الجزائر: طقوس الارتباط بالأرض في رأس السنة الأمازيغية 2976

12 يناير 2026   |  آخر تحديث: 23:03 (توقيت القدس)
ليلة رأس السنة الأمازيغية في الجزائر، 12 يناير 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يحتفل الجزائريون بعيد رأس السنة الأمازيغية "عيد الناير" في 12 يناير، وهو عيد وطني منذ 2018، حيث يتبادلون التهاني ويحتفلون ببداية الموسم الزراعي، مما يعكس ارتباطهم بالأرض والزراعة.
- تاريخياً، اعتمد الأمازيغ على التقويم الفلاحي، مما يعزز التضامن بين السكان، وتُعبّر الاحتفالات عن التمسك بالأرض من خلال إعداد أطعمة تقليدية وتوزيعها وسط أهازيج الفرح.
- تتضمن الاحتفالات إعداد مائدة غنية وفعاليات ثقافية وفنية، مما يعزز الهوية الأمازيغية كجزء من الهوية الوطنية الجزائرية.

بتقاليد وطقوس شعبية متوارثة، يحيي الجزائريون عيد رأس السنة الأمازيغية الـ2976، الذي يحلّ في 12 يناير/ كانون الثاني من كلّ عام، وكان "عيد الناير" قد اعتُمد مناسبة رسمية في الجزائر في عام 2018، بوصفه عيداً وطنياً وعطلة مدفوعة الأجر. وتكثر الفعاليات الشعبية والثقافية بالمناسبة، وسط سعي إلى الحفاظ على تقاليد وطقوس تتفاوت من منطقة إلى أخرى.

ووسط الاحتفالات، يتبادل الجزائريون في عيد رأس السنة الأمازيغية التهاني بالعام الجديد وفقاً للرزنامة الفلاحية القديمة، ويردّدون "أسفاس أمفاز" و"ناير مربوح" ما يعني "عاماً سعيداً" باللغة الأمازيغية التي تعني الكثير بالنسبة إلى الجزائريين. وترتبط هذه المناسبة بالأرض، ولا سيّما أنّها تمثّل إعلان بداية الموسم الزراعي، إذ ينتظر الفلاحون الأمطار ويستبشرون بالخير الوفير عند نزول الغيث. ويُطلَق على يوم 12 يناير "بوابة السنة" و"بداية الخير"، فيما يكثر الدعاء بعام إنماء ووفرة. كذلك تُطلق على هذا المناسبة كذلك، باللغة الأمازيغية، "إض ناير" و"ثابورث أوسقاس" و"أمنزو يناير"، وتشير كلّها إلى بداية عام الحراثة والارتباط بالأرض.

وتاريخياً، استند الأمازيغ على التقويم الفلاحي لترتيب الأعمال الزراعية، ولا سيّما الحراثة والغرس والسقي، وسط تضامن بين السكان، خصوصاً في القرى والجبال. وتشير نورة محمودي، من منطقة سيدي عيش بولاية بجاية شرقي الجزائر، لـ"العربي الجديد" إلى أنّه "في التقاليد والثقافة الأمازيغية المحلية، يجدّد انطلاق الموسم الفلاحي عهد التمسّك بالأرض، لأنّها جذر الحياة ومصدر الاستمرار". وتحتفل العائلات بعيد رأس السنة الأمازيغية بطقوس مختلفة تعبّر كلّها عن التشبّث بالأرض، سواء عن طريق أنواع من الأطعمة والحلويات وتوزيع الأطباق على الجيران، وسط أهازيج النساء والأطفال فرحاً بحلول السنة الجديدة.

وفي مناطق عديدة، خصوصاً في الأوراس شرقي الجزائر ومنطقة القبائل وسط البلاد وفي الجنوب، فإنّ لموسم الزرع وبداية الموسم الفلاحي معنى وذاكرة. ويقول فارس بن عائشة، من منطقة بوحامة في ولاية خنشلة بأعالي منطقة الأوراس، لـ"العربي الجديد" إنّ "الاحتفال هو تجديد للعهد مع الحراثة والبذر، في انتظار كرم السماء بالأمطار وقطف المحاصيل في وقتها". ويشدّد بن عائشة على أنّ "عيد الناير ليس مجرّد احتفال عابر، بل هو محطة راسخة في أذهان الجزائريين لأنّه يذكّرهم دوماً بالعلاقة القوية ما بين خدمة الأرض وانتظار المحصول. وقد تُرجَم ذلك مع مرور الوقت بطقوس راحت تتوارثها العائلات، ولا سيّما أنّها تعني التشبّث بالتقاليد"، ويتابع أنّ "بين العمل والصبر على عطاء الأرض، مسافة تعيد الأفراح وسط العائلات".

