استمع إلى الملخص
- الإحصائيات والردع القانوني: شهدت الجزائر 2,379 حادث مرور في أسبوعين، مما أدى إلى وفاة 86 شخصاً. الحكومة ترى أن الردع القانوني ضروري، بينما يشدد الخبراء على أهمية التوعية وتحسين البنية التحتية.
- التحفظات والمطالبات: بعض النواب يعترضون على عقوبات السجن ويدعون لتحسين صيانة الطرق وتوفير ظروف قيادة آمنة، محذرين من تكرار أخطاء قوانين سابقة.
تتجه الجزائر نحو إقرار قانون مرور متشدّد تصل عقوبته إلى الحبس. وإذ تبرّره الحكومة بأنه الحلّ الرادع لوقف "مجازر" الطرقات، ينتقده نواب وخبراء مطالبين بعقوبات أخفّ وعدم الانتقائية في التطبيق.
يثير قانون المرور الجديد الذي طرحته الحكومة الجزائرية، والمقرّر التصويت عليه الأربعاء المقبل في 24 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، جدلاً متواصلاً بسبب بنوده التي تتّسم بنوع من التشدد إزاء المخالفات المرورية، تصل الى حد السجن، كما تُدرج البنود شركات إنجاز الطرقات ضمن الأطراف التي تتحمل المسؤولية الجنائية، في حال كانت حالة الطرقات سبباً في الحوادث. وفيما يُبدي نواب جزائريون وأطراف أخرى مخاوف إزاء هذا التشدّد، تعتبر الحكومة أن الردع هو الحل الوحيد لوقف ما تصفه بـ"مجازر المرور" في الطرقات.
ويكشف أحدث بيان للحماية المدنية الجزائرية أن 86 شخصاً لقوا حتفهم وأُصيب 2,835 آخرون بحوادث مرور على مستوى البلاد، في غضون أسبوعين فقط، من مطلع ديسمبر الجاري وحتى 13 منه، بمجموع 2,379 حادث مرور مسجّلاً. ويؤشّر عدد الضحايا إلى خطورة الواقع المروري في الجزائر وتجاوزه كل الحدود، ما دفع الحكومة إلى طرح مسودة قانون جديد للمرور، تنصّ على عقوبات مشدّدة واستثنائية تضمن فعالية التنفيذ وتعزيز السلامة المرورية.
يضع القانون الجديد تصنيفاً جديداً للأخطاء المرورية، بين مخالفات وجرائم وجنايات، بحسب خطورتها. وتُراوح العقوبات بين غرامات مالية، وسحب وإلغاء رخصة القيادة، والمصادرة النهائية للمركبة، وصولاً إلى السجن. وخلال الجلسة البرلمانية، الأربعاء الماضي، أعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل السعيد سعيود أنّ قانون المرور الجديد يستهدف تعزيز الإجراءات التي من شأنها القضاء على ظاهرة انعدام الأمن المروري، وإبداء صرامة للحدّ من حوادث السير عبر مجموعة من التدابير، إذ سيُعاد النظر في كيفية الحصول على رخص القيادة، التي صارت تتطلب تقديم شهادة طبية تثبت أهلية الشخص لقيادة المركبات، فضلاً عن تحاليل تثبت عدم تعاطي المخدرات.
وبموجب هذا التشريع الجديد، بات استعمال الهاتف المحمول أثناء القيادة يكلّف صاحبه غرامة مالية تقارب 100 دولار أميركي، وقد تصل إلى السجن أربع سنوات وغرامة بقيمة 40 مليون سنتيم جزائري (أكثر من ثلاثة آلاف دولار)، بحسب طبيعة المخالفة. إذ يُعاقَب بالسجن لحدود أربع سنوات كل صاحب مدرسة قيادة منح رخصة بطرق غير نزيهة، وتسبّب في حادث مروري مهما كانت نتائجه، فضلاً عن غرامة تعادل 500 دولار لمَن يتجاوز السرعة المحددة بنسبة تفوق 30%. واللافت أن بعض الغرامات تتخطّى الحد الأدنى من الأجر الوطني المضمون بمعدل 60%.
