البرد يضاعف معاناة اللاجئين السوريّين في لبنان: مرارة البحث عن الدفء

البرد يضاعف معاناة اللاجئين السوريّين في لبنان: مرارة البحث عن التدفئة

بيروت
سارة مطر
17 يناير 2022
+ الخط -

لا يمرّ شتاء على اللاجئين السوريّين في لبنان إلاّ ويُقاسون معه معاناة البرد والصقيع، في ظلّ انعدام المساعدات الإنسانية الملحّة وشبه غياب للمنظمات الدولية المعنيّة.

وفي ظلّ الواقع المعيشي الصعب في البلاد، يلهث العديد من اللاجئين خلف ما تيسّر من حطبٍ وأكوام قشّ وأكياس وكراتين فارغة، ناهيك عن الثياب والأحذية القديمة، لإشعالها درءاً لبرد العواصف القارسة.

فاللاجئون الذين يجدون أنفسهم وأطفالهم منسيّين، ككلّ مرة، يذوقون الأمرّين لتأمين سبل تدفئة، لا تتعدّى في أغلب الأحيان بطانية، وهم الذين أوقدوا أحلامهم بعد سنواتٍ عجافٍ من اللجوء.

علي الرفاعي، الأب لطفلة بعمر 6 سنوات، يسرد الواقع المأساوي لمخيمات اللاجئين السوريّين في عرسال وبعلبك واللبوة وسعدنايل وشتّى مناطق البقاع اللبناني، وتحديداً المخيمات الكائنة في المناطق الجبلية شديدة الارتفاع، حيث العواصف والثلوج وموجات البرد والصقيع".

ويقول لـ"العربي الجديد": "لا يمكن الحديث عن أيّ توزيع لمادة المازوت أو لغيرها من سبل التدفئة، فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دفعت ثمن مادة المازوت لجزء من اللاجئين، في حين تركت الجزء الآخر لمهبّ الرياح والجليد، فكان أن لجأ معظمهم إلى إشعال الثياب والأحذية القديمة، رغم تداعياتها الصحية السلبية، وذلك سعياً منهم إلى تأمين التدفئة لأطفالهم والمرضى وكبار السن".

الصورة
اللاجئون السوريّون في لبنان (العربي الجديد)
واقع صعب يكابده اللاجئون مع موجة البرد والصقيع (العربي الجديد)

علي، المتطوّع في "لجنة الإنقاذ الدولية" والمقيم في مخيم المصطفى في عرسال، يروي كيف "يلهث اللاجئون خلف بقايا الأشجار وعيدان الحطب والأعشاب والقش من أجل تدفئة أولادهم بعد أن اكتست الجبال بالثلوج، وكذا خلف الكراتين الفارغة في المحال التجارية، وكأنّها قطع من الذهب". ويضيف: "هناك من اخترع مدفأة وأشعل فيها الحطب والفحم، ما أدّى إلى احتراق 4 خيم في أحد مخيّمات منطقة البابين في عرسال، منذ نحو 3 أيام".

ويأسف لـ"استمرار فصل الكثير من العائلات السورية عن قائمة المستفيدين من مساعدات مفوضية الأمم المتحدة، علماً أن العائلات السورية، كما اللبنانية، باتت اليوم بمعظمها، أو بأكملها، ضمن شريحة الأكثر حاجة. كما أنّ مساعدة المفوضية لا تتجاوز 300 ألف ليرة لبنانية (12 دولاراً أميركيّاً بحسب سعر الصرف في السوق السوداء) شهريّاً لكل فرد، وهو مبلغ بالكاد يكفي لشراء الخبز، ناهيك عن المواد الغذائية الأساسية والأدوية، فكيف الحال بشراء مادة المازوت؟!".

ويكشف الرفاعي أنّ "المنظمات الدولية والجمعيات الأهلية لم تقدّم، بمعظمها، أيّ مساعدة شتوية، رغم أنّنا أصبحنا في منتصف فصل الشتاء، باستثناء إحدى الجمعيات المحلية التي سلّمت 20 ليتراً من مادة المازوت لكلّ عائلة لاجئة، غير أنّ هذه المساعدة طاولت فقط 5 مخيمات من أصل 166 مخيّماً في عرسال. أضف إلى ذلك معاناة اللاجئين في التجمّعات السكنية، والمحرومين بشكلٍ دائمٍ من المساعدات، بحيث يُنظر إليهم كعائلات مرتاحة ماديّاً، علماً أنّ العديد منهم يبحث عن مجرّد خيمة تؤويه، لعدم قدرته على دفع الإيجار".

