الاحتلال يقتل فرحة رمضان بالبلدة القديمة في الخليل

الاحتلال يقتل فرحة رمضان بالبلدة القديمة في الخليل

08 مايو 2021
الصورة
أحد أسواق البلدة القديمة في الخليل (العربي الجديد)
+ الخط -

لا تشعر الفلسطينية وجدان البايض (53 عاماً)، التي تعيش في قلب حارة تل الرميدة على التلة المقابلة والمباشرة للحرم الإبراهيمي الشريف في البلدة القديمة في الخليل جنوبيّ الضفة الغربية، بالفرح، لا خلال شهر رمضان ولا في غيره، وقد ملّت من اعتداءات المستوطنين المتواصلة وتنكيلهم بها وبأبنائها.
قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي حركة الناس في سوق بلدة الخليل القديمة، بعدما أنهت أي مظاهر للتجمعات والسهرات خلال شهر رمضان، علاوة على الاعتداءات المتكرّرة على أهالي البلدة القديمة في الخليل. وعلى الرغم من ذلك، يجذب شهر رمضان الفلسطينيين لزيارة الخليل القديمة، خصوصاً الحرم الإبراهيمي.
وفي كل عام، يترقب أهالي البلدة القديمة في مدينة الخليل جنوبيّ الضفة الغربية، حلول شهر رمضان، لإعادة إحياء قلب الخليل العتيقة. وتجذب أسواق البلدة التاريخية وأزقتها الحجرية المميزة وألوان البضائع ومأكولات رمضان على جوانب شوارع البلدة وفي بسطات المحال، عشرات الزوار والأهالي من محافظة الخليل. كذلك يدعو الحرم الإبراهيمي المؤمنين للصلاة فيه. 


لا فرح
لم يترك المستوطنون البايض في حالها منذ أكثر من عشرين عاماً. بصوتٍ مُنهك، تقول لـ "العربي الجديد": "لا أشعر بالفرحة أبداً، لا في شهر رمضان ولا في غيره. مللت من اعتداءات المستوطنين وتنكيلهم بي وبأبنائي، وخصوصاً عندما يقصدون عين الماء إلى جوار المنزل ويستحمون فيها". وعادةً ما تُخفف زيارات الأقارب والأصدقاء في المناطق الساخنة أو مناطق التماس على الأهالي آلام اعتداءات المستوطنين وعنصرية جنود الاحتلال في التعامل مع ما يحصل لهم جراءها. لكن أحداً لا يزور البايض. فكيف تفرح أو تشعر بالاختلاف في الأجواء الاجتماعية خلال الشهر الفضيل؟

الصورة
البلدة القديمة في الخليل (العربي الجديد)
(العربي الجديد)

بألم عميق، تقول وجدان: "عائلتي لا تزورني في تل الرميدة، تجنباً لاعتداءات المستوطنين. حتى في العيد، لا أستطيع استقبال عائلتي على غرار أخريات. أشعر بالوحدة، لأن منزلي يقع في منطقة عسكرية مُغلقة. لا أخشى المستوطنين، لكن أحداً لا يسأل عنا في هذه المناطق. خارج تل الرميدة فقط، تتجلى الفرحة بشهر رمضان".
ولدت وجدان في شارع الشهداء المحاذي لتل الرميدة، وفقدت أخويها ربحي وعرفات البايض في مجزرة الحرم عام 1994، وتوفي زوجها تاركاً لها ستة أبناء، تمكنت من تربيتهم وحدها. وأخيراً، حاول المستوطنون إشعال النار على مقربة من منزلها بحجة عيد "الشُّعلة". ولولا تصدي الناشطين لهم، لاشتعلت منازل الفلسطينيين هناك.  

قضايا وناس
التحديثات الحية

ذكريات الخليل القديمة
أمضى مازن سياج (65 عاماً) نحو 40 عاماً في الخليل العتيقة، في حارة القزازين تحديداً، وقد عمل سنوات طويلة مع والده في محل الحلاقة، لكنّه عاد للعمل مع عائلة أُخرى في صناعة وبيع الحلقوم على مقربة من منزل عائلته وأبناء عمومته، قبل أن يغلق الاحتلال المنزل بأمرٍ عسكري قبل سبع سنوات، لكنه يتذكر تفاصيل ذكريات الخليل العتيقة، وخصوصاً خلال شهر رمضان.

