التلوث يدمر نهر العاصي ويهدد سكان غربي إدلب

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:03 (توقيت القدس)
نفايات طافية على مياه نهر العاصي، إدلب، 12 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني منطقة جسر الشغور وريفها من تدهور بيئي حاد بسبب تلوث نهر العاصي، مما أثر سلباً على الزراعة وصحة السكان، حيث يواجه الفلاحون صعوبة في ري محاصيلهم وتراجعت جودة الإنتاج، بينما يعاني السكان من الروائح الكريهة والأمراض.

- تلوث المياه أدى إلى انخفاض أعداد الأسماك، مما أثر على الصيادين، وزادت الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة بنسبة تتجاوز 30%، خاصة بين الأطفال، في ظل غياب محطات معالجة فعالة.

- يقترح الخبراء إنشاء محطات معالجة صغيرة، وتنظيم حملات تنظيف، وإقامة نقاط تجميع نفايات، ودعم البلديات لتحسين الوضع البيئي قبل تفاقم الأزمة.

على امتداد ضفاف نهر العاصي في القسم الغربي من محافظة إدلب، تتكشف واحدة من أكثر الأزمات البيئية تعقيداً في المنطقة، حيث تتداخل هشاشة البنية الخدمية مع تراجع الرقابة البيئية لتخلف واقعاً صحياً خطيراً يسوده تلوث متزايد في مجرى النهر وتكدس للنفايات في محيط مدينة جسر الشغور وريفها.
ولم يعد نهر العاصي ذلك الخط المتعرج الذي يمنح جسر الشغور خضرة وخصوبة لطالما افتخر بها السكان، فخلال السنوات الأخيرة تغير المشهد، وتحولت مياه النهر الصافية إلى اللون الأخضر الداكن، مع روائح كريهة تزداد حدتها في ساعات الظهيرة، وأكوام نفايات على ضفاف النهر وفي الحقول القريبة.
ولا يزال النهر يتابع جريانه ببطء شديد مستمداً بعض المياه من الينابيع القريبة في ريف إدلب الغربي، فيما جفت مياهه تماماً في مناطق سورية أخرى يمر بها خلال رحلته من لبنان عبر أراضي محافظتي حمص وحماة.
وحول معاناة الفلاحين الذين تأثرت محاصيلهم بمياه الري الملوثة، يقول المزارع الستيني محمد خشاب، والذي يعتمد على النهر لري أرضه البالغة مساحتها ثلاثة دونمات: "نزرع كما كنا نفعل منذ عشرات السنين، لكن النهر لم يعد كما كان، فالمياه لونها ورائحتها مختلفان، وتغيرت مع هذا جودة وإنتاجية محاصيلنا، حتى أن نصف الأراضي لم تعد صالحة للزراعة بالصورة التي اعتدناها في السابق".
ويضيف في حديث لـ"العربي الجديد": "شهدت الأشهر الأخيرة تراجعاً واضحاً في كميات وجودة المياه، حتى أن بعض المزارعين قرروا حفر آبار بدائية، أو شراء صهاريج مياه للري، رغم التكاليف الباهظة التي لا يستطيع معظمهم تحملها".

تحولت مياه نهر العاصي إلى اللون الأخضر، إدلب، 12 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
تحولت مياه نهر العاصي إلى اللون الأخضر، إدلب، 12 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

من الحي الغربي في جسر الشغور، حيث تتكدس النفايات قرب مجرى النهر، تقول حياة المحمد، وهي أم لخمسة أطفال، إن عائلتها باتت تقضي معظم وقتها في محاولة تجنب الروائح التي تقتحم المنزل، والتي تغطي مناطق أطراف النهر، وإنها تمنع الأطفال من الاقتراب منها، وتسمع قصصاً عن حالات إسهال أو طفح جلدي، ولاحظت زيادة حالات التهاب المعدة بين الأطفال في فصل الصيف الماضي، والأمر مرتبط بتلوث المياه.
ويواجه الصيادون مشكلة انحسار أعداد الأسماك التي كانت جزءاً من الثقافة الغذائية للمنطقة. ويؤكد الصياد عبد الكريم الجهجاه، الذي يمتلك قارباً صغيراً يمارس عبره المهنة منذ نحو عشرين عاماً، لـ"العربي الجديد": "كنا نخرج بثلاثة شباك، ونعود بعشرات الكيلوغرامات من الأسماك، أما اليوم فنصطاد بالكاد ثلاثة أو أربعة كيلوغرامات، والأسماك إما هاجرت إلى مناطق أقل تلوثاً، أو ماتت. حتى أن الأسماك التي نصطادها اليوم يخاف كثير من الناس تناولها، فقد أصبح مذاقها مراً ورائحتها غريبة".

