التعليم الخاص... حلم يبتعد عن متناول السوريين

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:36 (توقيت القدس)
يُحاسب جامعيو سورية اليوم بدولارات لا يكسبونها، 5 يناير 2025 (هشام حق عمر/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه التعليم الجامعي الخاص في سوريا تحديات كبيرة بعد إلغاء المنح الدراسية وتحديد الأقساط بالدولار، مما جعل التعليم حكراً على الميسورين وأدى إلى استبعاد الطلاب المتفوقين والمحتاجين.

- يعاني الطلاب من ارتفاع الأقساط الدراسية، حيث تصل تكلفة دراسة الطب البشري إلى 1250 دولاراً للفصل، مما يضع عبئاً على الأسر ذات الدخل المحدود ويؤثر على تحصيل الطلاب الأكاديمي.

- تسعى وزارة التعليم العالي لتحقيق التوازن بين جودة التعليم والتكاليف، ويقترح الخبراء حلولاً مثل قروض طلابية ميسرة أو صندوق دعم لضمان استمرار التعليم الخاص.

يمنح التعليم الجامعي الخاص في سورية اليوم فرصة للطلاب القادرين على تحمل التكاليف، في حين يجد طلاب متفوقون يعيشون في ظروف صعبة أنفسهم خارج المعادلة بعد إلغاء المنح.

في صباح خريفي هادئ، تبدو الباحات الجامعية في دمشق كأنها حلبة نقاش مفتوحة حول مستقبل التعليم. تتزاحم السيارات، ويتنقل طلاب من مختلف التخصصات بين مباني جامعة الشام الخاصة، لكن محادثاتهم لا تتعلق بالمحاضرات أو مشاريع البحث، بل بالأقساط الدراسية التي باتت تهيمن على تفكيرهم اليومي. ويعكس هذا الواقع تزايد صعوبة الوصول إلى التعليم الجامعي في ظل قرارات حديثة أصدرها مجلس التعليم العالي التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في سورية.

تقول بثينة قلوع، وهي طالبة في كلية الطب، لـ"العربي الجديد": "كنا ندفع العام الماضي نحو مليونين ونصف مليون بالليرة  السورية، أي نحو 230 دولاراً لكل فصل، أما الآن فالقسط محدّد بـ2500 دولار. وحتى لو سمحت إدارة الجامعات بالدفع بالليرة، فالسعر مربوط بسعر الصرف، ويتغيّر كل يوم. أشعر أن الطب أصبح حكراً على الميسورين".

هنا تبدأ قصة أزمة التعليم الخاص في سورية التي تجسد معاناة آلاف الطلاب، خاصة أولئك الذين يعتمدون على المنح الدراسية لتخفيف تكاليف الأقساط.  ولم يقتصر القرار الأخير لمجلس التعليم العالي على تحديد الأقساط بالدولار، بل ألغى المنح الدراسية التي كانت تُمنح للطلاب المتفوقين والمحتاجين، ما أثار جدلاً واسعاً بين الطلاب وأولياء الأمور. وبينما يرى البعض أن القرار خطوة لضبط فوضى الأقساط، يعتبره آخرون إعلاناً واضحاً لانتهاء فكرة أن التعليم الخاص متاح للجميع.

وداخل جامعة القلمون الخاصة، يراجع أسامة عبد القادر، وهو طالب هندسة معمارية في العام الثالث، جدول الأقساط الجديد على هاتفه، ويقول لـ"العربي الجديد": "ارتفع القسط السنوي إلى أكثر من ثلاثة آلاف دولار، والراتب الشهري لوالدي لا يتجاوز 100 دولار، ولا يوجد منحة، ولا تقسيط طويل الأمد. أحاول أن أعمل بعد الظهر في مكتب هندسي كي أستطيع الاستمرار".

من جهتها، تشعر شيماء البكري، طالبة إدارة أعمال في الجامعة العربية الدولية، بإحباط شديد، وتقول لـ"العربي الجديد": "أفهم أن الجامعات تعاني مثلنا. الكهرباء والمحروقات والكتب كلها بالدولار، لكن أين دور الدولة؟ كان يجب أن يُستبدل إلغاء المنح بدعم أو قروض طلابية. الآن لا مجال لطالب فقير أن يكمل تعليمه".

