الجفاف يضرب نهر العاصي في سورية لأول مرة منذ أكثر منذ نصف قرن

23 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 17:42 (توقيت القدس)
نهر العاصي يجف لأول مرة، ريف إدلب سورية، 23 أغسطس 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد نهر العاصي جفافاً غير مسبوق منذ 54 عاماً، مما يؤثر على الحياة اليومية للسكان المحليين في ريف إدلب الغربي، حيث يعتمدون على مياهه لري الأراضي وصيد الأسماك، مهدداً المحاصيل والاقتصاد المحلي.
- يمتد تأثير الجفاف إلى سهل الغاب في ريف حماة الشمالي، حيث يضطر المزارعون لتقليص الزراعة أو ترك الأراضي بوراً بسبب ارتفاع تكاليف استخراج المياه الجوفية، مما يهدد بانهيار المواسم الزراعية.
- تعود أسباب الجفاف إلى تراجع الأمطار وارتفاع الحرارة وسوء إدارة الموارد، ويشير الخبراء إلى ضرورة تبني سياسات لترشيد المياه واعتماد تقنيات ري حديثة لتجنب تفاقم الأزمة.

يشهد سكان مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي شمال غربي سورية، منذ مطلع الشهر الجاري، جفاف نهر العاصي وانخفاض منسوب المياه في مناطق أخرى لأول مرة منذ 54 عاماً، حيث يعد النهر الشريان المائي على امتداد فصول السنة. وبدا المشهد صادماً للسكان المحليين الذين اعتبروا أنّ غياب المياه، حدثٌ غير مسبوق يهدد حياتهم اليومية ومصدر رزقهم.

ويعتبر نهر العاصي المصدر الرئيس لري آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الممتدة على ضفتيه في ريف إدلب الغربي، ومع جفافه، يواجه المزارعون خطر تلف محاصيل الخضراوات وأشجار الزيتون التي تعتمد بشكل كبير على مياهه. كما انعكس الأمر على الثروة السمكية التي تشكل مورداً غذائياً واقتصادياً للأهالي، إذ نفقت أعداد كبيرة من الأسماك نتيجة انحسار المياه.

الصورة
نهر العاصي يجف لأول مرة، ريف إدلب سورية، 23 أغسطس2025(العربي الجديد)

ويعتبر نهر العاصي على مدى عقود مكاناً للاستجمام ومتنفساً لسكان المنطقة، ما جعل غيابه حدثاً مؤلماً من الناحية الاجتماعية والنفسية. ويخشى الأهالي من أن يتحول الجفاف إلى حالة متكررة في السنوات المقبلة إذا استمرت الظروف المناخية والإدارية الحالية على ما هي عليه. ولم يتوقع المزارع خالد الحسن من جسر الشغور أن يرى نهر العاصي جافاً بالكامل، مما أثر على خصوبة أرضه الزراعية، التي تعتمد منذ عقود على مياهه في ري الخضراوات والأشجار المثمرة، وبات مهدداً بخسارة موسم كامل، في وقت يعجز فيه عن تشغيل آبار المياه بسبب ارتفاع كلفة المازوت.

ولفت، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ تأثيرات جفاف النهر لم تقتصر على المحاصيل الزراعية، بل طاولت مختلف جوانب الحياة في المنطقة، ولاسيما أن الأسماك التي اعتاد الأهالي اصطيادها من النهر انقرضت تقريباً. وقال إنّ جفاف المجرى جعل النهر يتحول إلى مجرد أرض متشققة، ما أثر سلباً على سكان جسر الشغور والأراضي الزراعية في القرى المحيطة مثل الكفير وحللوز والزرزور وبداما والجانودية والناجية، الذين كانوا يعتمدون عليه مصدرَ رزقٍ، ومتنفساً طبيعياً في آن واحد.

