التعاون مع العدو... أحكام المؤبد والإعدام تطاول الآلاف في السودان
- تُستخدم تهمة التعاون مع العدو لإسكات المعارضة، مما يؤدي إلى محاكمات غير عادلة وأحكام قاسية، حيث يتعرض المتهمون لانتهاكات جسيمة مثل الإعدام الميداني أو السجن المؤبد.
- تؤدي المحاكمات إلى ترهيب المجتمع وإسكات الأصوات المعارضة، مما يعكس التدخلات السياسية في القضاء ويهدد سيادة القانون، حيث حوكم آلاف الأشخاص بتهم التعاون.
أضيفت تهمة التعاون مع طرف الصراع الآخر إلى سجل الانتهاكات المتعددة التي يمارسها طرفا الحرب في السودان، وصولاً إلى معاقبتهم بالإعدام، ويتزامن ذلك مع أزمات متفاقمة تشمل النزوح واللجوء، ونفاد المواد الغذائية، وتفشي الجوع والأمراض التي عاشها الملايين طوال سنوات الصراع الماضية.
يستخدم طرفا الحرب السودانية المتواصلة، الجيش وقوات الدعم السريع، تهمة التعاون بهدف إسكات الأصوات المعارضة لاستمرار الحرب، أو المعارضين السياسيين، وحتى الناشطين الاجتماعيين والمتطوعين في تقديم المساعدات للفقراء والنازحين. وأوجد كل طرف لتهمة التعاون مع الخصم عقوبة قاسية، إذ يلجأ الدعم السريع إلى جريمة الإخفاء القسري، والإعدام الميداني لبعض من يتهمهم بالتعاون مع الجيش، بينما يستخدم الجيش محاكم صورية تصدر أحكاماً بالسجن تصل إلى عشرين عاماً، وفي بعض الحالات الإعدام شنقاً، فضلاً عن جريمة الإعدام الميداني.
لا تحتاج تهمة التعاون إلى أدلة قوية تعضدها أو تُثبتها، وباتت التهمة الأشهر حالياً في السودان، ويتعرض المتهم عادة لانتهاكات إنسانية متعددة قبل تقديمه إلى محاكمات صورية غالباً ما تعاقبه بالسجن المؤبد، أو الإعدام، وتعرض البعض للإعدام الميداني. ويصف قانونيون المحاكمات بأنها غير قانونية، وأن أحكامها جزافية واعتباطية.
من بين الأشخاص الذين اتُّهموا بالتعاون، وأُعدموا ميدانياً النور موسى (67 سنة)، وكان يعمل مربياً للماشية في قرية الغبشة الواقعة بالقرب من مدينة أم روابة بإقليم شمال كردفان. حين خضعت قريته لسيطرة قوات الدعم السريع في الفترة بين أغسطس/آب 2023 ويناير/كانون الثاني 2025، قرر موسى البقاء في منزله، وعندما استرد الجيش السوداني المنطقة، أعدمه ميدانياً مع عشرات المواطنين بتهمة التعاون مع العدو.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وقال شقيقه أحمد موسى لـ"العربي الجديد": "لم نتمكن من النزوح لأننا لم نعرف إلى أين ننزح، كما أن إمكاناتنا المالية ضعيفة، فقررنا البقاء في منزلنا، لكن ذلك كان كفيلاً باتهامنا بالتعاون مع الدعم السريع الذي سيطر على المنطقة بقوة السلاح. عند دخول الجيش إلى المنطقة، صادفوا أخي خارج المنزل، فسألوه لماذا بقيت في المنطقة؟ وقبل أن يبرر وضعه أطلقوا عليه الرصاص فقتلوه بتهمة أنه متعاون. قوات الدعم السريع قتلت ثلاثة من أبناء عمي في الفترة التي كانوا يسيطرون فيها على المنطقة، وكنا جميعاً عرضة لانتهاكات فظيعة من طرفي الصراع، وكل منهما كان يتهمنا بالتعاون مع الطرف الآخر".
عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار، في يوليو/تموز 2024، قرر المحامي أبو بكر منصور البقاء في منزله، وحين استردها الجيش في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، تعرض للاعتقال بتهمة التعاون مع الدعم السريع، وقُدم لمحكمة مدينة سنجة العامة، التي أصدرت بحقه حكماً بالسجن لمدة عشرين عاماً، مع غرامة قيمتها عشرة ملايين جنيه سوداني (نحو 3 آلاف دولار).
