حال استصلاح الأراضي الزراعية، سيبقى المكوّن السام موجوداً، وينتقل إلى الثمار، وبالتالي يتراكم في جسم الإنسان، وهذه مشكلة خطيرة وبعيدة المدى".
وتفيد معطيات رسمية فلسطينية بوجود قرابة 4 ملايين طن من النفايات الخطرة بين أطنان الركام، وحذرت سلطة جودة البيئة الفلسطينية، في ورقة بحثية نشرتها أخيراً، من الآثار الخطيرة لهذا الكم الهائل من النفايات، مشيرة إلى وجود 50 ألف طن من مادة الأسبستوس المسرطنة، ونحو 100 ألف طن من المتفجرات والأجسام غير المنفجرة، مؤكدة أن الحرب دمرت 80% من أنظمة المياه والصرف الصحي، وسبَّبت تلوثاً واسعاً للحوض الجوفي الساحلي.
وتشير سلطة جودة البيئة إلى إنشاء عشرات من مكبات النفايات العشوائية، وتكدس أكثر من 700 ألف طن من النفايات الصلبة، وتسرب مواد كيميائية سامة إلى التربة والمياه الجوفية، فضلاً عن تلوث ساحل قطاع غزة ببقع رمادية وسوداء تمتد داخل البحر، ما يقلص مساحة الصيد، ويهدد النظام البيئي البحري.