الجوع في غزة... قيود إسرائيلية على دخول أساسيات الطعام
استمع إلى الملخص
- تدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية مع ارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية، مما يضع الأسر في مواجهة تحديات يومية لتأمين الغذاء والدواء في ظل بطالة واسعة.
- يطالب المسؤولون في غزة بتدخل دولي فوري للضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال المواد الأساسية، مؤكدين أن الحصار يهدف إلى استمرار المجاعة ويتطلب جهوداً دولية جادة.
يعيش سكان قطاع غزة واقعاً مؤلماً يتمثل بتوفر أصناف من الأطعمة غير الأساسية التي لا تبني أجساماً قادرة على مقاومة الأمراض، بينما يمنع الاحتلال دخول المواد الأساسية اللازمة لصنع الغذاء.
لم تتوقف معاناة سكان قطاع غزة رغم مرور شهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي حيّز التنفيذ، بل أخذت شكلاً أكثر قسوة، يتمثل باستمرار حرب التجويع التي لا تزال تُصيب مختلف الفئات العمرية بأمراض سوء التغذية.
ولا تزال المعابر الحدودية مع قطاع غزة التي كان من المفترض أن تُفتح من أجل إدخال الغذاء والدواء والحاجات الأساسية ممراً لبضائع لا تُسمن ولا تُغني من جوع، مثل أكياس الشيبسي، وأصناف الشوكولاتة والبسكويت، وأطعمة مُعلبة غير أساسية، فيما تغيب اللحوم والدواجن والألبان والدقيق والأرز، وهي أساس الحياة اليومية لأكثر من مليونَي نسمة في القطاع المنهك بالحرب والغارق في الدمار.
وانتهج الاحتلال سياسة إغراق أسواق غزة ببضائع استهلاكية غير أساسية مع منع دخول الأصناف الأساسية، ضمن سياسة تهدف إلى إبقاء القطاع في حالة التجويع، والاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية المشروطة، بيّنما يُسوّق عبر وسائل إعلامه أنه يسمح بإدخال المساعدات.
ويؤكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن الاحتلال الإسرائيلي يواصل التنصل من التزاماته المتعلقة بإدخال المساعدات والبضائع رغم اتفاق وقف إطلاق النار، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية واستمرار حالة الجوع والحرمان، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "إجمالي عدد الشاحنات التي دخلت القطاع خلال الفترة من 10 أكتوبر/تشرين الأول حتى 5 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بلغت 4,453 شاحنة فقط، بمعدل يومي لا يتجاوز 145 شاحنة، وبنسبة 24% من العدد المقرر وفق الاتفاق، وهو 600 شاحنة يومياً".
الدقيق شحيح والأسعار باهظة وغالبية أهالي غزة بلا مصدر رزق، والأساسيات الغذائية مثل اللحوم والدجاج والأسماك مفقودة
ويبيّن الثوابتة أن "الأصناف التي سمح الاحتلال بإدخالها تركزت على السلع الاستهلاكية الكمالية مثل القهوة والمشروبات والشوكولاتة والمواد الجافة مرتفعة السعرات، فيما حُرمت الأسواق من المواد الأساسية اللازمة للحياة اليومية، كالطحين والحبوب والبقوليات والألبان واللحوم والخضروات، وبالتالي فكميات المواد الغذائية التي دخلت لا تفي بحاجة السكان، والوقود لا يضمن تشغيل المستشفيات أو المخابز أو المرافق الحيوية بالحد الأدنى، ويتعمد الاحتلال تقييد إدخال المواد الأساسية وفرض قيود انتقائية على الشحنات التجارية، ما تسبب في ارتفاعات حادة للأسعار تفوق القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل البطالة الواسعة وانقطاع مصادر الدخل".
ويشدد الثوابتة على أنّ "الأسباب المباشرة للأزمة الإنسانية الراهنة تعود إلى القيود الإسرائيلية الصارمة على المعابر، وانخفاض كميات المساعدات الواردة، وتعطيل القنوات التجارية، ونحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع المعيشية، وحرمان السكان من احتياجاتهم الأساسية، كما ندعو المجتمع الدولي والدول الضامنة للاتفاق والوسطاء إلى التدخل الفوري والجاد للضغط على الاحتلال من أجل إدخال المواد الأساسية والوقود من دون قيود، وتسهيل توزيع المساعدات بما يحترم القانون الدولي الإنساني".
يعيش الفلسطيني محمد ماهر أبو لبدة (35 سنة) واقعاً صعباً كونه يعاني من إصابة تعرض لها في نوفمبر 2023، على إثر قذيفة دبابة أصابت عيادة الشيخ رضوان أثناء وجوده فيها، ويقول لـ"العربي الجديد": "عندي نقص 17 سنتيمتراً في العظام، وشظايا في الرأس، وأملك تحويلة طبية للعلاج، لكنّني لم أستطع السفر حتى الآن. إصابتي جعلتني أحتاج إلى نظام غذائي غني بالبروتينات والفيتامينات لبناء العظام وتجديد خلايا الجسم، لكن لا يتوفر أي من ذلك".
ويضيف أبو لبدة: "الأصناف المتوفرة في الأسواق تشمل الشوكولاتة والشيبسي ومعلبات لا تحتوي على الفيتامينات، بينما السكر والسمنة واللحوم غير موجودة، وإذا وجدت فسعرها مرتفع؛ والدجاج المجمّد تاريخه منتهٍ، وسعر الكيلو 35 شيكلاً. توقف إطلاق النار، لكن الجوع مستمر، ونريد فتح المعابر ودخول غذاء حقيقي".
