البكالوريا المصرية... أولياء طلاب يشكون حرمانهم حق الاختيار
استمع إلى الملخص
- تتباين آراء أولياء الأمور حول النظام؛ بعضهم يراه مناسبًا لتقليل المواد وتحسين الدرجات، بينما يشعر آخرون بالضغط لاختياره بسبب غياب بدائل واضحة.
- يعتبر الخبراء أن البكالوريا نقلة نوعية في التعليم، مشددين على ضرورة احترام حرية الاختيار وتبني نظام تقديم إلكتروني لضمان الشفافية.
يتحدث أولياء طلاب شهادة الثانوية العامة عن محاولات لفرض نظام البكالوريا المصرية الجديد على نحوٍ غير مباشر، ما يضع الطلاب وأسرهم أمام واقع تعليمي مستحدث من دون أيّ نقاش مجتمعي أو ضمانات واضحة.
في خطوة وُصفت بأنها "تحوّل جذري" في مسار التعليم الثانوي، أعلنت وزارة التربية والتعليم المصرية إطلاق نظام "البكالوريا" بديلاً من الثانوية العامة التقليدية، بداية من العام الدراسي الجديد 2025-2026، مؤكدة أن النظام الجديد "اختياري" للطلاب، في حين تتزايد التساؤلات حول مدى واقعية هذا الاختيار في ظل تعليمات وصلت إلى المدارس تشير إلى عدم توفير أي مسار بديل. وفي العام الدراسي 2024-2025، بلغ عدد الطلاب الذين تقدموا لامتحانات الثانوية العامة في مصر 728,892 طالباً وطالبة، وبلغ عدد الناجحين 574,347، بينما لم ينجح 154,545 طالباً وطالبة. وبينما تكرر التصريحات الرسمية أن أولياء الأمور والطلاب يملكون حرية اتخاذ القرار حول اختيار نظام الدراسة، تكشف الوقائع عن توجيه شبه إلزامي نحو "البكالوريا"، وعدم وجود نماذج تسجيل لمسار الثانوية العامة القديم.
تقول مديحة عبد الله، وهي أم لطفلين أحدهما في الثانوية العامة والآخر في الصف الأول الثانوي، لـ"العربي الجديد"، إن "نظام البكالوريا المصرية قد يكون مناسباً لابني الأصغر الذي لا يميل إلى الحفظ أو الدراسة التقليدية، لكنّني اخترته لابني الأكبر أيضاً، كونه لا يحتوي على عدد كبير من المواد، ويشبه إلى حد ما نظام (التحسين) الذي كان معمولاً به في الماضي، فالبكالوريا تتيح فرصة واحدة مجانية لتحسين الدرجات، وفرصة تحسين ثانية مقابل 500 جنيه، وهو مبلغ صغير. رغم تردّدي في البداية، قررت اختيار البكالوريا، وأتمنى أن تعمل الوزارة على إنجاح التجربة في عامها الأول لإقناع الناس بها".
من جانبها، لم تتخذ داليا عبد الرحمن قرارها النهائي بشأن ابنتها، لكنها تميل إلى رفض نظام البكالوريا، وإلحاق ابنتها بنظام الثانوية العامة التقليدي ووفق نظام "المنازل"، وتقول لـ"العربي الجديد": "ذهبت إلى المدرسة، وأخبروني أنه في حال فتح فصل للمنازل فسيجري إبلاغي، لكن حتى الآن لا يوجد رد. أشعر بالقلق وعدم الثقة تجاه النظام الجديد، خاصة في ظل غياب آليات واضحة تضمن حرية الاختيار".
وتروي آلاء محمد تجربتها مع تقديم ابنتها للشهادة الثانوية، قائلة إنها بدأت إجراءات التقديم الإلكتروني وفقاً لمجموع الدرجات من دون أن يكون هناك أي توضيح حول وجود نظامين للثانوية العامة، وبعد قبول الملف، طُلب منها الحضور إلى المدرسة لاستكماله، وهناك طرحت عليها الإدارة لأول مرة الاختيار بين الثانوية العامة والبكالوريا، فاختارت الثانوية التقليدية، وبعدها تفاجأت برد المدرسة، إذ أبلغوها أن اختيارها يعني تحويل ابنتها إلى مدرسة تبعد مسافة 15 كيلومتراً عن منزلها، لأنّ المدرسة الحالية تعتمد نظام البكالوريا فقط. تضيف: "أعادوا إليّ الملف، مع قرار بعدم قبول ابنتي، وأمام هذا الواقع، اضطررت إلى اختيار نظام البكالوريا، رغم عدم اقتناعي الكامل به، وما حدث في رأيي ليس سوى أسلوب تهديد غير مباشر لا يتماشى مع فكرة الاختيار الحر التي تروج لها وزارة التعليم".
بدأت المحامية منى السيد، إجراءات التقديم لابنتها في المدرسة، واختارت نظام الثانوية العامة. لكن بعد أيام، تلقت اتصالاً من المدرسة يطلب منها سحب الملف، ونقل ابنتها إلى مدرسة تقع في منطقة بعيدة، بحجة أن جميع طلاب المدرسة اختاروا نظام البكالوريا، ولم يختر المسار التقليدي سوى ابنتها، ما جعلها ترفض هذا التوجيه باعتبار أنه غير قانوني، وتقدمت بشكاوى رسمية إلى النيابة الإدارية، وهيئة الرقابة الإدارية، ومجلس الوزراء، مؤكدة: "لو اضطررت إلى التوجه إلى القضاء سأفعل، المهم ألّا يضيع مستقبل ابنتي".
