الاستعانة بالقُصّر لرعاية المسنين في الصين بين الترحيب والإدانة
استمع إلى الملخص
- برزت إعلانات تطلب أطفالًا للعمل بدوام جزئي لتقديم خدمات الرفقة للمسنّين، ونجحت مؤسسة في شنغهاي في استقطاب ألف شاب، مما ألهم مؤسسات أخرى لإطلاق حملات مماثلة.
- تواجه الصين تحديات في نظام الرعاية الاجتماعية مع توقع ارتفاع عدد المسنّين، وطرحت معايير وطنية إلزامية لتعزيز صناعة الرعاية الذكية وبناء مجتمع صديق للمسنّين.
بات سوق الاستعانة بالقُصّر لرعاية المسنّين يحظى بشعبية متزايدة في الصين، الأمر الذي أثار جدلاً حول افتقار هذا السوق إلى التنظيم والمخاطر القانونية المحتملة، إذ ويُروّج لهذه الخدمات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصّات تداول السلع المستعملة، ويتقاضى الفرد ما بين 200 إلى 500 يوان (28 إلى 70 دولاراً أميركياً)، مقابل مهام تشمل زيارة المستشفيات والتسوّق لشراء البقالة والاحتياجات اليومية.
وفي نهاية عام 2024، تجاوز عدد الصينيين الذين تجاوزوا الستين 310 ملايين شخص، وتُظهر البيانات الرسمية أن أكثر من نصفهم يعيشون بعيداً عن أبنائهم، وفي بعض المدن والمناطق الريفية، تتجاوز هذه النسبة 70%، ما يعزّز الطلب على خدمات الرفقة. ويُلجأ إلى القُصّر بسبب حاجتهم المادية ومرونة حركتهم في تلبية الاحتياجات اليومية لكبار السنّ.
وخلال الأشهر الأخيرة، برزت إعلانات تبحث عن أطفال للعمل بدوام جزئي، أحدها اشترط ألا يتجاوز عمر الطفل 16 سنة، كي يؤنس زوجين مسنّين يقيمان بمفردهما، ويوفّر لهما الخدمات المنزلية، واشترط إعلان آخر أن يكون الطفل على دراية بحجز المواعيد الطبية في العيادات الخارجية.
وقد شجعت كثافة الإعلانات بعض المؤسسات على إطلاق مجموعات إلكترونية لاستقطاب الأطفال والشباب الراغبين في تقديم هذا النوع من الخدمات، لتصبح العملية أكثر تنظيماً. ونجحت مؤسسة في مدينة شنغهاي شرقي الصين باستقطاب ألف شاب، ما دفع الجهات المعنية إلى التواصل معها لتلبية احتياجاتها من العمالة، مقابل الحصول على نسبة من المرتبات، وألهمت الفكرة مؤسسات أخرى بادرت إلى إطلاق حملات مماثلة في مناطق مختلفة.
وتنقسم الآراء بشدة حول هذه الخدمات، إذ يرى المؤيدون أن الاستعانة بالأطفال تُعدّ حلّاً مدفوعاً بسد الثغرات في رعاية المسنين، بينما يحذّر المنتقدون من مُقدّمي الخدمات غير المدرّبين، فضلاً عن فرص الانتهاكات القانونية نظراً لقلة خبرتهم قياساً بأعمارهم، ويطالبون السلطات بالتدخل لوضع قواعد أكثر وضوحاً وسياسات صارمة لتنظيم هذا القطاع.
يعمل وانغ جينغ، الموظف في شركة لصيانة الاتصالات بمدينة شنغهاي، أكثر من 16 ساعة يوميّاً، الأمر الذي يجعله غير قادر على رعاية والده البالغ 72 سنة. ويقول لـ"العربي الجديد": "بسبب ضغط العمل، لجأتُ خلال السنوات الماضية إلى مدبّرات منزل لرعاية والدي، وكان الأمر مكلفاً، لأن قلة منهنّ يقبلن بدوام جزئي، فاضطررتُ إلى التعاقد مع إحداهنّ بدوام كلي كان يستنزف نحو 40% من راتبي الشهري، في حين كان كل ما يحتاجه والدي هو التسوّق اليومي والمراجعة الطبية الأسبوعية".
ويتابع وانغ: "عندما سمعتُ بخدمات الشباب، شعرتُ بأنّها الحل الأمثل، خصوصاً في ما يتعلق بمرافقة والدي إلى العيادات الطبية، كونهم أكثر نشاطاً وحيوية. الأمر لا يستغرق أكثر من ثلاث أو أربع ساعات في اليوم، بتكلفة معقولة، وأعباء أقل، كما أن الشباب أكثر لطفاً، ويتعاملون بمنطق أبوي، ويفعلون ما يطلبه والدي منهم، على عكس مدبّرات المنزل اللاتي يحكمهنّ مزاجهنّ، ويتعاملن بفجاجة، وتجدهنّ أكثر تطلباً وإلحاحاً".
وتقول أستاذة الدراسات الاجتماعية في معهد "غوانغ دونغ"، تانغ لي، إنّ اللجوء إلى القُصّر والشباب في رعاية المسنّين هو انعكاس لأزمة حقيقية في المجتمع الصيني نتيجة نمط الحياة في ظل الانفتاح الاقتصادي، وإيقاع الحياة السريع الذي يُصعّب فرص التواصل الاجتماعي الطبيعي حتى داخل الأسرة الواحدة. وتضيف لـ"العربي الجديد": "هناك حاجة ملحّة لإجراء مراجعة شاملة مع اتّساع الفجوة بين الآباء والأبناء، وتفاقم أزمة الرعاية، وازدياد أعداد المسنّين بصورة تثير القلق".
ويتوقع الخبراء أن يرتفع عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة في الصين 402 مليون بحلول عام 2040، في حين يواجه نظام الرعاية الاجتماعية مشاكل عدّة، إذ يعاني نحو 44 مليوناً من المسنّين من أشكال مختلفة من الإعاقات، ويحتاجون إلى رعاية خاصة. ومن المرجّح أن تزداد الأمور سوءاً في حال عدم اتّخاذ إجراءات سريعة.
ووفقاً للمعايير الوطنية في الصين، يجب تخصيص عامل واحد لكل أربعة مقيمين داخل مَرافق رعاية المسنّين، لكن الأرقام لا تتجاوز 320 ألف عامل رعاية يخدمون نحو 8.1 ملايين مقيم في دُور الرعاية في مختلف أنحاء البلاد، ما يمثل عجزاً يتخطّى 1.7 مليون.
وطرحت الصين في عام 2022 أول مجموعة من المعايير الوطنية الإلزامية لرعاية كبار السنّ، وتوفير المتطلبات الأساسية لجودة الخدمات داخل هذا القطاع. وأصدرت توجيهات إلى الحكومات المحلية بضرورة تعزيز صناعة الرعاية الذكية للمسنّين، وبناء مجتمع صديق لهم، وحثّ الأبناء على توفير الرعاية لكبار السنّ في المنازل لصون حقوقهم ومصالحهم.