استمع إلى الملخص
- يضطر السكان لاستخدام وسائل نقل بديلة غير آمنة، مثل العربات المكشوفة، مما يعرضهم للبرد والمطر، وقد أدى المنخفض الجوي الحالي إلى وفاة طفل وامرأة وغرق مئات الخيام.
- تتسبب المنخفضات الجوية في تعطيل شبه كامل للحياة في غزة، حيث تصبح التنقلات اليومية عبئًا إضافيًا على السكان الذين يعانون من آثار الحرب والنزوح.
تتحوّل عملية التنقل في غزة مع كل منخفض جوي إلى رحلة شاقة محفوفة بالمتاعب، ما يعكس عمق مأساة الحرب الإسرائيلية التي خلّفت دماراً كبيراً. وفيما لا تستطيع البنى التحتية المتهالكة أصلاً استيعاب كميات الأمطار، تغرق الشوارع بالمياه والوحل، وتصبح المسارات غير صالحة لحركة الناس الذين تتضاعف معاناتهم.
ومع انتشار المخيمات العشوائية للنازحين على جانبي الطرقات وفي الأزقة الضيقة، تتقلص المساحات المتاحة للحركة، ما يجعل الوصول إلى أماكن العمل أو الأسواق، أو حتى المستشفيات، مهمة شاقة تستنزف الجهد والوقت، وتضع الناس أمام خيارات قاسية.
وسط السيول والوحل يغوص المشاة في المياه الملوثة ويتعثرون بالحفر والأنقاض، ويتعرض الأطفال وكبار السن لخطر الانزلاق والسقوط. أما وسائل التنقل البديلة، فليست أقل قسوة، إذ يضطر كثيرون إلى استخدام عربات مكشوفة أو مقطورات تجرها سيارات، ويواجهون بالتالي المطر والبرد والرياح مباشرة. وفي ظل غياب أي حلول حقيقية أو تدخلات عاجلة لإصلاح البنى التحتية، تبقى غزة رهينة للطقس والحرب معاً، وتواجه المطر والبرد بعزلة وقهر، وتدفع ثمناً مضاعفاً لكل قطرة مطر تسقط على أرض أنهكها القصف.
واليوم الأحد، توفي طفل وامرأة بسبب المنخفض الجوي الحالي. وقال الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل: "غرقت مئات الخيام وتطايرت نتيجة المنخفض الذي كان محدوداً مقارنة بالمنخفضات السابقة، وتلقينا مئات البلاغات عن حالات غرق، وتدخلنا في مراكز إيواء وأماكن متفرقة، ونتوقع أياماً مقبلة صعبة في ظل استمرار المنخفضات، وأن تكون انعكاساتها كبيرة ليس فقط على خيام النازحين، لذا نطالب بأن تتحرك المنظمات الدولية لإدخال مواد بناء ومستلزمات إيواء من اجل إنهاء الكارثة في غزة وتوفير مقومات المنظومة الخدماتية، بدلاً من الحديث عن خيام لا فائدة منها".
ومنذ بدء المنخفضات الجوية في غزة هذا الشهر توفي 17 فلسطينياً بينهم أربعة أطفال، وغرقت نحو 90% من مراكز إيواء النازحين الذين دمّرت إسرائيل منازلهم. كما تسببت في انهيار مبانٍ تضررت من القصف الإسرائيلي.
قال محمد حسان (42 عاماً)، وهو نازح يقيم في خيمة قرب شارع رئيسي غربي مدينة غزة، لـ"العربي الجديد": "التنقل خلال المنخفضات الجوية معاناة حقيقية تفوق القدرة على الاحتمال. نمشي مسافات طويلة في مستنقعات من الوحل والمياه وتغمر المياه أقدامنا، ونتعثر بالحفر وبقايا الركام، وأحياناً نعود أدراجنا لأن الطريق مغلق تماماً بسبب الخيام أو تجمّع السيول".
ومع اشتداد المنخفضات الجوية، وهو ما يحصل حالياً، تتفاقم الأزمة، إذ تتعطّل الحياة في شكل شبه كلي، ويصبح التنقل عبئاً إضافياً على أعباء الحرب والنزوح والفقد في قطاع أنهكته كارثة لا يزال يواجه فصولها القاسية من دون أدنى مقومات للحماية أو الصمود. ويصف السائق أحمد الحداد (38 عاماً)، الذي ينقل المواطنين بعربة مكشوفة، وضع الطرقات خلال المنخفضات بأنه صعب جداً، ويقول لـ"العربي الجديد": "الشوارع مليئة بالحفر، ومع هطول المطر يتعذر تمييز الطرقات، وتنزلق السيارة، وقد تتعطل في منتصف الطريق، ونبقى عالقين ساعات ونتعرض للبرد والمطر من دون أي حماية. نحاول أن نساعد الناس، لكننا نواجه تحديات متواصلة بسبب الشوارع المدمّرة والأعطال وغلاء الوقود وقطع الغيار. لا طرقات آمنة ولا بدائل".
أيضاً تتحدث أم أحمد السويسي (33 عاماً)، وهي نازحة وأم لخمسة أطفال، عن صعوبة التنقل داخل الأسواق خلال الأمطار. وتقول لـ"العربي الجديد: "الذهاب إلى السوق وسط الأمطار مغامرة. تغرق الشوارع بالمياه، فيما لا تتوفر أرصفة، وكل خطوة قد تسقط أي شخص أرضاً". وتابعت: "أحمل أطفالي الصغار وأخشى أن ينزلق أحدهم في الوحل أو في مياه ملوثة، ما يزيد معاناتي من النزوح والعيش داخل خيام". وتشير إلى أن المنخفضات الجوية تضاعف إرهاقها اليومي، "إذ أضطر أحياناً إلى العودة من دون شراء احتياجاتي الأساسية، لأن الحركة تصبح شبه مستحيلة. عموماً، لا أخاف من المطر، بل من العيش في مدينة مدمرة لا تحمي الناس من أي شيء".