ويظهر جلياً انقسام الطلاب، فبعضهم يتفهمون الأعباء التي تتحمّلها الجامعات الخاصة، بينما يشعر آخرون أن الطلاب أصبحوا الضحية الأولى للقرارات الجديدة، خصوصاً أولئك الذين يعتمدون على المنح الدراسية لتغطية الأقساط.

وأثر إلغاء المنح على الطلاب المتفوقين، وتقول ريتا الصواف، وهي طالبة طب أسنان في السنة الرابعة بجامعة اليرموك الخاصة، لـ"العربي الجديد": "كنت من الأوائل في الثانوية، وحصلت على منحة تغطي 75% من القسط الجامعي، ما سمح لي بدراسة طب الأسنان. كنت أشعر أن جهدي لم يذهب سدى، وأن بلدي يقدّر المتفوقين. الآن ألغوا المنح. عملياً يجب أن أدفع كل القسط أو أنسحب".

تضيف ريتا التي تعمل مساعدة لطبيب أسنان في عيادة ثلاثة أيام في الأسبوع، لكن المبلغ الذي تتقاضاه يغطي بالكاد تكاليف النقل والمصاريف الشخصية: "لا ألوم الجامعة فقط. أعلم أن الوضع الاقتصادي صعب، لكن قرار مجلس التعليم العالي كان مفاجئاً وقاسياً. تمنح الدول في الخارج الطلاب منحاً كي يدرسوا في الجامعات، وفي سورية يُحرم المتفوقون من حقهم الطبيعي في التعليم. هذا أكثر ما يوجعني. أشعر أحياناً بأن المنحة لم تكن مجرد دعم مادي، بل نوع من الاعتراف بجهدي. وبعد إلغائها فقد كل شيء معناه".

الصورة
إلغاء منح المتفوقين قد يُهدر الكفاءات، 5 يناير 2025 (هشام حق عمر/ الأناضول)
إلغاء منح المتفوقين قد يُهدر الكفاءات في سورية، 5 يناير 2025 (هشام حق عمر/ الأناضول)

وإذ يبدو جلياً أن إلغاء المنح لم يؤثر على الطلاب مادياً فقط، بل أيضاً على معنوياتهم وحوافزهم الدراسية، يُثير ذلك تساؤلات حول مستقبل التعليم الخاص كرافد للتعليم العالي في سورية. ويقول محمد سويد، معاون وزير التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون التعليم الخاص رئيس لجنة التحول الرقمي في الوزارة، لـ"العربي الجديد": "يبلغ عدد الجامعات الخاصة المرخّصة في سورية 39 تتوزع على مختلف المحافظات، أما الجامعات الحكومية فعددها 11. ورغم العدد الكبير للجامعات الخاصة، لا تتجاوز نسبة الطلاب المسجلين فيها 5% من إجمالي عددهم في سورية، ما يشير إلى أن الجامعات الحكومية لا تزال تستوعب غالبيتهم".

يضيف سويد: "تتحمّل الجامعات الخاصة عبئاً كبيراً، وتساند وزارة التعليم العالي في تلبية الاحتياجات المتزايدة للتعليم الجامعي. ونحن نعمل لرفع مستوى التعليم الخاص في شكل مدروس يُحقق التوازن بين جودة التعليم وقدرة الطلاب على تحمّل التكاليف". ويوضح أن "الجامعات الخاصة في سورية تخضع لإشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تُصدر التراخيص وتحدد التخصصات المسموح بها. ويُلاحظ مع ذلك أن الوزارة تفتقر إلى آليات رقابة فعّالة تضمن جودة التعليم والمناهج والامتحانات في هذه الجامعات".

وعن المنح الجامعية، يقول سويد: "إلغاء المنح يأتي في إطار توجهات مجلس التعليم العالي لتنظيم القبول الجامعي، وتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب. حتى الآن لا معلومات رسمية عن نيّة الحكومة إعادة منح الجامعات الخاصة أو استبدالها بآليات دعم أخرى. تطوير منظومة التشريعات التي تنظم التعليم العالي الخاص يشكل جزءاً من رؤية حكومية شاملة لتحديث القطاع، والقرارات الجديدة تهدف إلى تعزيز العدالة الأكاديمية، وتحقيق التوازن بين جودة التعليم وقدرة الطلاب على تحمّل التكاليف مع الحفاظ على دور الجامعات الخاصة كرافد لدعم النظام التعليمي في سورية".

