الحياة بعد المئة... إكسير الحياة وفق المنظور الصيني

20 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 03:12 (توقيت القدس)
العمر الطويل هدف ممكن في المستقبل، 5 مارس 2026 (Getty)

أظهرت دراسة حديثة أعدها الأكاديمي الصيني الشهير جونغ نان شان، مدير المركز الوطني للبحوث السريرية، أن متوسط عمر الإنسان سيزداد خلال السنوات العشر القادمة، وأن بلوغ 120 سنة في المستقبل ليس حلماً بعيد المنال، وذلك استناداً إلى حسابات علمية لدورات انقسام الخلايا وفترات نمو الإنسان.
يقول جونغ نان: "أساس الصحة هو قرارات الفرد، ويُبنى على خمسة أشياء، هي التوازن النفسي، واتباع نظام غذائي معقول، وممارسة التمارين الرياضية المناسبة، والإقلاع عن التدخين والحد من استهلاك الكحول، والتشخيص والعلاج المبكر"، ويوضح أن "الإفراط في تناول الطعام لفترة طويلة قد يؤدي إلى شيخوخة الدماغ المبكرة، إذ ينشط الإفراط في تناول الطعام نمو الخلايا الليفية في الدماغ، وهو السبب الرئيسي في تعزيز تصلّب الشرايين الدماغية، ما يؤدي إلى تراجع الذاكرة، وقد يتسبب في الإصابة بمرض الزهايمر".
ويشير إلى أنّ الإفراط في تناول الطعام يزيد العبء على الأمعاء، ما يتسبب في أمراض الجهاز الهضمي، كما أنه يزيد احتمال الإصابة بأمراض "الارتفاع الثلاثي" المرتبطة بالرفاهية، مثل ارتفاع ضغط الدم، والكبد الدهني، وداء السكري، وأيضاً يزيد خطر الإصابة بالأورام السرطانية. ويتحدث عن أنّ "الشيخوخة أمر طبيعي، لكن قصر العمر ليس قدراً محتوماً، وطول العمر لا يعتمد على المكملات الغذائية الباهظة الثمن أو العلاجات الغامضة، بل على تناول الطعام حتى الشعور بالشبع بنسبة 80% في كل وجبة، والحرص على عدم السهر ليلاً، والمواظبة على ممارسة الرياضة، والتنفس العميق الهادئ من البطن".
ووفق الموروث الصيني، تساعد عوامل عدّة في إطالة العمر، وتربط أبرزها بسلوك بعض الحيوانات، مثل "طبيعة النمل" التي تعني أنه لا يجب أن يكون الناس منعزلين، وأن يتناولوا طعامهم ببطء ويمضغوه جيداً. ويتميّز النمل بنظام غذائي غير منتظم، إذ يبحث عن الطعام أينما وجده بغض النظر عن جودته. ويأكل ويشرب عادة كميات قليلة، ويمضغ ببطء وتأنٍ.
ومن تلك السلوكيات أيضاً "مشية القرد"، ويُشير المصطلح إلى أهمية ممارسة التمارين البدنية بانتظام، فالقرود نشيطة للغاية، ما يجعلها رشيقة بشكلٍ مذهل، وهذه الرشاقة متأصلة في طبيعتها، ويجب أن يقتدي بها البشر. وتعني فكرة الحركة الشبيهة بالقرود للحفاظ على الصحة في الشيخوخة الإبقاء على مرونة الجسم ونشاطه في جميع أجزائه، وتجنّب الشيخوخة المبكرة.

الحفاظ على النشاط وسيلة لكسب كبار السن الصحة، 31 مايو 2026 (Getty)
الحفاظ على النشاط وسيلة لكسب الصحة، 31 مايو 2026 (Getty)

ويدعو الطب الصيني التقليدي إلى نظرة شاملة للتناغم بين الإنسان والطبيعة، ويؤكد ضرورة أن تتوافق عادات نمط الحياة مع قوانين الطبيعة. ومن الأمثلة ضرورة إفراغ الأمعاء في ذروة نشاطها بين الساعة الخامسة والسابعة صباحاً، لأنّ عدم القيام بذلك يمنع الأمعاء من التخلص من السموم بكفاءة، ما يجلب الأمراض. أيضاً يحث الموروث الصيني على الاحتفاظ ببراءة الأطفال إلى أقصى حد، ويعتبر أن الحفاظ على قلب نقي يساعد على التخلص من المشتتات وتنمية شخصية متفائلة ومرحة حتى في عمر متقدم، وهذا شرط أساسي للوقاية من الأمراض والحفاظ على الصحة وطول العمر.
ويقول القدماء الصينيون إن كل إنسان يملك قلباً نقياً لكن مع التقدم في العمر تضعف النقاوة بسهولة بفعل ضغوط الحياة، ولكن الحفاظ على براءة القلب كبراءة الأطفال يعني السماح للعقل بالاسترخاء والراحة وقطع الطريق أمام المرض.
وتقول أخصائية التغذية في المركز الصيني للصحة العامة بالعاصمة بكين، لي وان يونغ، لـ"العربي الجديد": "ما قدمه جونغ نان شان يمثل خلاصة الفكر الصيني في شأن الحفاظ على الصحة وتجنّب الأمراض وبالتالي إطالة العمر، وما يثير الإعجاب حقاً هو أن الأكاديمي الصيني الذي يقترب من سن التسعين، يُعدّ نفسه خير مثال على تطبيق نظرية طول العمر".

وتشير إلى أن كثيرين يجهلون أنه أُصيب بنوبة قلبية مفاجئة عام 2004 نتيجة عمله الشاق والمتواصل فترات طويلة، ما استدعى خضوعه لعملية جراحية لتركيب دعامة في الشريان التاجي، كما يعاني من ارتفاع ضغط الدم منذ أكثر من عشرين عاماً، ولديه تاريخ عائلي مع هذا المرض. ومع ذلك، ورغم اقترابه من التسعين، لا يزال يتمتع بنشاط كبير وتفانٍ في العمل. ويؤكّد ذلك ما ورد في الدراسة، بأنّ مفتاح طول العمر دائماً في يد الإنسان نفسه".
يُشار إلى أن جونغ نان شان أشهر خبير في أمراض الجهاز التنفسي في الصين، وعضو في الأكاديمية الصينية للهندسة، وحائز أعلى وسام الجمهورية في البلاد. وهو شخصية رائدة وممثل بارز في نضال الصين ضد أحداث الصحة العامة الكبرى، بما في ذلك تفشي داء "سارس" عام 2003 وجائحة كوفيد-19 عام 2020. ولا يزال نشطاً في الخطوط الأمامية للبحوث الطبية والصحة العامة، ويشغل مناصب مهمة مثل مدير مختبر كوانجو، ومدير المركز الوطني للبحوث السريرية لأمراض الجهاز التنفسي.