روائح كريهة تنطلق من مياه نهر العاصي، إدلب، 12 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
روائح كريهة تنطلق من مياه نهر العاصي، إدلب، 12 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)

وتعاني مدينة جسر الشغور وأريافها من ضعف كبير في خدمات البلديات، خاصة في قطاع جمع النفايات، كما تعتمد عدة أحياء على قنوات مفتوحة لتصريف مياه الصرف الصحي مباشرة في نهر العاصي، في ظل غياب محطات معالجة متطورة، ما يعني أن المياه الملوثة تنتقل عبر النهر إلى مناطق أبعد، ما يجعل التلوث ينتشر.
وتعتبر مخيمات النزوح القريبة من نهر العاصي من بين الأكثر عرضة للأمراض نتيجة الاستخدام اليومي للمياه الملوثة وغياب التوعية الصحية. تعيش فاطمة مراد في مخيم الحميدية، وتقول لـ"العربي الجديد": "كنا نعتمد على مياه النهر لغسل الملابس وسقاية المواشي، لكننا الآن نخشى حتى الاقتراب منه، إذ لا توجد نقطة مخصصة لرمي القمامة، ويرمي الناس النفايات في أي مكان، ومع المطر تنجرف كلها إلى مجرى النهر، وحاولنا التواصل مع المنظمات المحلية أكثر من مرة ليوفروا لنا حاويات، لكن لا أحد يستجيب، ما يجعلنا مضطرين للعيش بين التلوث والروائح، ولا نملك حتى القدرة على حماية أطفالنا".
وبحسب شهادات أطباء محليين، فإن معدلات انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة ارتفعت خلال العام الأخير بنسبة تتجاوز 30%، خاصة بين الأطفال. ويؤكد طبيب الأطفال محمود العبد الله لـ"العربي الجديد" قائلاً: "نستقبل يومياً حالات إسهال والتهابات جلدية مصدرها التلوث البيئي".
من جهته، يرجع أحد موظفي البلدية، والذي طلب عدم ذكر اسمه، تدهور الوضع البيئي إلى نقص الموارد، التي تكاد تكون معدومة، إضافة إلى النقص الكبير في المعدات واليد العاملة، وكلها أسباب أدت إلى توقف أغلب المشاريع.

بدوره، يصف الخبير البيئي حسام الخلف أوضاع التلوث المتعلق بالصرف الصحي في جسر الشغور بأنه "إنذار مبكر لكارثة بيئية تتشكل بصمت"، ويشرح لـ"العربي الجديد"، أنه من جراء غياب محطات معالجة فعالة يجري صب المياه الملوثة مباشرة في النهر، إضافة إلى تحلل النفايات على ضفافه، ما يؤدي لانبعاث غازات سامة وتسرب مواد كيميائية.
ويشير إلى أن "استخدام المبيدات والأسمدة بكثافة يضيف مواد سامة إلى المياه، وقلة تدفق المياه في بعض المواسم يزيد تركز الملوثات، التي تعد الآثار المباشرة المتعلقة بتراجع أعداد الأسماك وتلف الحياة المائية وانتقال البكتيريا إلى الأراضي الزراعية وانتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وتراجع إنتاجية المحاصيل بنسبة تراوح بين 20 و40%. إذا استمر الوضع على هذا النحو لثلاث سنوات أخرى، فإن نهر العاصي قد يفقد قدرته الطبيعية على تجديد نفسه، وستدخل المنطقة في دوامة طويلة من التلوث والتدهور البيئي".
ويقترح الخلف بعض الحلول، من بينها إنشاء محطات معالجة صغيرة تعتمد على تقنيات منخفضة الكلفة، وإطلاق حملات تنظيف شهرية بمشاركة المجتمع المحلي، وإقامة نقاط تجميع نفايات ثابتة قرب المخيمات والقرى، وإعادة تنظيم استخدام المبيدات الزراعية وفق إرشادات دولية، ودعم البلديات بآليات جمع ونقل نفايات عبر برامج أممية.

المساهمون