الدنمارك عام 2100.. سباق على هوية المجتمع مع 68.9% من سكان أصليين
- الدراسة تعتمد على متوسط صافي الهجرة بين 2019 و2025، لكن الخبراء يحذرون من الاعتماد على هذه التوقعات بسبب تأثير الأحداث الكبرى.
- النقاش يتجاوز الأرقام ليشمل تعريف "الدنماركي" مستقبلاً، مع التركيز على كيفية إدارة التغير الديموغرافي بناءً على الأصول أو اللغة والثقافة والمواطنة.
من هو "الدنماركي" بعد سبعين عاماً؟ سؤال يبدو بعيداً عن حسابات السياسة اليومية، غير أنّه أُدرج بالفعل في أجندة وزارة المالية التي رسمت في سيناريو افتراضي ملامح تركيبة الدنمارك السكانية لعام 2100. والنتيجة، التي نُشرت أوّل من أمس الاثنين، ليست مجرّد أرقام، بل مادة مستجدّة لجدال قديم محتدم حول الهجرة والهوية ومن ينتمي إلى المجتمع الدنماركي ومن لا ينتمي إليه. ولعلّ الأكثر لفتاً للانتباه أنّ الأشخاص الذين تعود أصولهم إلى الدنمارك قد يشكّلون فقط 68,9% من مجموع السكان في عام 2100، مقارنة بـ82,3% في عام 2030، فيما ترتفع نسب المهاجرين وأحفادهم بمستويات متفاوتة.
لكنّ النتائج لا تعني أنّ الدنمارك سوف تكون على هذه الحال فعلياً، عند انتهاء القرن الحالي. وتوضح وزارة المالية الدنماركية أنّ ما أجرته هو "حساب سيناريو ميكانيكي"، وليس توقّعاً للتطوّر السكاني المرتقَب. وعلى الرغم من ذلك، سرعان ما خرج الحساب من الملفات الفنية إلى قلب النقاش حول الهجرة والهوية ومستقبل المجتمع الدنماركي.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
والحساب، الذي أُجري بناءً على طلب من قبل النائب عن حزب الشعب الدنماركي اليميني القومي المتشدّد ميكل بيورن، يفترض استمرار الهجرة وفقاً لمتوسط صافيها المسجّل بين عامَي 2019 و2025. وبموجب هذا السيناريو، تنخفض حصة السكان من أصول دنماركية من %82,3 في عام 2030 إلى 68,9% في عام 2100. أمّا المهاجرون من بلدان غربية (في القارة الأوروبية) فترتفع نسبتهم من 5,7% إلى 9%، فيما ترتفع نسبة المهاجرين من بلدان غير غربية (من خارج أوروبا) من 7,7% إلى 10,9%.
وتشهد فئة الأحفاد تغيّراً أكبر نسبياً، إذ ترتفع نسبة السكان من أصول غربية من أقلّ من 1% إلى 4,5%، فيما ترتفع نسبة السكان من أصول غير غربية من 3,4% إلى 6,8%.
من الحساب إلى نظرية "الاستبدال الكبير"
وتكشف الأرقام عن تحوّل ديموغرافي تدريجي، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ السكان من أصول غير دنماركية سوف يصيرون أغلبية، ولا أنّ السكان من أصول دنماركية سوف يختفون من المشهد. حتى في هذا السيناريو الافتراضي، تظلّ الأغلبية للأصول الدنماركية.
لكنّ أهمية الأرقام بالنسبة إلى اليمين القومي المتشدّد في الدنمارك، وفي سياق غربي أوسع، لا تكمن في النسب وحدها، بل في القصة السياسية التي يمكن بناؤها حولها. فحزب الشعب الدنماركي، الذي طلب إجراء الحساب المشار إليه، يرى في تراجع الوزن النسبي للسكان من أصول دنماركية مؤشّراً إلى تغيّر عميق في المجتمع. ويمكن لخلاصة من قبيل "68,9% في عام 2100" أن تتحوّل بسهولة إلى عنوان سياسي يوحي بأنّ الدنمارك تسير نحو فقدان هويتها الأصلية.
وهنا تدخل الأرقام منطقة أكثر حساسية، أي سردية "الاستبدال الكبير" المنتشرة في أوساط من اليمين المتشدّد في أوروبا، والتي تقوم على الاعتقاد بأنّ السكان من الأوروبيين الأصليين يُستبدَلون تدريجياً بمهاجرين، خصوصاً من خارج أوروبا. لكنّ حساب وزارة المالية لا يثبت نظرية "الاستبدال الكبير"؛ فهو لا يفترض مشروعاً لتغيير السكان، بل يمدّد متوسط صافي الهجرة السابق إلى المستقبل ويحسب نتائجه رياضياً. فالتغيّر الديموغرافي قد يكون حقيقياً، من دون أن تكون التفسيرات الأيديولوجية المبنيّة عليه صحيحة بالضرورة.
