التسرّب المدرسي يهدّد أجيالاً في ريف اللاذقية

24 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:09 (توقيت القدس)
لا يحظى كل أطفال سورية بحق التعلم، اللاذقية، 6 فبراير 2013 (عامر قريشي/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يتفاقم التسرّب المدرسي في ريف اللاذقية بسبب الصراع المستمر، مما يؤدي إلى الفقر والبطالة ويدفع الأطفال لترك التعليم والانخراط في سوق العمل.
- تشير تقديرات اليونيسف إلى أن 2.4 مليون طفل خارج المدرسة في سورية، مع مليون آخرين مهددين بالتسرّب، مما يستدعي تعزيز الاستثمار في التعليم.
- رغم جهود إنشاء مدارس بديلة، إلا أن تدمير 7,900 مدرسة وصعوبات اقتصادية تعيق الوصول للتعليم، وتسعى وزارة التربية للحد من التسرّب عبر إجراءات مثل أتمتة أسماء الطلاب.

يتفاقم التسرّب المدرسي في ريف اللاذقية شمال غربي سورية من جراء سنوات الصراع في البلاد، فضلاً عن تفشي الفقر والبطالة والغلاء، ما يدفع الأطفال نحو سوق العمل. وتقدّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن أكثر من 2.4 مليون طفل خارج المدرسة في سورية، وأن مليون طفل آخرين مهددون بالتسرّب، مؤكدةً الحاجة الماسّة لتعزيز الاستثمار في تعليم الأطفال.

بعد أيام من التفكير، قرّر الفتى السوري محمد زينو البالغ من العمر 15 عاماً ترك مدرسته في مدينة جبلة جنوبي اللاذقية، والتفرغ بشكل كامل للعمل، رغم وصوله إلى الصف الأول الثانوي وتفوقه في امتحان الشهادة الإعدادية. كان الفتى يحلم بدراسة المعلوماتية والبرمجة بعد تفوقه في المواد العلمية، لكن غياب المعيل بعد وفاة والده قبل ثلاث سنوات، وانقطاع راتب والدته المتقاعدة، دفعاه مُكرهاً إلى اتخاذ هذا القرار. يقول لـ"العربي الجديد": "كلما أستقلّ الحافلة منتقلاً من قريتي في ريف جبلة إلى المدينة، أشاهد رفاقي يتوجهون إلى المدرسة، ومن ضمنهم مَن هم أقل تفوقاً مني، بينما أواصل طريقي نحو ورشة الخياطة. أشعر بالألم اليومي وبأن أحلامي سُرقت مني، ولم يعد لديّ الحافز لأي شيء".

وتشكل ظاهرة التسرّب المدرسي في ريف اللاذقية على الساحل السوري انعكاساً لتبعات الحرب، وما تلاها من فقر متفاقم وبُنى تعليمية متضرّرة، وغلاء كلفة المواصلات، وتسريحات واسعة لعناصر وضباط في جيش النظام السوري السابق، ما أدّى إلى انهيار القدرة المعيشية للعديد من الأسر.

طلاب وشباب
التحديثات الحية

وفي قرى جبل الأكراد ومناطق ريف اللاذقية الشمالي، حيث استمرت المعارك لسنوات ونزح آلاف السكان، يروي مواطنون ومعلمون أن العديد من الأطفال لم يلتحقوا بالمدرسة منذ سنوات النزاع، أو توقفوا مبكراً عن الدراسة.

تطوّعت المعلمة مها غندور عام 2016 لتدريس أطفال نازحين من قرى ريف اللاذقية، وتقول لـ"العربي الجديد" إن معظم الأطفال تسرّبوا من التعليم خلال السنوات الأخيرة، وبعضهم صار اليوم يافعاً أو شابّاً بسبب ظروف النزوح والتهجير، وقلة المدارس والأوضاع الاقتصادية الصعبة. وتكشف أنه على الرغم من عودة الكثير من الأهالي إلى منازلهم وقراهم، لا يزال عدد المدارس محدوداً رغم جهود ترميمها وإعادة بنائها، إذ إن الأهالي مضطرون أحياناً إلى تحمل تكاليف مواصلات شاقة لإرسال أولادهم إلى قرى مجاورة لمتابعة تعليمهم.

وبينما برزت جهود بعض المنظمات في إنشاء مدارس بديلة وخيام تعليمية في بعض القرى، لاستيعاب الأطفال الذين تضررت مدارسهم، إلا أن الحاجات الكبيرة تفوق هذه المبادرات. وتكشف الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم السورية، أن نحو 7,900 مدرسة تعرضت لدمار جزئي أو كلي في البلاد، من أصل 19,400 مدرسة قائمة.