الصورة
البلدة القديمة في الخليل (العربي الجديد)
(العربي الجديد)

يقول سياج لـ "العربي الجديد": "كان كبار السن يتجمعون على المصاطب، وهي مقاعد حجرية على الأرضيات، التي كانت أمام الدكاكين غالباً وبعض المنازل في الحارات مثل السواكنة والقزازين، ويتشارك الأهالي إحضار المشروبات وحلوى المهلبية والقطايف". يتابع سياج: "أما نحن الأطفال، فكنا نلعب بالحجارة ونشكل كرة من الجوارب القديمة، ونرمي بها الحجارة المرتَّب بعضها فوق بعض، ونشتري طوابع الدول، وكان هذا قبل أن يأتي المستوطنون". يضحك كثيراً عندما يتذكر طفولته المريحة قرب الحرم الإبراهيمي. 


أسواق حيّة في رمضان
أكثر ما يُنعش قلب عشرات التجار، وغالبيتهم من كبار السن، في سوق الخليل القديمة، وقع خطوات سكان المنطقة الجنوبية في الخليل، أو سكان الحارة التحتا، وهم سكان الحارات القديمة، وأبرزها حارة جابر وغيث والسلايمة وتل إرميدة. وتقع هذه الحارات خلف الحرم الإبراهيمي ومقابله، أي بعد السوق الرئيسي للبلدة القديمة، أو السوق الأول الذي يربط بين الخليل الحديثة والقديمة. ويعودون سيراً على الأقدام إلى منازلهم عبر السوق القديم الأول من جهة مركز المدينة الحضري. أما عن السوق ما بعد الحرم، فقد قتل الاستيطان والاحتلال روحه، فلم يعد هناك سوق للحسبة (الخضار والفاكهة)، وما زالت بعض محال بيع التحف الشرقية تكافح إجراءات الاحتلال ومستوطنيه.

الصورة
البلدة القديمة في الخليل (العربي الجديد)
(العربي الجديد)

ويمتد سوق البلدة القديمة في الخليل من منطقة باب الزاوية التي سميت بهذا الاسم لوجود زاوية دينية في المكان قبل عشرات السنوات، وصولاً إلى شارع الشلالة المُسمى بذلك لكثرة وجود عيون الماء السريعة التدفق، كما الشلال منذ مئات السنوات. وهناك أيضاً حارة القزازين وخُزق الفأر ثم سوق اللحامين وسوق الخواجات وسوق اللبن المغلق ثم سوق السكافية (مصلحو الأحذية)، وتبقى مائة متر للوصول إلى الحرم الإبراهيمي وما يُعرف محلياً بالحارة التحتا. ويضم السوق عشرات المنازل ونحو ألفي محل تجاري ما بين مغلق بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي، و700 محل يقاوم أصحابها كي لا تغلق أبوابها رغم المعاناة.

ويقول المسن سياج لـ"العربي الجديد": "أبدأ يومي في المحل عند الساعة العاشرة صباحاً خلال شهر رمضان، وأُحضّر مكونات الحلقوم مع ابني. وبعد ذلك، نشرع بتنظيف المحل، ثم أجتمع وجيراني من تجار المحال في البلدة القديمة ونتبادل أطراف الحديث، قبل أن نعود إلى العمل. وخلال اليوم، أقصد مسجد القزازين القديم بجوار المحل، وهو أقرب لي للصلاة من الحرم الإبراهيمي".

الصورة
البلدة القديمة في الخليل (العربي الجديد)
(العربي الجديد)

وينتهي سياج من تجهيز الحلقوم وترتيب أنواعه في أطباق قبل العصر، إذ يزيد الإقبال على الشراء ما بعد ساعات العصر وقُبيل حلول موعد الإفطار. ويستغرق خروج الناس من الحرم الإبراهيمي بعد الصلاة نحو الساعة، يمرّون خلالها بعشرات المحال التجارية، ما قد يدفعهم إلى التسوق. ويبقى آخرون في الحرم الإبراهيمي للدعاء وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم والابتهالات، رغم حصرهم عند الحاجز المقام عند بواباته الرئيسية، وحاجز آخر على بعد ثلاثة أمتار يُحدد الداخل له وللبلدة بشكلٍ عام، واستحواذ المستوطنين وسيطرتهم على أكثر من 50 في المائة من مساحة الحرم الداخلية المخصصة للصلاة والخارجية التي أحالها غُلاة المستوطنين في الخليل إلى حدائق ومتنزهات وأماكن للطقوس التلمودية، والتحريض على الفلسطينيين باسم الديانة اليهودية.

المساهمون