ويؤكد خبراء أن الردع القانوني ضروري لكنه غير كافٍ، ولا بدّ أن يكون جزءاً من سياسة وطنية شاملة للسلامة المرورية، تُوازن بين الحزم القانوني والوقاية، وبين العقوبة وبناء الوعي. ويعتبر رئيس اللجنة الوطنية للتوعية بالسلامة المرورية حسان خربة في حديث خاص لـ"العربي الجديد" أنّ "الردع القانوني، بما فيه تشديد الغرامات والعقوبات السالبة للحرية في بعض المخالفات الخطيرة، وإن كان يُعدّ إحدى أدوات سياسة السلامة المرورية، لكنّه ليس الحلّ الوحيد، ولا الكافي، لخفض حوادث المرور والخسائر البشرية والمادية"، مضيفاً أن "الردع الصارم يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة تتعامل بجدية مع السلوكيات الخطيرة على الطريق، ولا سيّما تلك التي تهدد الحق في الحياة، مثل القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، والسرعة المفرطة، والتجاوزات القاتلة".
ويتابع خربة، وهو خبير دولي في السلامة المرورية: "إنّ تجارب الدول المتقدمة في مجال السلامة المرورية أثبتت أن الاعتماد على العقوبة وحدها يؤدي غالباً إلى نتائج ظرفية محدودة، ما لم يترافق مع منظومة شاملة ومتكاملة للسّلامة المرورية، في مقدمتها التربية والتوعية المرورية، بدءاً من المدرسة وصولاً إلى السائقين والمارّة، وتحسين البنية التحتية للطرق، من حيث الجودة والإشارات والإنارة، ومعالجة النقاط السوداء، وتطوير قطاع النقل العمومي والخاص، بما يقلل الضغط المروري، ويحدّ من السلوكيات الخطرة الناتجة عن الاكتظاظ والعشوائية، إلى جانب تجديد حظيرة السيارات ومراقبتها تقنياً، إذ لا يمكن الحديث عن سلامة مرورية حقيقية في ظل مركبات غير مطابقة لمعايير السلامة، والأهم تعزيز قدرات الرقابة والتطبيق العادل للقانون من دون انتقائية".
وللمرة الأولى يُحمّل القانون الجديد شركات إنجاز الطرقات والسلطات المحلية المسؤولية الجنائية في حال أثبتت التحقيقات أنّ الحادث مرتبط بسوء الطريق أو عدم وضوح الإشارات وغيرها. وقبل فترة توفي لاعب كرة القدم المعروف في الجزائر، بلال بن حمودة، بسبب حفرة على الطريق السريع بين مدينة تيبازة والعاصمة الجزائرية.
وقد أظهرت أكثر من دراسة أن وضعية الطرق تشكل أحد أسباب حوادث المرور. ويرى البعض أن هذا التطور التشريعي سيدفع شركات الإنجاز إلى العمل بإتقان، والحد من الغشّ في بناء الطرقات وصيانتها، كما سيفرض احترام المعايير التقنية في إنجاز الطرق.
وخلال جلسة مناقشة القانون الجديد، الأربعاء الماضي، أبدى بعض النواب تحفظات ومخاوف بشأن بعض البنود المتشدّدة، خشية تكرار أخطاء الحكومة والبرلمان في قانون سابق يخصّ المضاربة، والذي تسبّبت بنوده المتشدّدة في تداعيات سلبية على المتّهمين بمخالفات ذات صلة بالمضاربة، والتي كانت تستحق عقوبات أقل بكثير من السجن، برأيهم. وطالبوا بإعادة النظر في بنود قانون المرور التي تتعلق بالسجن، وتعويضها بغرامات مالية.
ويؤكد النائب عز الدين زحوف لـ"العربي الجديد" أنه "لا يجوز استسهال عقوبة السجن بسبب مخالفة مرورية" لافتاً إلى أنّ القانون يجب ألّا يغفل مشكلة صيانة الطرق المهترئة، والتي تتسبّب أحياناً في الحوادث، فضلاً عن عدم تجديد حظيرة السيارات نتيجة إغلاق باب توريد المركبات الجديدة، ومشكلة قطع الغيار التي يعاني منها السائقون. ويرى أنه يتعيّن على الحكومة توفير العوامل والظروف المناسبة للقيادة السليمة، قبل محاسبة السائقين".