الصورة
اضطر بعض الطلاب إلى العمل وترك المدرسة، جبلة، 24 سبتمبر 2025 (أحمد حسب الله/ Getty)
يضطر طلاب إلى العمل وترك المدرسة، جبلة، 24 سبتمبر 2025 (أحمد حسب الله/ Getty)

في قرية كبانة المدمرة في ريف اللاذقية الشمالي، عادت بعض العائلات النازحة خلال الأشهر الأخيرة رغم حالة الدمار. وتطوّع أحد سكان القرية بجزء من داره، لتحويله إلى مركز تعليم للصغار، كذلك تطوّع معلم في القرية لهذه الغاية، لكن مدارس المرحلتين المتوسطة والثانوية تبعد مسافات عن القرية، ما حرم الكثير من الطلاب حقهم في التعلّم، وفقاً لأحد سكان القرية، محمد شيخاني.

وفيما لم تتأثر قرى أخرى في ريف اللاذقية بالحرب، مثل ريفَي جبلة والقرداحة، غير أن عائلات كثيرة خسرت مصدر رزقها بعد حلّ جيش النظام السابق، إذ كان التطوع في الجيش مصدر رزق للكثير منها. وخلال الأشهر الأخيرة، أُجبرت عائلات عدة على سحب أطفالها من المدارس، جراء عوامل الفقر والبطالة وارتفاع كلفة المعيشة، ودفعهم نحو سوق العمل أو أقلها للحد من نفقات الكتب والزيّ المدرسي والمواصلات، ولا سيما في القرى النائية البعيدة عن المدينة.

ويقول المدرّس بالمرحلة الإعدادية في ريف جبلة، أيهم الصالح، لـ"العربي الجديد" إن الصف كان يضم مع بداية العام الدراسي الحالي نحو 35 طالباً، بينما اليوم بالكاد يلتزم 25 طالباً بالحضور، وسط تكرر غياب الكثير منهم. ويوضح أنه تواصل مع العديد من الأسر التي أوقفت أولادها عن الدراسة، وتبيّن أن معظم الأسباب ترتبط بعوامل اقتصادية أو بسبب أجور المواصلات. ويؤكد أن بُعد المدارس في هذه القرى الجبلية يُعدّ مشكلة يومية، إلى جانب ارتفاع أجور المواصلات ونقص وسائل النقل، ما يجعل الوصول إلى المدارس الإعدادية والثانوية مستحيلاً في حالات عديدة، أو يكلف الأسرة مبلغاً كبيراً من دخلها المحدود.

وتسرد آسيا منصور، الأم لطفلين في قرية عين العروس بريف جبلة، معاناتها مع التكاليف المرتفعة. وتقول لـ"العربي الجديد": "إن أجرة النقل لطفلين تكاد تستهلك راتباً كاملاً، كذلك إن شراء القرطاسية والملابس صار عبئاً لا يُحتمل. والمشكلة هذا العام أن عائلات عدة خسرت وظائفها، فيما تبقى فرص العمل محدودة والأجور زهيدة". وتتابع: "حتى الآن لم أوقف طفليَّ عن الدراسة، لكنهما يضطران معظم الأحيان إلى الغياب بسبب ظروفنا المادية. وإن استمر الوضع على حاله، فلن يتمكّنا من مواصلة التعليم".

بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية وقلة عدد المدارس، يرى المدرّس المتقاعد، محمد صافيا، أن المجتمع السوري تأثر بفترة الحرب كثيراً، لدرجة أن أهمية التعليم تراجعت بالنسبة إلى عائلات عدة. ويوضح لـ"العربي الجديد" أن قدسية التعليم وجودته تآكلتا خلال سنوات الحرب مع انتشار الفساد، سواء في المدرسة أو المجتمع، وبات من الطبيعي بالنسبة إلى أسر عدة دفع أولادها نحو سوق العمل، حتى ولو كان أميّاً، بينما تراجع في الوقت ذاته دور الدولة السورية خلال السنوات السابقة في دعم التعليم، وتأمين مستلزماته، وإلزام الأسر تعليم أطفالها حتى المرحلة الأساسية على الأقل.

وأخيراً، أكد مدير التعليم في وزارة التربية السورية، محمد سائد قدور، أن الوزارة بدأت اتخاذ إجراءات للحد من ظاهرة التسرّب المدرسي، منها العمل على أتمتة أسماء الطلاب، ومنحهم كوداً خاصاً يبيّن تنقلاتهم. وأضاف قدور في حديث لصحيفة محلية، أن إجراء ربط إلكتروني مع السجل المدني يبيّن عدد الطلاب الذين لم يلتحقوا بالتعليم. كذلك تحدث عن إمكانية فتح برامج التعليم المسرع، ودعم العائدين من التسرب، وإيجاد مسارات جديدة للتعليم وتحفيز الطلاب على المتابعة.

المساهمون