يعيل الفلسطيني عصام زهدي ثريا (60 سنة) أسرة مكونة من 6 أفراد، ويلخص حال الأسواق قائلاً لـ"العربي الجديد": "نذهب إلى السوق، لكننا لا نستطيع شراء شيء. الطحين غالٍ، والأرز نادر، وحليب الأطفال مفقود. عندي حفيد لا أقدر على شراء علبة حليب له، فقد وصل السعر إلى 200 شيكل، والبطاطا بات سعرها 40 شيكلاً للكيلو. هذا الوضع لا يُطاق. كنت أعمل خياطاً قبل الحرب، لكنني اليوم بلا عمل، وأنتظر ما تصرفه المؤسسات من (كوبونات) غذائية، أو ما أحصل عليه من التكية، وكله لا يكفي لسد رمق الأسرة. طعامنا اليومي زعتر وجبنة لأنهما أرخص شيء. بينما زوجتي مريضة سرطان، وتحتاج إلى تناول الأسماك واللحوم".
يعيش أبو بلال الشيخ خليل (40 سنة) مع أسرته المكونة من سبعة أفراد داخل إحدى مدارس الايواء في حي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة، ويقول لـ "العربي الجديد": "البضائع الموجودة في السوق لا تلزمنا، ماذا نفعل بإندومي وشيبسي وشوكولاتة؟ المقومات الحقيقية للحياة مثل اللحوم والدجاج والأسماك مفقودة، والمتوفر منها سعره باهظ. منذ أكتر من 8 شهور لم نتناول الدجاج أو الأسماك، والتجويع مستمر رغم وقف إطلاق النار. فطورنا جبنة، وغدانا معلبات، وعشانا فلافل أو فول، والاحتلال يروّج أن المعابر مفتوحة أمام المساعدات، وهذا غير صحيح".
نزح نصر محمد أبو العيش (32 سنة) من مخيم جباليا قبل أكثر من عام ونصف والعام، وهو يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، من بينهم توأم في الرابعة من عمرهما، ويحكي لـ "العربي الجديد": "كنت أعمل حداداً، وكان عندي ورشة خاصة، واليوم لا بيت ولا شغل. الأسعار خيالية، فكيلو التفاح بـ25 شيكلاً، وأولادي يطلبونه، لكنني لا أملك توفيره لهم. نتناول في وجبة الإفطار الفلافل أو الجبنة، وفي الغداء فاصوليا أو بازيلاء، ومثلهم في العشاء. توقف شلال الدم، لكن الجوع مستمر، ونعيش إبادة من نوع آخر".
بدوره، يؤكد محمود شفيق أبو الكاس (58 سنة) أن المشهد ذاته متكرر في كل بيت، إذ لا تتوفر اللحوم أو الدواجن، والدقيق شحيح، والأسعار باهظة، والغالبية بلا مصدر رزق، ويضيف لـ"العربي الجديد": "يدعي الاحتلال أنه فتح المعابر، لكن الشحنات التي تدخل إلى القطاع شكلية، وجميعها بضائع استهلاكية، بينما الأصناف الأساسية لا تزال ممنوعة، والتجويع في غزة لم ينتهِ بعد".
من جهته، يقول خبير التغذية محمد الشكري لـ"العربي الجديد": "بعد دخول اتفاق التهدئة حيّز التنفيذ، بدأ الاحتلال السماح بدخول كميات من البضائع إلى قطاع غزة، بعد فترة طويلة من المنع، لكن جميعها أصناف غير أساسية لا تمثل الغذاء المثالي لجسم الانسان. أغرق الاحتلال الأسواق بالشوكولاتة والحلويات التي تحتوي على سكريات عالية، إضافة إلى المنبهات مثل القهوة والنسكافيه، وهي سلع رفاهية، بينما يمنع إدخال الكثير من الأصناف الأساسية مثل الحليب، والبيض، واللحوم والدواجن الطازجة، ما ينعكس سلباً على صحة أفراد المجتمع، ويُبقى أمراض سوء التغذية منتشرة".
يضيف الشكري: "المجاعة لا تزال كما هي في غزة، والأهالي يحتاجون إلى كثير من السلع الأساسية، خصوصاً أن غالبية البضائع التي تدخل إلى القطاع من الكماليات والرفاهيات، وإغراق الأسواق بهذه الأصناف له انعكاسات سلبية على حياة الناس، خصوصاً الأطفال والمرضى وكبار السن، وهذا نهج يتبعه الاحتلال في إدخال المواد الغذائية غير الضرورية، فهو معني بهدم الإنسان، واستمرار المجاعة في قطاع غزة".
ويوضح خبير التغذية أن هناك مسألة مهمة أيضاً تتعلق بمنع الاحتلال إدخال الأدوية، إلّا القليل الذي يدخل عبر منظمة الصحة العالمية، وأنّ هناك نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية والمكملات الغذائية التي تعوّض نقص الفيتامينات، مشيراً إلى أن "الاحتلال يُرّوج أمام العالم أنه فتح المعابر وسمح بإدخال المساعدات، لكنّه في الحقيقة يسمح بإدخال أصناف غير ضرورية".
ويعيش قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية، إذ دمّر جيش الاحتلال أكثر من 70% من البنية التحتية، وتوقفت أكثر من 90% من المصانع والمنشآت الاقتصادية والتجارية عن العمل، ومع استمرار الحصار وإغلاق معظم المعابر التجارية، أصبحت السوق المحلية تعتمد على تدفقات محدودة وعشوائية من السلع التي تتحكم فيها سلطات الاحتلال.