وفيما تفتح تصريحات سويد أبواب النقاش حول تكلفة التعليم الخاص وضرورة إيجاد آليات دعم بديلة، يرى الدكتور عدنان السليمان، أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "القرار يعكس الواقع الاقتصادي الصعب فالجامعات الخاصة تعتمد على مواردها الذاتية، وكل رسومها تقريباً بالدولار، لكن الخطأ كان في إلغاء المنح بالكامل، إذ كان يمكن تنظيمها وليس إلغاءها لأن هذا الأمر يضرب مبدأ تكافؤ فرص التعليم". يضيف: "يتمثل الحل في برنامج قروض طلابية ميسّرة، أو صندوق دعم للتعليم الخاص يموّل جزئياً من أرباح الجامعات نفسها أو من المصارف الحكومية".

أما الدكتور إسماعيل الحلقي، عضو الهيئة التدريسية في جامعة خاصة بريف دمشق، فيقول لـ"العربي الجديد": "كانت الجامعات تتخبّط وترفع الأقساط كما تشاء، والدفع بالليرة جعلها تخسر بسبب التضخم. التسعير بالدولار أعاد بعض الاستقرار، لكن كان يجب الإبقاء على منح المتفوقين على الأقل كي لا نفقد الكفاءات".

وتحددت رسوم الساعة المعتمدة في كلية الطب البشري بـ50 دولاراً، وفي كلية طب الأسنان 45 دولاراً، وكلية الصيدلة (40 دولاراً)، وكليات الهندسة (30 دولاراً)، وفي باقي التخصصات (15 دولاراً)، أما رسوم التسجيل في المعاهد الطبية (الصيدلة، طب الأسنان، التعويضات السنية، الأطراف الصناعية) فتبلغ 20 دولاراً. وفي ما يتعلق بتخصصات أخرى، حُدّدت الأقساط السنوية للفنون بـ400 دولار واللاهوت في جامعة بلاد الشام  بـ200 دولار، والدراسات العليا في الأكاديمية السورية بـ400 دولار، وفي جامعة بلاد الشام بـ500 دولار.

في عملية حسابية بسيطة تبلغ تكلفة دراسة الطب البشري 1250 دولاراً بواقع 25 ساعة للفصل الواحد، وطب الأسنان 810 دولارات بواقع 18 ساعة، والصيدلة 720 دولاراً بعدد الساعات نفسه، والهندسة 540 دولاراً، و360 دولاراً في باقي التخصصات والكليات. وجرى توحيد الأقساط بالدولار للطلاب السوريين والحاصلين على شهادات غير سورية، مع إمكانية الدفع بالدولار أو بما يعادل القيمة بالليرة السورية بحسب نشرة أسعار مصرف سورية المركزي.

وتفيد إحصاءات مجلس التعليم العالي بأن عدد طلاب الجامعات الخاصة يناهز 80 ألفاً، أي نحو 18% من مجموع طلاب التعليم العالي في البلاد. وبعد صدور القرارات الجديدة يخشى مراقبون أن يتراجع هذا العدد بشكل كبير، ويعود بعض الطلاب إلى الجامعات الحكومية المزدحمة أصلاً، أو يتركوا الدراسة. ورغم الصعوبات، لا يزال الطلاب يأملون في تعديل القرار، أو إعادة جزء من نظام المنح. وتقول الطالبة بثينة قلوع: "لا نطلب الدراسة مجاناً، لكن على الأقل إيجاد توازن إذ لا يمكن أن نُحاسَب بدولارات لا نكسبها".

وبينما تسعى الوزارة إلى تحقيق العدالة الأكاديمية وضبط الأسعار، يشعر الطلاب بأن العدالة لم تعد ملموسة في واقعهم اليومي، ويبقى السؤال الأساسي: هل ستستطيع الجامعات الخاصة الاستمرار في تقديم خدماتها التعليمية بنفس الجودة؟ وفي الوقت ذاته، هل سيستطيع الطلاب تحمّل تكلفة التعليم بالدولار، أو ستضطر الدولة إلى إيجاد آليات دعم جديدة لضمان استمرار مسار التعليم الجامعي في البلاد؟

المساهمون