الصورة
اللاجئون السوريّون في لبنان (العربي الجديد)
اللاجئون السوريّون في لبنان محرومون من المساعدات (العربي الجديد)

ويشير إلى أنّ "الصوبيات (وسيلة للتدفئة) بمعظمها مهترئة، فقد سُلّمت إلى اللاجئين منذ نحو 8 سنوات، ولم نستلم أيّ جديد بعدها، ما يؤدّي إلى تسرّب المازوت، لذلك يلجأ الكثيرون إلى وضع وعاء تحتها، لتفادي اندلاع أيّ حريق داخل الخيمة". ويتحدّث الرفاعي عن نقص كبير في العوازل والشوادر، فالعوازل لم تُوزّع لغاية اليوم، والشوادر يضطرّ اللاجئون لشرائها، علماً أنّ سعر كل شادر يقارب 250 ألف ليرة لبنانية (10 دولارات أميركيّة بحسب السوق السوداء)، وكل خيمة تحتاج إلى نحو 6 شوادر ونصف لحمايتها من تسرّب المياه لداخلها. أضف إلى ذلك النقص في البطانيات والطبابة والأدوية والفرش، حيث ينام البعض على الأرض كي ينام أطفاله على الفرش".

بلال الحسين: هناك من يستخدم الحطب للتدفئة ويلجأ إلى أوراق الأشجار والبلاستيك وأكوام القش وأكياس النايلون والأحذية القديمة، وإلى إحراق أيّ شيء بغرض التدفئة

من جهته، يصف بلال الحسين، اللاجئ السوري في المنية (محافظة الشمال)، الوضع بـ"السيئ جداً في ظلّ البرد القارس، فهناك من يستخدم الحطب للتدفئة ويلجأ إلى أوراق الأشجار والبلاستيك وأكوام القش وأكياس النايلون والأحذية القديمة، وإلى إحراق أيّ شيء، بغرض التدفئة، رغم الأضرار التي تحدثها هذه المواد على الجهاز التنفسي، ورغم ما تسبّبه من خطر اشتعال حرائق، ذلك بعد أن باتت وسائل التدفئة على الكهرباء والمازوت بعيدة المنال".

بلال الذي فقد عمله، والأب لخمسة أطفال، يحاول قدر الإمكان تأمين الحطب لتدفئة عائلته، ويقول لـ"العربي الجديد": "المساعدة الشتوية التي تقدّمها مفوضية الأمم المتحدة لا تكفي سوى لشراء المازوت، وتؤمّن بالتالي التدفئة لأسبوعين فقط في حال كان الطقس مقبولاً، وأسبوعٍ واحدٍ في حال كان الطقس شديد البرودة. كما أنّ مساعدات المفوضية خجولة جداً، وهي تختلف بين لاجئ وآخر، فهناك من يحصل على مساعدة غذائية أو مالية فقط، وهناك من يحصل على المساعدتين، كما أنّ العديد من اللاجئين يشترون المواد الغذائية الأساسية باعتبارها أولويّة قبل التدفئة". وإذ يتحدّث عن "وجود أكثر من 60 مخيماً في المنية"، يشكو من "فيضان مياه الصرف الصحي في عددٍ من المخيّمات".

الصورة
اللاجئون السوريّون في لبنان (العربي الجديد)
التدفئة حلم بعيد المنال (العربي الجديد)

أمّا كفى الحاج موسى، والدة خمسة أطفال، أصغرهم توأم بعمر 6 سنوات، فتردّد بحسرةٍ: "لا خيار أمامنا سوى البطانيات للتدفئة. أعيش وعائلتي في تجمّع سكني للاجئين الفلسطينيّين في مدينة صور (جنوب البلاد)، منذ نزوحنا من سورية عام 2013، وكنّا نستخدم مدفأة على الغاز، لكن اليوم بات سعر قارورة الغاز خياليّاً، والوضع المعيشي صعب جداً، وأولويّتنا توفير الطعام والشراب لأولادنا. زوجي فقد عمله نتيجة حادث أقعده ثلاث سنوات، واليوم، بعد العلاج الفيزيائي الطويل، يستعيد قدرته على الوقوف والمشي نوعاً ما. كما أنّني بدوري تركت عملي اختصاصيةً في علم النفس مع إحدى المنظمات الدولية، بعد أن خضع ابني (13 سنة) لعملية جراحية في ساقه، دفعتنا إلى استدانة ما قيمته 1500 دولار أميركي، وفق سعر الصرف في السوق السوداء، ثمن الجهاز المطلوب، عدا تكاليف المستشفى التي ساعدت بها المفوضية".

