التنمر في مدارس مصر... ضحايا التجاهل الأسري وغياب الوعي

23 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:06 (توقيت القدس)
دور المدارس مهم في مكافحة التنمر، 7 يوليو 2025 (أحمد حسب الله/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التنمر مسؤولية جماعية تتطلب تعاون العائلة والمدارس والأنظمة القانونية، حيث تؤثر سلباً على الأطفال مثل مريم مصطفى وجوري عماد، مما يستدعي تدريباً نفسياً وتربوياً في المؤسسات التعليمية.

- دراسة جامعة عين شمس 2023 أظهرت أن أكثر من نصف طلاب المرحلة الإعدادية في أشمون يتعرضون للتنمر، مع ارتفاع في التنمر الاجتماعي واللفظي والجسدي، مما يبرز الحاجة لتطبيق القوانين بفعالية.

- رغم التعديلات القانونية لتعريف وتجريم التنمر في مصر، يواجه التطبيق تحديات مثل إثبات الوقائع، وتتطلب مكافحة التنمر تعاوناً مجتمعياً وتعزيز الوعي بخطورته.

قد يكون التنمر تصرفاً فردياً، لكنّه في الأساس نتاج تأثيرات جماعية ترتبط بالثقافة والتربية والوعي، وهو بالتالي مسؤولية جماعية للعائلة والمدارس والأنظمة والقوانين، وتعقيدات كثيرة.

في فصولٍ كثيرة من مدارس مصر تبدأ الحكايات بضحكة وتنتهي بدمعة. تتلعثم مريم مصطفى (9 سنوات)  قليلاً في الكلام، وتتابع جلسات تخاطب بانتظام، لكنها لم تجد في مدرستها سوى نظرات ازدراء وتنمر، بعدما أطلق عليها زملاؤها لقب "خرساء" الذي كرّرته معلمات، فخجلت، وامتنعت عن الحديث والمشاركة، وبدأت تكره المدرسة. حاولت والدتها تهدئة الوضع، فوزعت حلوى على زملائها، لكن التنمر استمر حتّى فكرت الأم في نقل ابنتها إلى مدرسة خاصة رغم الضغوط المادية، وأكدت أنها لن تتراجع عن المطالبة بحق ابنتها، ومحاسبة من أساء إليها.
وفي حكاية جوري عماد، وهي تلميذة الصف الأول الابتدائي، معاناة مشابهة. في أول أيام المدرسة، وصفتها المعلمة أمام الجميع بأنها "كتعة"، وردد الطلاب اللقب، فانهارت ثقتها بنفسها، ورفضت الذهاب إلى المدرسة. تدخلت والدتها من دون جدوى، ثم اضطرت إلى نقلها إلى مدرسة أخرى، حيث استعادت الطفلة شيئاً من ابتسامتها، وتقول الأم إنّ المؤسسات التعليمية في حاجة إلى تدريب نفسي وتربوي للتعامل الإنساني السليم مع الأطفال.
وتروي رنا طارق قصة أخرى أكثر قسوة لطفلة جعلها لون بشرتها الداكن وشعرها الخشن هدفاً للتنمر، إذ أطلقت زميلاتها عليها ألقاباً مهينة مثل "سوداء"، ورفضن اللعب معها. ثم بدأت تؤذي نفسها، تشد شعرها وتقُصّه، بينما كان والداها منشغلَين عنها. وفي أحد الأيام عادت منهارة من المدرسة بعد طردها من الفصل، ودخلت في نوبة بكاء انتهت بأزمة قلبية أودت بحياتها. وبعد وفاتها اكتشفت الأم ما كانت تمرّ به ابنتها من تنمر متكرر.
في مدرسة أخرى، تعرّض أحمد لاعتداء جسدي من معلمة اللغة الإنكليزية، والتي كانت تناديه بلقب "أراغوز" أمام زملائه. تدهورت حالته النفسية، ورفض الذهاب إلى المدرسة، وحين توجه والده إلى الإدارة ردّ عليه المسؤولون بسخرية، ولم تُتخذ أي إجراءات تربوية، وتبحث الأسرة حالياً عن سبل قانونية لاسترداد حق طفلها الذي تعرض للتنمر والإيذاء البدني في بيئة يُفترض أن تكون آمنة.
إلى ذلك عانى الطفل محمد، وهو ابن أسرة بسيطة تعمل في الجزارة وتربية المواشي، من مشكلات نفسية جعلته يتبول على نفسه، فصار هدفاً للسخرية في المدرسة، فرفض الذهاب إليها. لم تأخذ والدته الأمر بجدية، واعتبرت أن ابنها قوي، ولا يحتاج إلى دعم، ورفضت عرضه على طبيب نفسي، وآثرت اصطحابه إلى العمل بدلاً من المدرسة ما أكمل دائرة الحرمان.

