الاحتيال العقاري... "شقة دولينا" واسترداد ما يُباع في روسيا
استمع إلى الملخص
- دعا رئيس مجلس النواب الروسي إلى تشريعات لحماية المشترين، وأكد نائب رئيس اتحاد الوسطاء العقاريين على ضرورة تدخل المحكمة العليا لتشديد مكافحة الاحتيال وتقديم نصائح للمشترين.
- تتزايد المطالبات بجعل تسجيل العقارات غير قابل للطعن، وسط مخاوف من ترك الضحايا بلا حماية، مع امتداد الاحتيال إلى مشتريات أخرى مثل السيارات.
قررت المحكمة العليا الروسية إلغاء قرار لمحكمة موسكو يقضي بإبطال عقد بيع شقة فاخرة في وسط العاصمة، وألزمت البائعة، وهي مطربة شهيرة، بإخلاء الشقة في خضم أزمات احتيال عقاري متكررة.
ينشغل الرأي العام الروسي حالياً بقصة طعن المطربة الشهيرة لاريسا دولينا (70 سنة)، عبر القضاء في صفقة بيع شقة فاخرة كانت مملوكة لها في وسط العاصمة موسكو بقيمة 122 مليون روبل (أكثر من مليون ونصف المليون دولار)، والتي أكدت أنها أبرمت صفقة البيع تحت تأثير عملية احتيال، وأنها خسرت ثمن الوحدة العقارية.
وانتهت القضية بتأييد المحكمة موقف المطربة، وردت إليها الشقة من دون أن يجري رد المبلغ المدفوع للمشترية، ومع زيادة الضجة حول القضية، والحديث حول مساسها بحصانة حق الملكية، تلقت المحكمة العليا الروسية في مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، شكوى ضد قرار المحكمة.
وأظهر استطلاع أجراه موقع "لينتا رو" الإخباري، وشارك فيه نحو 32 ألف شخص، أن أكثر من 95% من المستطلعة آراؤهم نددوا بتصرفات دولينا، وباستردادها "شقة لم تعد تمتلكها"، بينما أعرب 5% فقط عن دعمهم موقف المطربة.
وعلى أثر الضجة الإعلامية، عقدت المحكمة العليا الروسية في 16 ديسمبر، جلسة مفتوحة تابعها "أونلاين" أكثر من 100 ألف شخص، وأفضت إلى إلغاء قرارات المحاكم الأخرى ببطلان الصفقة. وفي 25 ديسمبر، أصدرت محكمة موسكو قراراً يلزم دولينا وابنتها وحفيدتها بإخلاء الشقة المبيعة في موعد غايته 13 يناير/كانون الثاني 2026.
ويثير الملف نقاشات ساخنة حول تزايد جرائم الاحتيال على باعة الشقق ومشتريها، والتي باتت مسألة شائكة في المجتمع الروسي، في ظل إقامة آلاف القضايا أمام المحاكم سنوياً بسبب الخلافات المتعلقة بملكية العقارات، علماً بأن الباعة في مثل هذه الصفقات يكونون في أغلب الأحيان من المسنين، ما يوفر برهاناً لصالح حجة افتقارهم الأهلية اللازمة.
ولا يسلم المشترون من أصحاب النوايا الجدية من حوادث الطعن في الصفقات بذرائع مختلفة، ما يعرضهم لخسارة مبالغ طائلة. ودعا رئيس مجلس النواب الروسي (الدوما)، فياتشيسلاف فولودين، اللجان البرلمانية المعنية إلى عدم الوقوف مكتوفي الأيدي على خلفية المشكلات التي يواجهها المشترون.
ويقول نائب رئيس اتحاد الوسطاء العقاريين في روسيا، قسطنطين أبريليف، لـ"العربي الجديد"، إن "حوادث الاحتيال المتكررة خلقت حالة من انعدام الثقة بين باعة العقارات ومشتريها على ضوء الممارسات القضائية المنحازة للباعة التي تتجاهل مصالح المشترين، وهذه الأوضاع استلزمت تدخلاً من أعلى جهة قضائية في البلاد لإحداث تغيير حقيقي ووضع حد للظاهرة".
ويؤكد أبريليف: "أثّرت حوادث الاحتيال المتكررة سلباً في أوضاع سوق العقارات، نظراً لترسخ ممارسات قضائية سلبية إزاء المشترين، ما استدعى تدخل المحكمة العليا، عبر إصدار حكم يحصّن حقوق الملكية، إضافة إلى تشديد إجراءات مكافحة الاحتيال، وتحسين أداء منظومة مراجعة أهلية الباعة عند إتمام الصفقات العقارية".