ليست جسر الشغور وريفها من تأثر بجفاف مياه نهر العاصي وانحساره فحسب، إنما امتد تأثيره إلى سهل الغاب في ريف حماة الشمالي. وقال المزارع صلاح الحمود من قرية العشارنة في سهل الغاب إنّ جفاف نهر العاصي سبّب خسائر كبيرة للمزارعين في المنطقة، حيث تعتمد معظم الأراضي على مياهه في ري القمح والبطاطا والخضراوات الموسمية. ولفت إلى أنّ مئات الهكتارات بقيت عطشى هذا الصيف، ما أجبر المزارعين على تقليص مساحات الزراعة أو ترك أراضيهم بوراً. وأضاف، لـ"العربي الجديد"، أنّ تكاليف استخراج المياه الجوفية أصبحت تفوق قدرة غالبية المزارعين، الأمر الذي ينذر بانهيار المواسم الزراعية في سهل الغاب المعروف تاريخياً بخصوبته وغناه بالمحاصيل.

وأشار المهندس مصطفى سماق، مدير الموارد المائية في إدلب، إلى أنّ المنطقة تواجه هذا العام موجة جفاف شديدة لم تشهدها منذ أكثر من ستة عقود. وبيّن لـ"العربي الجديد"، أنّ شحّ الأمطار أثر بشكل مباشر على الينابيع التي تغذي نهر العاصي، والذي يمتد بطول حوالي 60 كيلومتراً في محافظة إدلب، ما أدى إلى انخفاض كبير في منسوب المياه. وأوضح سماق أن موجة الجفاف القاسية أدت إلى إخراج معظم المحاصيل البعلية من الإنتاج، الأمر الذي دفع المزارعين إلى محاولة تعويض خسائرهم بالاعتماد على الزراعة المروية، مما تطلب ضخ كميات إضافية من المياه من النهر.

وأضاف لـ" العربي الجديد"، أن هذا الاستخدام المكثف للمياه زاد من العجز في تدفق النهر، حتى وصل الأمر إلى جفاف سريره بالكامل، وهو ما يشكل مؤشراً واضحاً على تفاقم الأزمة المائية في المنطقة وتأثيرها المباشر على الإنتاج الزراعي والحياة اليومية للسكان. ورأى المهندس المتخصص في الموارد المائية علي الصبيح أن جفاف نهر العاصي في جسر الشغور لم يكن نتيجة ظرف عابر، بل حصيلة مجموعة من العوامل المتداخلة؛ أولها التراجع الكبير في معدلات الأمطار خلال الموسمين الماضيين، وليس آخرها الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر مما كان له الدور الأساسي في تسريع الجفاف. 

وأكد أن جفاف نهر العاصي تفاقم بفعل غياب إدارة رشيدة للموارد المائية، وأن أساليب الري التقليدية المعتمدة في المنطقة، والتي تقوم على الضخ المفرط للمياه من دون أي ضوابط أو تقنيات حديثة، تستنزف كميات كبيرة تفوق حاجة المحاصيل، ما أدى إلى استهلاك غير متوازن لمخزون النهر.

وأشار درويش إلى أن ما حدث يمثل إنذاراً واضحاً لمستقبل الموارد المائية في المنطقة، وأن استمرار التغير المناخي وسوء إدارة النهر على هذا النحو قد يجعلان من الجفاف حالة متكررة لا مجرد استثناء. وحذر من أنّ غياب سياسات جدية لترشيد استخدام المياه وتبني تقنيات بديلة للري سيؤدي في السنوات المقبلة إلى تفاقم الخطر على الأمن الغذائي وسبل العيش في ريف إدلب وسهل الغاب على حد سواء.

وشكل نهر العاصي منذ قرون طويلة واحداً من أهم الأنهار في بلاد الشام، إذ يمتد من منابعه في سهل البقاع اللبناني مروراً بمحافظة حمص وحماة وصولاً إلى ريف إدلب الغربي، قبل أن يتابع مجراه إلى الأراضي التركية، وعلى ضفتيه نشأت حضارات قديمة وازدهرت قرى ومدن اعتمدت على مياهه في الزراعة والري والصيد وحتى في الحياة الاجتماعية، ليصبح العاصي بالنسبة لأهل المنطقة أكثر من مجرد نهر، بل رمزاً للحياة والخصب والاستمرارية.