يُنظر إلى التنمر في بعض البيئات على أنه مجرد مزاح عابر، ولم يُجرَّم القانون المصري التنمر صراحة حتى عام 2020

وكشفت دراسة ميدانية أجرتها مجلة "الصحة النفسية" بجامعة عين شمس في عام 2023، أن أكثر من نصف طلاب المرحلة الإعدادية في مدينة أشمون بمحافظة المنوفية يمارسون التنمر أو يتعرضون له، وشملت الدراسة 400 طالب، وأظهرت أن 56.75% يمارسون التنمر الاجتماعي، و44.75% التنمر اللفظي، و41.75% التنمر الجسدي، كما أن 45% من الطلاب تعرضوا لتنمر لفظي، و43.5% لتنمر اجتماعي، و39.75% لتنمر جسدي.
وعلى صعيد التأثيرات، عانى 69% من آثار جسدية متوسطة، و59.25% من آثار نفسية، و42.5% من آثار اجتماعية وأكاديمية، مع ملاحظة أن الذكور أكثر ممارسة للتنمر من الإناث، ووجود علاقة ين نوع التنمر وتأثيره على الضحية. 
وأطلق المجلس القومي للطفولة والأمومة (حكومي) أول حملة قومية لمناهضة العنف بين الأقران في 5 سبتمبر/ أيلول 2018، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) والاتحاد الأوروبي، وخصّصت الحملة رقماً لخط نجدة الطفل لتلقي البلاغات، وأطلقت تطبيقاً إلكترونيا باسم "نبتة مصر" في عام 2021 للإبلاغ عن حالات تعرض الأطفال لخطر، وتقديم الدعم والمشورة الأسرية، في خطوة مثلت تحوّلاً رقمياً في حماية الطفل.
لكن الواقع أكد أن القوانين وحدها لا تكفي. ويقول الحقوقي صالح حسب الله لـ"العربي الجديد"، إنّ "التنمر لم يُجرَّم صراحة في القانون المصري حتى عام 2020، حين أُدخلت تعديلات جوهرية على قانون العقوبات لتعريف وتجريم كل أشكال التنمر، سواء في العمل أو التعليم أو عبر الوسائل الإلكترونية، وتضمن مشروع قانون العمل الجديد مادة حظرت تشغيل العامل بالسخرة أو الجبر، وأيضاً التنمر والتحرش والعنف اللفظي أو الجسدي أو النفسي، مع إلزام المنشآت بتحديد العقوبات التأديبية في لوائحها الداخلية".

تأثير كبير للآباء والأمهات على التنمر وحالاته النفسية، 17 نوفمبر 2023 (Getty)
تأثير كبير للآباء والأمهات على التنمر وحالاته النفسية، 17 نوفمبر 2023 (Getty)

وفي إطار حماية الفئات الأكثر عرضة للتنمر، جرى تعديل قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لعام 2018 عبر إضافة مادة شدّدت العقوبة على من يمارس التنمر ضد ذوي الإعاقة. أما التنمر الإلكتروني فرغم أنه لم يذكر صراحة في القانون رقم 175 لعام 2018 الخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، إلّا أنه يتضمن مواد تعاقب على أفعاله، مثل الإساءة عبر الإنترنت أو استخدام الحسابات الوهمية. 
ورغم هذا التطور التشريعي، يرى حسب الله أن "التطبيق الفعلي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة إثبات الواقعة، خاصة في حالات التنمر اللفظي أو النفسي، إلى جانب تعقيدات تعقب المتنمرين إلكترونياً بسبب استخدامهم أدوات تشفير وحسابات مزيفة"، كما يشير إلى أن الثقافة المجتمعية تمثل عائقاً إضافياً، إذ يُنظر إلى التنمر في بعض البيئات على أنه مُزاح أو موقف عابر، ما يُقلل رغبة الضحايا في الإبلاغ، ويضعف من تأثير القوانين حتّى في حال توفرها".
وأكد أنّ "مكافحة التنمر مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة، والشريعة الإسلامية سبقت القوانين الوضعية في التصدي لهذا السلوك من خلال نصوص قرآنية وأحاديث نبوية نهت عن السخرية وإطلاق الألقاب، وتعتبر التنمر أحد مظاهر الفسوق، بل قد يصل إلى الكفر في بعض الحالات".