70 عاماً.. زمن طويل لأيّ عملية حساب
ويحذّر الباحث في مؤسسة "روكفول" بيتر فاليسن من التعامل مع هذه العمليات الحسابية بصورة موثوقة للمستقبل. وقد صرّح لصحيفة بيرلنغسكا الدنماركية، أمس الثلاثاء، بأنّ أحداثاً كبرى قد تقلب اتجاهات الهجرة بصورة يصعب توقّعها. وشرح أنّ في عام 2010، لم يكن ممكناً توقّع الحرب في سورية، ولا الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2020، لافتاً إلى أنّ مهاجرين بولنديين بدأوا يغادرون الدنمارك بالفعل.
وهكذا، لا تتحرّك الهجرة وفقاً لمعادلة ثابتة طوال سبعة عقود، إذ يمكن للحروب والأزمات الاقتصادية والسياسات الحكومية وتغيّر أسواق العمل والمناخ، إلى جانب المستجدّات في دول المنشأ، أن تعيد رسم الخريطة السكانية في خلال سنوات قليلة.
ولا ترسم الهجرة وحدها مستقبل التركيبة السكانية. والدنمارك، كما حال الدول الأوروبية بمعظمها، تواجه انخفاضاً في معدّلات الإنجاب وارتفاعاً في متوسّط العمر، الأمر الذي يعني أنّ أوزان الفئات السكانية يمكن أن تتغيّر حتى من دون موجات هجرة كبيرة. وفي الوقت نفسه، سيصير أحفاد المهاجرين الذين وُلدوا في الدنمارك جزءاً متزايداً من السكان. ويبرز هنا سؤال آخر: ماذا تعني عبارة "من أصول دنماركية" بعد جيلَين أو ثلاثة أجيال؟
لا يجيب التصنيف الإحصائي وحده عن أسئلة الهوية والانتماء. فشخص وُلد في الدنمارك وتلقّى تعليمه فيها ويتحدّث اللغة الدنماركية ويعمل ويعيش في المجتمع نفسه قد يُصنف إحصائياً من ضمن فئة "الأحفاد" أو من أصول غير دنماركية، على الرغم من أنّ حياته الاجتماعية والثقافية دنماركية بالكامل. لذلك، فإنّ تغيّر الأرقام لا يعني بالضرورة تغيّراً مماثلاً في معنى الانتماء.
الدنمارك التي يريدها المجتمع.. ما هي؟
تكمن أهمية السيناريو المذكور في أنّه يفتح اليوم نقاشاً يتجاوز الأرقام التي خلص إليها. والدنمارك تتغيّر ديموغرافياً، مثلما تتغيّر المجتمعات في أوروبا بغالبيتها. لكنّ السؤال الاجتماعي والسياسي يبقى: كيف يُدار هذا التغيّر؟ بالنسبة إلى اليمين المتشدّد، تقدّم أرقام عام 2100 مادة جاهزة للتحذير من فقدان الهوية. أمّا بالنسبة إلى الباحثين، فتلك الأرقام أقرب إلى اختبار يوضح ما قد يحدث في حال استمرّ في اتّجاه معيّن، لا إلى نبوءة بما سوف يحدث حتماً. وبين القراءتَين، تبقى حقيقة أبسط: الدنمارك في عام 2100 لن تكون مطابقة لما هي عليه اليوم، تماماً كما أنّ الدنمارك الحالية ليست تلك التي عرفها أجدادها قبل سبعين عاماً.
وقد لا يكون الأهمّ هو ما إذا كان السكان من أصول دنماركية سوف يشكّلون 68,9% أو نسبة أخرى، بل كيف سيُعرَّف "الدنماركي" نفسه بعد سبعة عقود؛ بالنسب والأصول أم باللغة والثقافة والمواطنة والحياة المشتركة؟
وفي انتظار ذلك المستقبل البعيد، سوف يبقى النقاش حول الهجرة والأصول والتركيبة السكانية جزءاً من السجال السياسي-الاجتماعي وكذلك الإعلامي في الدنمارك ودول اسكندنافيا عموماً. وفي السويد المجاورة، حيث تبلغ نسبة السكان من أصول غير سويدية نحو 23%، تبدو أسئلة الهوية والديموغرافيا أكثر حضوراً بالفعل؛ الأمر الذي يجعل أرقام المستقبل الدنماركي أقلّ شبهاً بتنبّؤ بعيد وأكثر قرباً لنقاش أوروبي بدأ يتشكّل منذ الآن.