التعديات على الأملاك العامة تتفاقم في ريف إدلب الجنوبي
استمع إلى الملخص
- السكان المحليون يوضحون أن التعديات ازدادت مع عودة النازحين وارتفاع أسعار الأراضي، مما أدى إلى تدهور الخدمات العامة وازدحام الطرق، بينما تفتقر المجالس المحلية إلى القوة التنفيذية لمواجهتها.
- الخبراء يؤكدون أن التعدي يُعدّ انتهاكاً للحق العام، ويشددون على ضرورة توثيق الأملاك العامة ووضع مخططات تنظيمية مؤقتة، مع دور المجتمع المحلي في حماية الملك العام.
أدت الحرب السورية، وما رافقها من غياب المؤسسات، إلى تفاقم التعديات على الأملاك العامة بريف إدلب الجنوبي، حتى صارت أمراً واقعاً مع ازدياد العائدين وتدهور أوضاعهم.
تتسع ظاهرة التعدي على الأملاك العامة في ريف إدلب الجنوبي، شمال غربي سورية، بالتزامن مع هشاشة الإدارة المحلية، وضعف الرقابة، لتتحول من حالات فردية متفرقة إلى واقع يومي يهدد ما تبقى من ممتلكات تعود لكل أفراد المجتمع. طرقات جرى تضييقها أو إغلاقها، أراضٍ عامة جرى الاستيلاء عليها وتحويلها إلى مشاريع خاصة، حدائق وساحات تحولت إلى مكبات أو أبنية عشوائية، في مشهد يعكس حجم الفوضى القانونية والإدارية التي تعيشها المنطقة.
وتشكّل الأملاك العامة التي تشمل الطرق والساحات والأراضي التابعة للدولة أو البلديات والمرافق الخدمية، متنفساً للسكان، ومورداً مشتركاً يُفترض أن يخدم الجميع من دون استثناء، إلّا أنّ سنوات الحرب الطويلة، وما رافقها من غياب مؤسسات الدولة، ولا سيّما في المناطق التي عاد إليها سكانها حديثاً، وتراجع دور المجالس المحلية، فتحت الباب واسعاً أمام تجاوزات فردية وجماعية، غالباً ما تحدث تحت ضغط الحاجة الاقتصادية، أو بدافع تحقيق مكاسب سريعة، وأحياناً في ظلّ صمت أو عجز الجهات المعنية.
ويقول حسان البطال، أحد سكان منطقة كفرنبل، بريف إدلب الجنوبي، إنّ التعدي على الأملاك العامة "لم يكن مألوفاً بهذا الشكل قبل سنوات، لكن الظاهرة بدأت تتسع تدريجياً مع ازدياد أعداد العائدين من رحلة النزوح، وارتفاع أسعار الأراضي الخاصة بشكل يفوق قدرة معظم الأهالي، إلى جانب غياب مخططات تنظيمية واضحة تضبط التوسع العمراني". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في فرض كثير من التعديات باعتبارها أمراً واقعاً، يصعب التراجع عنه مع مرور الوقت، ولا سيّما عندما تتحول الأرض العامة إلى مصدر رزق لعائلة أو أكثر.
ويُعطي البطال مثالاً على ذلك عبر الاستيلاء على أراضٍ تُعرف محلياً بـ"رام كفرنبل"، وهي منطقة منخفضة كانت تتجمع فيها مياه الأمطار، مكوّنة بحيرة صغيرة شكّلت على مدى سنوات متنفساً طبيعياً لأهالي البلدة، وخزاناً مائياً عاماً يُعتمد عليه في ري الأشجار والمزروعات المحيطة. ويوضح أن هذه الأراضي تعرّضت للتجريف، وجرى ضمّها لأراضٍ زراعية قريبة منها، ما أدى إلى اختفاء البحيرة تدريجياً، وحرمان القرية من مورد مائي طبيعي كان يخفف آثار الجفاف ويخدم المزارعين. ويشير إلى أن خسارة مثل هذه المساحات لا تمسّ الجانب الجمالي فقط، بل تضرب مصالح جماعية طويلة الأمد، يصعب تعويضها في ظل الواقع الحالي.