التغذية السليمة تدعم تركيز التلاميذ (محمد الراعي/الأناضول)
دور إدارات المدارس مهم في مكافحة التنمر، القاهرة (محمد الراعي/الأناضول)

بدوره، يقول الناقد الفني جمال عبد القادر لـ"العربي الجديد": "السخرية جزء من تراث الكوميديا وليست دائماً تنمراً، ولطالما اعتمدت الكوميديا، سواء في مصر أو في العالم، السخرية من الآخر عنصراً أساسياً، وأفلام رواد الكوميديا مثل علي الكسار، ونجيب الريحاني، وإسماعيل ياسين، وصولاً إلى الإنتاج الحالي تضمنت مشاهد تسخر من الشكل أو الطول أو الوزن، من دون أن تُعتبر تنمراً أو تخلق أزمة". 
ويستغرب عبد القادر تحوّل هذه الأنماط الكوميدية إلى أزمة في الوقت الراهن، ويرى أنها "حساسية زائدة لدى البعض، وتوسيع لاستخدام مصطلح التنمر باعتباره ربما جزءاً من موجة اجتماعية تتبنى مفاهيم دون فهم عميق لها". ويشدد على ضرورة التفريق بين السخرية المؤذية التي تستهدف المرض أو الإعاقة، وبين السخرية الكوميدية التي كانت دائماً جزءاً من الدراما والتراث الفني.
وتوافق الناقدة الفنية فايزة هنداوي على مقولة إنّ الأعمال الكوميدية القديمة، سواء في السينما أو المسرح أو التلفزيون، كانت تعتمد كثيراً على السخرية من الآخر، من دون أن تدرك أنه سلوك تنمر. واستشهدت بأعمال فنانين كبار مثل سمير غانم وعادل إمام ومحمد نجم تضمنت مشاهد تسخر من الشكل أو الطول أو الوزن، وتؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "المجتمع لم يكن يملك الوعي الكافي بمفهوم التنمر، وتعامل مع هذه السخرية على أنها مزاح ليس أكثر. لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في هذا الاتجاه، إذ أصبح التنمر غير مقبول، وبدأ الجمهور يرفض الضحك على مشاهد تحمل إساءة أو سخرية من آخرين. من ذلك مسلسل 'أبناء الشمس' الذي ظهر فيه أحد قصار القامة من دون أن يتعرض لأي من أشكال التنمر. هذا التحوّل يعكس تطوراً في الوعي الشعبي والدرامي".

وتشير هنداوي إلى أن "بعض الأعمال لا تزال تستخدم التنمر وسيلةً للإضحاك، بخاصة في ما يتعلق بالبشرة أو القامة أو الإعاقة، لكن هذه الممارسات بدأت تتراجع. وفي ما يتعلق بالتمييز بين عرض سلوك التنمر وانتقاده، يعتبر السياق الدرامي الفيصل، فهناك فرق واضح بين تقديم شخصية تمارس التنمر ويُسمح للجمهور بالضحك عليها من دون مساءلة، وبين تقديم نفس السلوك مع إبراز أنه خاطئ لكنه مؤذٍ نفسياً، ما يدفع المشاهد إلى رفضه. الدراما قادرة على توجيه رسائل التوعية بذكاء إذا وظِف السياق على نحوٍ مسؤول".
من جهتها، تؤكّد المتخصصة في العلاقات الأسرية، نرمين حزين، أن أكثر حالات التنمر التي تعاملت معها في عملها لم تأتِ من غرباء، بل من أصدقاء مقربين أو أفراد من الأسرة، وتعتبر أن "الجيل الحالي قد لا يتأثر كثيراً بتعليقات سلبية من أشخاص لا يعرفهم، لكنه يتأذى بشدة حين تصدر هذه التعليقات من أشخاص يثق بهم أو يرتبط بهم عاطفياً".
وتؤكد حزين لـ"العربي الجديد"، أن "بعض أكثر الحالات النفسية تضرّراً نتجت من تنمر آباء وأمهات ترك أثراً عميقاً في الطفل جعله غير قادر على تصديق أي كلام إيجابي يقال له لاحقاً، حتّى لو صدر عن أشخاص داعمين، لذا نوصي الوالدين بأن يدركوا أن الكلمات التي تُقال داخل البيت تشكل وجدان الطفل، والسخرية من الشكل أو القدرات، حتى لو كانت على سبيل المزاح، قد تزرع شعوراً بعدم الثقة والأمان. التربية الواعية تبدأ باحترام الطفل وتجنّب الأوصاف الجارحة التي تُضعف ثقته بنفسه".

المساهمون