وتضيف لـ"العربي الجديد": "نبّهنا الطبيب إلى ضرورة تأمين التدفئة اللازمة لابني بعد خروجه من المستشفى، لكن وضعنا لا يسمح بذلك، ولسنا من العائلات التي تحصل على مساعدات المفوضية إلا بمبالغ زهيدة، وبالليرة اللبنانية فقط، وليس كما يُشاع أنّنا نقبض بالدولار الأميركي. فلقد حصلنا العام الماضي على مساعدة من منظمة "يونيسف" بقيمة 40 دولاراً أميركيّاً شهريّاً على مدى 4 أشهر، وبعض العائلات على مدى 6 أشهر، وهذه هي المساعدة الوحيدة بالدولار".

وتلفت الحاج موسى إلى أنّ "قرابة 75% من العائلات السورية اللاجئة في أكبر ثلاث مخيّمات في مدينة صور (الشواكير، العزّيّة والقليلة)، يعانون اليوم من غياب أيّ وسيلة تدفئة. وكذلك الوضع مأساوي في مخيّمات مدينة الصرفند (جنوباً). مشيرة إلى أنّها، ومنذ 6 سنوات، تسمع، بحكم عملها، أوجاع اللاجئين وهمومهم، تتمنّى "السلام والفرج لللاجئين واللبنانيّين. فنحن ربّما نشكّل عبئاً على اللبنانيّين، لكن لا ذنب لنا في ذلك، فلسنا نحن من خلق هذا الواقع المزري، إنّما على الدول المعنيّة ومفوضية الأمم التحرك بشكلٍ عاجلٍ لوضع حلولٍ جذريّة".

وفي اتصالٍ لـ"العربي الجديد"، يشير المسؤول الميداني في مركز "وصول" لحقوق الإنسان عيد خضر إلى أنّ "المعاناة تعود بشكل أساسي إلى غياب حلول مستدامة من قبل مفوضية اللاجئين والسلطات اللبنانية، تستهدف تأهيل البنى التحتية ومساكن اللاجئين لتمكينهم من مواجهة العوامل المناخية الصعبة. وقد رصدنا مؤخراً وفاة أربعة أشخاص من عائلة واحدة نتيجة اختناق وتسمّم بسبب إشعال الفحم في منزلهم ليلاً، في بلدة الخرايب جنوبي لبنان".

وإذ يطالب السلطات المحلية بـ"تبنّي سياسة عامة تتوافق مع التزاماتها الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالاستجابة للأزمة الإنسانية الواقعة على أراضيها، وتأمين حياة كريمة وصحية وآمنة لكافة المقيمين في لبنان"، يدعو مفوضية الأمم المتحدة إلى "إطلاق المشاريع الوقائية التي تستهدف المخيمات والتجمّعات السكنية، مبنية على حلول أكثر فاعلية ومستدامة تمكّن مساكن اللاجئين، لا سيّما الخيم القماشية، من تحمّل عوامل الشتاء، كما وتفعيل استجابتها لاحتياجات اللاجئين لتشمل عدداً أكبر من المستفيدين"، مناشداً "المجتمع الدولي والجهات المانحة تكثيف الدعم للمنظمات والجمعيات العاملة في الميدان لزيادة قدرتها وتمكينها من الاستجابة لاحتياجات اللاجئين".

 

ذات صلة

الصورة
مخيمات النازحين السوريين (العربي الجديد)

مجتمع

تتفاقم معاناة النازحين السوريين مع استمرار التساقطات المطرية شمال غرب سورية، في فصل الشتاء الاستثنائي الذي استنزف كل ما لديهم من مواد تدفئة، ومزّق الخيام التي كانت بالكاد صامدة في وجه الرياح.
الصورة
يتميز معبد هيليوس بأنه من المعابد الأيونية النادرة في لبنان (العربي الجديد)

مجتمع

أسفل جبل حرمون أو جبل الشيخ يقع معبد هيليوس الذي يضم آثاراً تروي حكايات تغوص في التاريخ، ويمكن أن تجعله بسهولة - في حال الاهتمام به- معلماً سياحياً بارزاً
الصورة
طرابلس لبنان

سياسة

يظهر بحث "العربي الجديد" عن أسرار اختفاء شبان لبنانيين من مدينة طرابلس والتحاقهم بتنظيم "داعش" في العراق وجود قواسم مشتركة عدة بين عدد منهم، بينها تلقيهم اتصالات تحذيرية وتعرضهم سابقاً للتوقيف.
الصورة
ورث المهنة عن والدته (العربي الجديد)

مجتمع

قبل 56 عاماً، تعلم اللبناني غازي أحمد صناعة كراسي "القش"، ولم يتخلّ عنها حتى اليوم على الرغم من الأزمة الاقتصادية. ولأنه يرفض اندثار المهنة، يحرص على تعليمها لأولاده

المساهمون