واجه فريد عادل موقفاً مشابهاً عند تقديم ملف ابنه للمدرسة، وحين شعر بمحاولة دفعه نحو البكالوريا، واجه مدير المدرسة، مؤكداً رفضه لسحب الملف أو نقل ابنه إلى مدرسة بعيدة، وتصاعد الموقف حتى تدخل مدير الإدارة التعليمية، وتقرر عقد اجتماع عاجل في المدرسة لمناقشة الشكوى، ويؤكد فريد: "لن أقبل أن يُفرض علينا نظام لا نريده، ولو تطلب الأمر فتح فصل خاص للثانوية العامة، فأنا والعديد من أولياء الأمور مستعدون لذلك".
وتتباين آراء الخبراء التربويين بين التأييد المشروط وبعض التحفظات إزاء نظام البكالوريا المصرية الجديد، وكذا لتقييم آليات تطبيقه على أرض الواقع، يؤكد أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، عاصم حجازي، لـ"العربي الجديد"، تبدل موقفه تجاه نظام البكالوريا المصرية بعد أن كان من المعترضين على بعض بنوده، وأبرزها إدراج مادة التربية الدينية ضمن المجموع الكلي، وقدم اقتراحاً بأن تُحتسب درجة النجاح بنسبة 70% من دون إضافتها للمجموع، وهو ما استجابت له الوزارة ضمن سلسلة من التعديلات التي طرأت على النظام. ويشير حجازي إلى أن "البكالوريا أقرت بقانون، ولا يصح الاعتراض عليها إلّا من خلال آليات تشريعية، وعلينا التركيز على الإيجابيات، خاصة تلك التي تتماشى مع ميول الطلاب، وتخفف من الضغوط النفسية المرتبطة بالثانوية العامة، ومن بينها تقليص عدد المواد الدراسية، وتخفيف الأعباء المالية على الأسر، وتعدّد فرص التقييم، إلى جانب إمكانية دراسة أكثر من مسار تخصصي، وهو ما لم تكن توفره الثانوية العامة التقليدية".
وفي ما يتعلق بالجدل حول إلزام أولياء الأمور باختيار البكالوريا، يؤكد حجازي أن "هذا يعد مخالفة صريحة للقانون، ومن حق الأسر اتخاذ الإجراءات القانونية ضده كتجاوز، وأقترح أن تتبنى وزارة التربية والتعليم نظام تقديم إلكتروني حتى يساهم في القضاء نهائياً على هذه الإشكالية".
بدوره، يرى أستاذ المناهج بكلية التربية في جامعة عين شمس، حسن شحاتة، أن نظام البكالوريا المصرية يمثل نقلة نوعية في مسار التعليم الثانوي، وأنه يتيح للطالب القدرة على التفكير والتحليل، ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنّ "النظام الجديد يهدف إلى تجاوز سلبيات الثانوية العامة التقليدية التي رسخت ثقافة الحفظ والتلقين، لصالح نموذج تعليمي يقوم على التفكير النقدي وتعدد المسارات. البكالوريا تتيح للطالب اختيار أحد أربعة مسارات تخصصية منذ بداية المرحلة الثانوية، وهي الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، وقطاع الأعمال، والآداب والفنون، ما يضمن تنوعاً في المحتوى، وفرصاً متعدّدة للتقييم، إلى جانب منح الطالب أربع فرص لتحسين درجاته، وفي حال حصوله على أقل من الحد الأدنى للقبول بنسبة 5%، يمكنه الالتحاق بسنة تمهيدية جامعية تؤهله للانتقال إلى الكلية التي اختارها من دون الحاجة لاجتياز اختبار إضافي".
وحول قيام بعض إدارات المدارس بوضع عراقيل أمام أولياء الأمور لقبول النظام الجديد قسراً، يشدّد شحاتة على أن "النظام اختياري، ويحق لولي الأمر والطالب بعد الشهادة الإعدادية اختياره، أو اختيار الثانوية العامة التقليدية. نحو 70% من أولياء الأمور أبدوا تأييدهم للنظام الجديد، ما دفع إلى إقراره رسمياً، وأي محاولة من مديري المدارس لفرض أحد النظامين تُعد مخالفة قانونية تستوجب المساءلة، ومدير المنطقة التعليمية مسؤول عن ضمان احترام حق أولياء الأمور في الاختيار".
وفي يوليو/تموز الماضي، أعلن وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، إطلاق نظام شهادة البكالوريا المصرية لأن النظام القديم، بحسب وصفه، يشكل عبئاً نفسياً واجتماعياً، بينما النظام الجديد يُقدَّم خياراً لطلاب الصف الثالث الإعدادي بداية من العام الدراسي 2025-2026، ويهدف إلى إعادة هيكلة المرحلة الثانوية عبر ثلاث سنوات، سنة تمهيدية (الصف الأول الثانوي)، تليها سنتان تخصّصيتان (الثاني والثالث الثانوي)، ويختار خلالها الطالب ثلاث مواد تخصصية ضمن أحد المسارات الأربعة المحددة.
وتعتمد منظومة التقييم على امتحانات سنوية تمنح الطالب فرصتين في كل مادة، في شهري مايو ويوليو للصف الثاني، ويونيو وأغسطس للصف الثالث، مع احتساب أعلى درجة حصل عليها الطالب في التنسيق الجامعي. وتسعى وزارة التربية والتعليم للتفاوض مع مؤسسات دولية للاعتراف بشهادة البكالوريا المصرية، في خطوة تهدف إلى تعزيز مكانة النظام الجديد على المستوى العالمي، رغم استمرار الجدل حول آليات تطبيقه داخل المدارس.