عندما استأنفت هيئة الدفاع عنه الحكم، أسقطت محكمة الاستئناف بعض التهم، وأعادت الملف إلى المحكمة العامة لسماع بينات إضافية، لكن المحكمة لم تسمع أية بينات إضافية، بل أصدرت بحقه حكماً بالإعدام في غياب هيئة الدفاع، وأيدت المحكمة العليا حكم الإعدام.
وقالت هيئة محامي الطوارئ (مجموعة قانونية) في بيان: "كشفت إفادات متعددة عن وجود أبو بكر منصور داخل المدينة خلال سيطرة الدعم السريع عليها، وإنه كان متطوعاً لتوفير المساعدات الإنسانية، ومن بينها توزيع الأدوية على المرضى، ولم يثبت له أي نشاط يرقى إلى مستوى التعاون مع الدعم السريع، لكن المحكمة تجاهلت كل الشهادات الداعمة، ما يُعد إخلالاً جوهرياً بضمانات الدفاع".
ووصفت هيئة محامي الطوارئ الحكم بأنه "يمثل خرقاً لقرار محكمة الاستئناف، وانتهاكاً لضمانات المحاكمة العادلة المكفولة في الدستور الانتقالي والمواثيق الدولية، كما يُبرز التسييس الواضح لمؤسسات العدالة، وتدخل الأجهزة الأمنية في عمل القضاء، ما يقوض استقلاله ويهدد مبدأ سيادة القانون. وقد اعتقلت الأجهزة الأمنية أحد أعضاء هيئة الدفاع عن منصور، وهو المحامي أبو بكر الماحي، ولم تسمح له بأداء مهامه القانونية، أو التواصل بحرية مع موكله".
في واقعة أخرى، اعتقلت نعمة علي، وهى أم لثلاثة أطفال وزوجة جندي في الجيش السوداني، من منزلها في الكلاكلة جنوبي العاصمة الخرطوم، بتهمة التعاون مع الدعم السريع، وقضت أكثر من سبعة أشهر في زنازين الخلية الأمنية، وهي جهة أمنية غامضة تشكلت بعد الحرب، ولا تخضع لسلطة الأجهزة القضائية. وقال شقيقها حمدان علي لـ"العربي الجديد": "لم تُقدم شقيقتي للمحاكمة، والمفارقة أن زوجها استشهد في حامية بابنوسة المعروفة بالفرقة 22 الواقعة في إقليم كردفان، حين سيطرت عليها قوات الدعم السريع في ديسمبر/ كانون الأول 2025. نخشى أن تختفي قسرياً، أو أن تتعرض لمحاكمة لا تُراعى ظروف أطفالها الذين فقدوا والدهم وبقيت والدتهم في السجن كل هذه المُدة".
في عام 2025، قضت محكمة شندي بولاية نهر النيل، بحبس شقيق نعمة الثاني، نادر علي (41 سنة) لمدة عشرين عاماً بتهمة التعاون مع الدعم السريع، رغم أنه من أصحاب الاحتياجات الخاصة، والسبب أنه ظل لعدة أشهر في الخرطوم التي سيطر عليها الدعم السريع قبل مغادرته إلى ولاية نهر النيل حيث قبض عليه. وقال حمدان علي:"اتهم شقيقي وشقيقتي بالتعاون لأن أسرتنا تنحدر من مناطق غربي السودان، التي تنتمي إليها غالبية عناصر الدعم السريع، فضلاً عن بقائهما في المناطق التي سيطر عليها".
