البيوت الخشبية... تحوّل جذري في حياة تونسيين

20 يونيو 2026   |  آخر تحديث: 01:51 (توقيت القدس)
البيوت الخشبية خيار ذكي وعملي في تونس، يونيو 2026 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- البيوت الخشبية في تونس تجذب العائلات لتوفيرها حياة هادئة وسط الطبيعة، وتتميز برائحة الخشب وألوان دافئة، منتشرة في الشمال والشمال الغربي.
- المهندس قيس المرابطي يوضح أن البيوت الخشبية توفر الراحة، التكلفة المنخفضة، وسرعة التنفيذ، مع عزل الصوت وتنظيم الحرارة، وتكلفة أقل من البناء التقليدي.
- يشهد قطاع البيوت الخشبية طلباً متزايداً لتحقيق الاستدامة والتميز الجمالي، مع مراعاة القوانين التونسية، وتختلف الشروط في الأراضي الفلاحية.

تستهوي البيوت الخشبية عائلات كثيرة في تونس، خصوصاً في ظل انتشار الشركات المتخصصة في هذا النوع من المنشآت، وهي بالنسبة إلى البعض تحوّل جذري في أسلوب الحياة بحثاً عن السكينة وسط الطبيعة.

عند عبور عتبة الباب، تستقبلك رائحة بيت فريد يجمع بين عبق الخشب العتيق ورائحة الرطوبة الخفيفة التي تمتزج بنسيم الغابة. في الداخل تُريح ألوان الجدران العيون، وتتراوح بين العسلي الذهبي والبني الداكن، وتظهر عليها بوضوح العروق الطبيعية للخشب والدوائر التي تحكي عمر الأشجار، أما الأثاث فبسيط ومصنوع يدوياً من نفس خامات البيئة المحيطة. 

يقف البيت الخشبي في أحضان الطبيعة كأنّه جزء منها، مشيّد من جذوع أشجار السرو العتيقة التي تتداخل فيها تموجات نحاسية. وتُحيط بالبيت شرفة واسعة مصنوعة من ألواح خشب الصنوبر الفاتح.
تنتشر البيوت الخشبية في مناطق عدة بتونس، خصوصاً في الشمال والشمال الغربي، سواء على السواحل أو وسط الأراضي الفلاحية والغابات. وقد استخدم هذا النوع من البناء في البداية عند تشييد دور ضيافة أو بيوت سياحية في المناطق الداخلية. 
في منطقة ساحلية بمحافظة بنزرت (شمال)، تحوّل موقع بناء إلى خلية نحل تضج بالحركة والحيوية بعدما انهمك العمال في تشييد هيكل مبنى خشبي أعمدته من الحديد. تداخلت أصوات ضربات المطارق الحديدية المنتظمة مع أزيز المناشير اليدوية والكهربائية وهي تقطع ألواح الصنوبر. وتسلق عامل سقالة خشبية بمرونة وثبات، حاملاً في يديه ميزان الماء كي يتأكد من استقامة الأعمدة الرئيسية، بينما انحنى زميله بتركيز واستخدم قلم رصاص سميكاً لرسم خطوط دقيقة على لوح من خشب البلوط الصلب قبل قصه.
في زاوية الموقع ظهر مخطط البيت مفروداً على طاولة خشبية عريضة، وعرض تفاصيل منزل ريفي من طابقين بسقف مائل ذي زوايا حادة تتناسب مع أجواء الشتاء، وتبرز فيه شرفات واسعة ونوافذ ممتدة من الأرض حتى السقف. تناوب العمال في تركيب أجزاء البيت، ورفعوا معاً القوائم الحديدية الضخمة بحبال متينة وثبتوها في مكانها لتشكيل الهيكل العظمي للمبنى الذي برز تدريجياً بشكل وتصميم اختلفا تماماً عن المباني الخرسانية الحديثة، وتضمن عناصر طبيعية كانت تنبض بالحياة، واحتفظ بمرونته ودفئه حتى بعد قطعه.

البيوت الخشبية نماذج ناجحة في المناطق الريفية وقرب السواحل، يونيو 2026 (العربي الجديد)
البيوت الخشبية نماذج ناجحة في المناطق الريفية وقرب السواحل، يونيو 2026 (العربي الجديد)