ويقدم نائب رئيس اتحاد الوسطاء العقاريين مجموعة من النصائح لمن يعتزم شراء العقارات في روسيا، موضحاً: "ينبغي اللجوء إلى وكيل عقاري لإتمام الصفقة بطريقة قانونية تحول دون الطعن فيها، ودراسة تاريخ انتقال ملكية العقار، والتشكيك في أي وحدات معروضة للبيع بأسعار أقل من السائدة في السوق، كما يفضل التأكد أين سيسكن البائع بعد إتمام الصفقة، وكيف سينفق الأموال، وما إذا كان أفراد عائلته يوافقون على صفقة البيع".
بدوره، يقرّ الخبير القانوني، بافيل ماروشاك، بأن تزايد حوادث الاحتيال عند إبرام الصفقات العقارية بات يشكل ظاهرة خطيرة، مرجعاً قرار المحكمة العليا إلى كون الوضع الراهن يتطلب تحركات تشريعية عاجلة من شأنها استحداث آلية تنظم كيفية رد الأموال إلى المشتري في حال قضت المحكمة ببطلان صفقة البيع.
ويقول ماروشاك لـ"العربي الجديد": "مشكلة النصب على مشتري العقارات قائمة منذ فترة طويلة، لكنها ازدادت حدة خلال السنوات الأخيرة، وهناك باعة يتنازلون عن أملاكهم ويتقاضون قيمتها ثم يزعمون أنهم كانوا تحت تأثير المحتالين، ويلجؤون إلى المحاكم من أجل إلغاء الصفقة، وفي أحيان كثيرة يقف القضاة في صفهم، وقد ارتفع عدد هذه القضايا إلى ما لا يقل عن ألفي قضية وفق تقديرات غير رسمية".
وحول رؤيته كيفية تفادي المشترين مثل هذه الوقائع، يوضح: "يمكن مطالبة البائع بتقديم شهادة طبية تفيد بأنه كامل الأهلية، والاتفاق على مهلة بين إتمام الصفقة وقبض البائع الثمن، مع إيداع الأموال طرف بنك وسيط خلال تلك الفترة، كما ينبغي استحداث آليات قانونية من شأنها ربط استرداد الملكية برد الأموال، فقد أصبح كثيرون يتجنبون شراء العقارات من المسنين، أو يفضلون شراء الوحدات التي لها مالكان، إذ من الصعب أن يكون كلاهما غير قادر على تقييم أوضاعه المالية".
وتعالت في روسيا، خلال الفترة الأخيرة، الأصوات المطالبة بجعل ما يجري تسجيله في السجل الحكومي الموحد للعقارات غير قابل للطعن، إثر تزايد عدد حوادث النصب على مشتري العقارات، لكن بافيل ماروشاك يعتبر أن جعل الصفقات غير قابلة للطعن فكرة خاطئة، قائلاً: "هناك صفقات بيع تُبرم تحت التهديد، ومثل هذا التعديل سيترك ضحايا هذه الجرائم بلا حماية".
ونقلت صحيفة إزفيستيا الروسية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عن مصدر أمني قوله إن الحديث لا يجري عن حوادث احتيال فردية، وإنما عن حالات تآمر على الاحتيال، بمشاركة باعة مسنين ووكلاء عقاريين وخبراء قانونيين. وتساءلت الصحيفة عن كيفية تحول "مسنين ساذجين" إلى خبراء في الطعن على صفقات البيع أمام المحاكم عند مطالبتهم باسترداد أملاكهم المباعة؟
ولم تعد جرائم الاحتيال تقتصر على مشتري العقارات، بل باتت تطاول مشتري السيارات أيضاً، إذ شهدت قنوات روسية على تطبيق تليغرام انتشاراً لقصة رجل اشترى سيارة من طراز "فولكسفاغن تيغوان" من امرأة مسنة مقابل 1.8 مليون روبل (أكثر من 20 ألف دولار)، ثم ادعت السيدة أنها كانت تتصرف تحت تأثير المحتالين، ما أدى إلى استعادة السيارة من مالكها الجديد، وسط تأكيد الاتحاد الوطني للسيارات أن مثل هذه الحوادث ليست فردية.