واعتقل الكاتب خالد بحيري (75 سنة) من منزله في مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة بعد أيام قليلة من استعادة الجيش السيطرة عليها في يناير/كانون الثاني 2025، وأخفي قسرياً لمدة ثلاثة أشهر، بعدها علمت أسرته بمكان احتجازه، وقُدم لمحكمة وصفتها هيئة الدفاع بأنها هزلية. في 13 يناير الماضي، قضت محكمة ود مدني العامة بإدانته، ومعاقبته بالسجن المؤبد بتهمة التعاون مع الدعم السريع. يقول ابنه محمد بحيري لـ"العربي الجديد": "قرر والدي البقاء في المدينة بعد سيطرة الدعم السريع عليها، وتولى صيانة محطات المياه بعد توقفها عن العمل، كما أسس مبادرات تطوعية لمساعدة العالقين الذين عجزوا عن النزوح، وتوفير الطعام ومياه الشرب والخدمات العلاجية للسكان. لم يكن عمله سرياً، فقد كان قبل الحرب ناشطاً مجتمعياً، وشارك في الكثير من المبادرات الخيرية لصالح الفقراء والمحتاجين. حكم عليه بالسجن المؤبد رغم أنه يعاني من الفشل الكلوي".
كان الصيدلي أحمد عبد الله خضر معروفاً في منطقته بالولاية الشمالية بتوفير الأدوية للمرضى من الأهالي والنازحين بالمجان، كما يدير مع آخرين تكية للطعام المجاني. في يونيو/حزيران الماضي، قضت محكمة بسجنه 25 شهراً بتهمة "الإساءة إلى شهداء الحرب"، ووفقاً لإفادة أحد أفراد أسرته، طلب عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية، فإن المحكمة أمرت بسجنه لأنه قال أمام بعض الجنود إن "قتلى هذه الحرب ليسوا شهداء".
من جانبها، وصفت المحامية رحاب مبارك محاكمة المدنيين بتهمة التعاون مع الدعم السريع بأنها محاولات ترهيب يراد منها إسكات الأصوات التي تطالب بوقف الحرب. وقالت لـ"العربي الجديد": "هناك نساء وأطفال تمت محاكمتهم بتهم التعاون مع الدعم السريع. تجري هذه المحاكمات في مناطق متفرقة، وضمن ظروف أمنية مشددة، ولا يوجد إحصاء دقيق حول عدد المحكومين، لكن أعدادهم تتجاوز الآلاف".
بدوره، قال نائب رئيس الشبكة الأفريقية للقانونيين الدستوريين، سامي عبد الحليم سعيد، لـ"العربي الجديد": "معظم المحاكمات التي تجري حالياً، بما فيها محاكمة الأشخاص الذين يعرفون بالمتعاونين، كلها تفتقر إلى أصول المحاكمات العادلة، وجزء منها يخضع للمؤثرات السياسية. أصبحت مؤسسات العدالة جزءاً من أدوات الحرب، وبموجب التصنيفات القانونية الجائرة تصدر تلك المحاكم قرارات يمكن اعتبارها تصفيات سياسية للمعارضين، أو غير المتوافقين مع السلطة، وبعض الأشخاص يحاكمون بسبب عدم تأييد الجيش علناً".
يضيف سعيد: "من خلال تتبع الوقائع والأحداث، عرفنا أن العديد من النساء وكبار السن ظلوا محبوسين داخل المناطق التي سيطر عليها الدعم السريع، وأصبحوا محاصرين بالانتهاكات والتعذيب والتجريم، ما جعلهم يبتدعون العديد من الوسائل التي تجعل استمرار الحياة ممكنة، ومن بينها عدم معارضة قوات الدعم السريع أو التصدي لها، ومن نجح في ذلك بقي حياً، ومن فشل تم إعدامه ميدانياً. الأصل أنه ليس من المقبول قانوناً أو أخلاقياً محاكمة الضحايا بتهمة التعاون مع العدو".
وأشارت نائب هيئة محامي دارفور، نفيسة حجر، إلى أن خطورة تلك المحاكمات تكمن في أحكام الإعدام التي بات ممكناً تنفيذها بعد تشكيل المحكمة الدستورية. وقالت لـ"العربي الجديد": "بعد إعادة تشكيل المحكمة الدستورية التي انتهت عهدتها في 2018، أصبحت هناك خطورة بالغة على المواطنين الذين حُكم عليهم بالإعدام، لأن هذه المحكمة تمثل أعلى درجات التقاضي، ويمكن أن ترفع إليها الأوراق في أي لحظة، ويتم المصادقة على الإعدام، وبالتالي تنفيذه. رصدنا أسماء أكثر من 2000 شخص جرت محاكمتهم حتى نهاية العام الماضي، لكن الرقم الحقيقي أكبر بالطبع".