جدران تتفاعل مع الطبيعة


بعكس ورش الخرسانة التي تغرق في ضجيج خلاطات الإسمنت الثقيلة والحديد المتشابك المدفون في قلب الجدران، كان إيقاع ورشة المبنى الخشبي مختلفاً، إذ اعتمدت الحركة على الفن اليدوي والتركيب الدقيق لأجزاء يكمل بعضها البعض. لم تصنع خطوط الرسم الهندسي للمبنى جدراناً خرسانية سميكة تحبس الحرارة والرطوبة، بل جدران تتنفس وتتفاعل مع البيئة المحيطة، واختلفت الألوان تماماً بعدما زها المبنى بتدرجات دافئة من العسلي والبني منحته روحاً وأصالة وعلاقة فطرية بالأرض.
يقول عبد الرحمن أبيضي لـ"العربي الجديد": "لم يكن انتقالي للعيش في بيت خشبي وسط الطبيعة مُجرّد تغيير في عنوان السكن، بل مثّل تحوّلا جذريا في أسلوب حياتي بحثاً عن السكينة التي افتقدتها لسنوات بين جدران الخرسانة الصماء. اخترت الخشب لأنّه مادة حيّة تتنفس وتتفاعل مع فصول السنة، وهو يمنحني الدفء الطبيعي في الشتاء والبرودة اللطيفة في الصيف، فضلاً عن رائحة الصنوبر التي تفوح في الأرجاء مع كل صباح وتجدد طاقتي. هنا، في منطقة عين دراهم، أشعر بأنّ بيتي جزء لا يتجزأ من الغابة المحيطة به، وليس دخيلاً عليها، فالنوافذ الكبيرة تدمج تفاصيل الطبيعة بالداخل، وعروق الخشب على الجدران تحكي قصصاً عن البساطة والأصالة، ما يجعلني أستعيد سلامي الداخلي وصحتي النفسية".
ويشير قيس المرابطي، أحد المهندسين المعماريين، في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أنّ "اللجوء إلى المساكن الخشبية قد يُمثّل خياراً ذكياً وعملياً في العصر الحديث، إذ يجمع بين معادلة تكاد تكون مستحيلة في البناء التقليدي: الراحة الفائقة والتكلفة المنخفضة وسرعة التنفيذ. وعلى صعيد الراحة تمنح هذه البيوت سكانها سكينة نفسية فريدة بفضل دفء الخشب وقدرته الطبيعية على عزل الصوت وتنظيم الحرارة والرطوبة، ما يخلق بيئة صحية ومريحة للعيش. أما على الصعيد المالي والزمني فبناء مسكن خشبي أقلّ تكلفة بكثير من الإسمنت والحديد والخرسانة، وتقدّر كلفة بناء 50 متراً مربعاً بالخشب بنحو 10 آلاف دولار، بينما قد تكلّف المساحة نفسها نحو 20 ألف دولار في حال شيّدت بمواد البناء الحديثة من إسمنت وحديد وغيرها". يضيف: يوفر بناء الخشب الوقت بشكل كبير، وتُصنّع أجزاؤه بدقة وتُركّب في الموقع خلال أسابيع معدودة بدلاً من أشهر طويلة يتطلبها البناء التقليدي. وتكتمل هذه الميزات بالقيمة الجمالية الاستثنائية التي توفرها المساكن الخشبية، فهي لا تحتاج إلى بهرجة في الطلاء أو الديكورات المصطنعة، بل تكتفي بسحر المواد الطبيعية لتبدو لوحة فنية حيّة تنبض بالأناقة والبساطة. ونماذج هذه المساكن تنجح أكثر في الغابات والمناطق الريفية وقرب السواحل، ويجب التأكد من قواعد السلامة خلال التشييد، خاصة في ما يتعلّق بالأسلاك الكهربائية وتركيب عوازل جيدة لخيوط الكهرباء من أجل تجنّب أي حرائق". 

مساحات تحقق الاستدامة

يقول عبد الباسط بن أحمد، أحد أصحاب شركات تركيب الخشب، لـ"العربي الجديد": "نشهد منذ فترة قفزة غير مسبوقة وإقبالاً متزايداً على تشييد المساكن الخشبية، فالعميل لم يعد يبحث عن مجرد مأوى، بل يُطالب بمساحات تحقق له الاستدامة من جهة والتميّز في الجمال من جهة أخرى، ويرغب كثير من الحرفاء في اختصار الوقت الذي يتطلبه إنجاز المباني التقليدية، والإفادة من التكلفة الاقتصادية التي يوفرها الخشب". 
وتشترط القوانين التونسية شروطاً ونوعيات محددة للبناء عند تقديم طلب للحصول على رخصة بناء من أجل ضمان السلامة الفنية والحفاظ على الطابع المعماري واحترام الموارد البيئية، لكن يختلف الأمر إذا كان المبنى سيُشيّد في أراضٍ فلاحية، إذ يمنع فيها بناء مجمعات سكنية، ويُسمح فقط بنوع بناء خفيف أو مسكن فلاحي مرتبط بالنشاط الزراعي بشروط مساحة مُحدّدة وتراخيص من وزارة الفلاحة.