أما محمود السوادي، الذي كان عضواً في مجلس محلي بريف إدلب الجنوبي، فيقول: "الظروف الاستثنائية التي مرت بها المنطقة خلقت بيئة مثالية للتعديات، فالمجالس المحلية تفتقر إلى القوة التنفيذية، وغالباً ما تصطدم بضغوط اجتماعية أو عشائرية تمنعها من إزالة المخالفات"، مضيفاً لـ"العربي الجديد": "كانت هناك حدائق وساحة عامة وأحراش يلعب فيها الأطفال، وتُقام فيها مناسبات القرية، تحوّلت اليوم إلى أبنية ومحال تجارية، ولا أحد يعرف كيف أو متى جرى الاستيلاء عليها".
ويتطرق في حديث خاص لـ"العربي الجديد" إلى مشكلة تضييق الطرق العامة، قائلاً: "الطريق الرئيسي الذي يربط القرية بالقرى المجاورة بالكاد يتّسع اليوم لسيارتين، بسبب التوسّع العشوائي للمحال والبسطات، ما تسبب بحوادث سير متكررة، وعرقل وصول سيارات الإسعاف والإطفاء".
وتربط سلام العواد أسباب التعديات على الأملاك العامة بمسألة الحاجة لا أكثر، ذلك أن معظم العائدين بعد سنوات طويلة من النزوح لا يملكون أي شيء، كما أن العائلات تكاثرت خلال تلك الفترة، وظهرت أجيال جديدة تحتاج إلى بيوتٍ وأراضٍ تقيم عليها. وتضيف لـ"العربي الجديد": "يبحث الأهالي عن مكان يعيشون فيه أو يسترزقون منه، وعندما لا يجدون أي بديل حقيقي، يلجأ بعضهم إلى البناء على أرض عامة، أو التوسع على الطريق".
وتؤكد سلام، وهي من أهالي جنوب إدلب، أن "الجميع يدفع الثمن في نهاية المطاف، حين تتراجع الخدمات، ويزداد الازدحام، وتضيق الطرق، وتختفي المساحات العامة التي كانت تخدم القرى". وترى أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو "تطبيع التعدي اجتماعياً، إذ صار يُنظر إلى الاستيلاء على المُلك العام بوصفه حلّاً مشروعاً في ظل الفقر وغياب الحلول، وهذا ما يجعل أي محاولة مستقبلية لإعادة التنظيم أو الإعمار شديدة الصعوبة، لأن إزالة التعديات ستصطدم بما يعتبره البعض حقوقاً مكتسبة بحكم الأمر الواقع". وتشير سلام إلى أن "هذه التعديات ظهرت في القرى التي غابت عنها الرقابة منذ وقت مبكر، أو التي شهدت كثافة سكانية مفاجئة بعد عودة النازحين، ما أدى إلى استهلاك مساحات كانت مخصصة لمدارس أو مراكز صحية أو طرق رئيسية، ما يهدد مستقبل هذه القرى خدمياً وتنظيمياً".
من جانبه، يرى الخبير الحقوقي والمحامي، عادل المحمود، أن التعدي على الأملاك العامة يُعدّ انتهاكاً صريحاً للحق العام، حتى في ظل غياب الدولة المركزية. ويقول: "الملكية العامة لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز التصرف بها أو استثمارها من دون إطار قانوني واضح يخدم المصلحة العامة". ويضيف في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، أن تبرير التعديات بالحاجة الاقتصادية "قد يكون مفهوماً إنسانياً، لكنه غير مقبول قانونياً"، محذّراً من أن الاستمرار في هذا النهج "سيخلق إشكاليات قانونية كبيرة في المستقبل، خصوصاً عند بدء عملية إعادة الإعمار أو العودة القوية للسلطات الرسمية".
ويشير المحمود إلى أن معالجة الظاهرة تتطلب أكثر من قرارات إدارية، ويبدأ الحل بتوثيق الأملاك العامة، ووضع مخططات تنظيمية مؤقتة، وتأمين بدائل حقيقية للمتعدّين، سواء عبر مشاريع إسكان أو تنظيم أسواق شعبية"، مؤكداً دور المجتمع المحلي في حماية الملك العام، عبر رفض التطبيع مع التعديات والضغط باتجاه حلول جماعية.