وللاحتفاء بعيد رأس السنة الأمازيغية مادئة خاصة تعبّر عن ارتباط الطهي بالأرض كذلك، وهو ما يسمّى بـ"عشاء الناير". فالمائدة في خلال ليلة رأس السنة الأمازيغية تُملأ بأطباق ترتكز على دقيق القمح والخضراوات والحبوب، إلى جانب الفواكه الجافة والزبدة الطبيعية والعسل. وفي بعض المناطق، من بينها تيزي وزو، يعمد سكان القرى إلى ما يُعرَف بـ"الوزيعة"، وهي تقليد شعبي يقوم على تشارك السكان، بحسب مقدرة كلّ شخص، في شراء ثور يذبحونه ويوزّعون لحمه على جميع سكان القرية؛ الأغنياء كما الفقراء. ويأتي ذلك في فعل يعبّر عن التكافل الاجتماعي، في حين تحافظ مناطق أخرى مثل شنوة القريبة من العاصمة الجزائرية على عادة شراء ديك لإعداد عشاء "عيد ناير".

وبحسب أحد التقاليد، يشتري الجزائريون الحلوى أو السكاكر والفواكه الجافة مثل الجوز واللوز بالإضافة إلى التمر وغيره، ويسكبون كلّ ذلك في إناء كبير وُضع فيه الطفل الأصغر في الأسرة. وفي حين تكون حصّة الطفل ما يحتويه الإناء ممّا سُكب، يوزّع ما وقع في خارجه على بقيّة أفراد الأسرة.

وبالعودة إلى مائدة عيد رأس السنة الأمازيغية الغنية، فإنّ طبق "الكسكسي" يتصدّرها، مع مرقة تضمّ خضراوات وفولاً وحمّصاً. إلى جانبه، يأتي حساء "أوفيتيان" التقليدي الذي يتألّف من قمح وحمّص وفول وأنواع أخرى من الحبوب التي ترمز في حدّ ذاتها إلى الخصوبة والوفرة. وفي مناطق أخرى، يُحضَّر طبق "الرشتة" أو "الشرشم" الذي يشتمل على العدس والحمّص والقمح المغلي في الماء والملح، وهو كذلك يدلّ على الوفرة.

وإلى جانب الأطباق الشهية، لا تخلو مائدة ليلة رأس السنة الأمازيغية من الحلويات المعدّة من السكّر والعسل، بالإضافة إلى السكاكر التي توزَّع على الأطفال. وتمثّل هذه المناسبة فرصة لجمع شمل أفراد العائلة الممتدّة حول مأدبة الاحتفال بـ"عيد الناير"، علماً أنّ مظاهر الاحتفال لا تقتصر على الطعام بل تشمل كذلك الأزياء التقليدية التي ترتديها النساء كما الأطفال، بالإضافة إلى الأغاني الاحتفالية.

وبمناسبة عيد رأس السنة الأمازيغية 2976، نُظمت قافلة ثقافية من العاصمة الجزائرية إلى منطقة بني عباس جنوبي البلاد. وهناك، أُقيمت في سوق "يناير" أجنحة خاصة بالكتاب، من أجل تمكين المؤلفين والمبدعين من تسويق منتجهم الأدبي، إلى جانب أجنحة للمؤسسات الناشئة. وشمل الأمر كذلك ندوة علمية تمحورت حول "البعد التاريخي والحضاري لعيد يناير وعلاقته بالتقويم الفلاحي"، إلى جانب عروض فنية ومعارض للحرف اليدوية والمهن التقليدية. كذلك نُظمت أنشطة فنية وثقافية في كلّ المدارس، وقد ارتدى التلاميذ ألبسة تقليدية، فيما نُظمت استعراضات للهوية الأمازيغية في شوارع المدن. وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري، في تصريحات إعلامية، إنّ "هذه المبادرة تترجم عمق تاريخ وثقافة وتقاليد الجزائر، وتعكس المكانة الراسخة للغة الأمازيغية من ضمن مكوّنات الهوية الوطنية".

المساهمون