الاحترار المناخي يغيّر خريطة الدنمارك وإسكندنافيا.. بعوض استوائي وأمراض جديدة

31 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 15:03 (توقيت القدس)
مشهد من مدينة كوبنهاغن، نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تغير المناخ في شمال أوروبا أدى إلى انتشار أنواع جديدة من الحشرات مثل "اليرقة الجهنمية"، مما يزيد من خطر الأمراض المدارية.
- بعوضة النمر الآسيوية انتشرت من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا، قادرة على نقل أمراض مثل حمى الضنك وزيكا، مما يهدد شمال أوروبا.
- توسع أنواع القراد مثل قراد المروج يعكس تراجع الحدود المناخية، مما يفرض تحديات صحية جديدة في شمال أوروبا، ويستدعي تعزيز المراقبة والإنذار المبكر.

لم تعد آثار تغير المناخ في شمال أوروبا تقتصر على ذوبان الجليد أو ارتفاع درجات الحرارة، بقدر ما بدأت تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، من الطبيعة إلى صحة الإنسان والحيوان. ففي الدنمارك وإسكندنافيا، كان المناخ البارد يشكل لعقود حاجزاً طبيعياً أمام كثير من الحشرات الناقلة للأمراض، لكن هذا الحاجز يتراجع تدريجياً مع الاحترار، ما يفتح الطريق أمام أنواع جديدة من البعوض والقراد.

وبعد الجدل الذي أثاره هذا الصيف انتشار "اليرقة الجهنمية"، المعروفة أيضاً بدودة البلوط، التي سبَّبت إصابةَ أشخاصٍ في الدنمارك بحالات حكة وطفح جلدي، يحذر العلماء من أن الخطر تجاوز الحشرات المزعجة إلى أنواع قد تحمل أمراضاً ارتبطت تاريخياً بالمناطق المدارية. ونقل التلفزيون الدنماركي، اليوم الجمعة، عن الباحث الأول في قسم العلوم البيطرية والحيوانية بجامعة كوبنهاغن، رينيه بودكر، قوله إن ارتفاع درجات الحرارة جعل شمال أوروبا أكثر ملاءمة لبقاء هذه الأنواع، بعدما كانت البرودة تمنع استقرارها.

ويوضح الباحث أن شمال أوروبا ينتقل تدريجياً من بيئة لم تكن تعرف هذه الأمراض إلى واقع قد يشهد ظهورها للمرة الأولى. ويشير بودكر إلى أن العديد من هذه الأنواع استقر بالفعل في ألمانيا، ما يجعل وصولها إلى الدنمارك مسألة وقت أكثر منه احتمالاً مستبعداً. ويضيف أن بعض الأنواع قد يستغرق انتشارها سنوات أو حتى عقوداً، في حين قد يصل بعضها الآخر خلال فترة وجيزة، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وطول مواسم الدفء.

بعوضة النمر.. ضيف يحمل أمراضاً مدارية

تُعد بعوضة النمر الآسيوية (Aedes albopictus)، أو الزاعجة المرقطة، أكثر الأنواع إثارةً لقلق العلماء. فمنذ انتقالها من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي، واصلت انتشارها شمالاً حتى استقرت في أجزاء واسعة من ألمانيا، بعدما كان يُعتقد أن برودة المناخ ستمنع وصولها.

ويقول الباحث رينيه بودكر إن توقعاته السابقة لم تعد صالحة، بعدما أثبت الاحترار المناخي قدرة هذه البعوضة على التوسع بوتيرة أسرع من المتوقع. ولا تكمن خطورتها في لدغاتها المزعجة فحسب، بل في نقلها أمراضاً مثل حمى الضنك وشيكونغونيا وزيكا، إضافة إلى نشاطها نهاراً، خلافاً لمعظم البعوض المحلي.

حمى الضنك... خطر بانتظار الناقل

ويؤكد كبير الأطباء في معهد الأبحاث "ستاتنز سيروم" الدنماركي، لاسه فيسترغارد، أن حمى الضنك ليست متوطنة في الدنمارك حتى الآن، لعدم استقرار البعوضة الناقلة، إلا أن الاحترار المناخي يزيد احتمال حدوث ذلك مستقبلاً، بحسب ما نقل عنه التلفزيون الدنماركي صباح اليوم. وتصيب حمى الضنك ما بين 100 و400 مليون شخص سنوياً حول العالم، وفق منظمة الصحة العالمية، وغالباً ما تكون أعراضها خفيفة، لكنها قد تتطور في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة، خاصة لدى من سبق لهم الإصابة بها.

فيروس غرب النيل.. الأقرب إلى الدنمارك

أما التهديد الأكثر إلحاحاً، فهو فيروس غرب النيل، الذي وصل إلى شمال ألمانيا وسُجلت إصابات به بين الخيول في الدنمارك. ويجمع فريق رينيه بودكر حالياً عينات من البعوض لرصد الفيروس، الذي ينتقل بين الطيور بواسطة البعوض وقد يصيب البشر والخيول. ورغم أن معظم الإصابات تمر من دون مضاعفات، قد يسبب الفيروس التهاباً خطيراً في الدماغ لدى نسبة محدودة، ولا سيما بين كبار السن وضعيفي المناعة.

القراد يتحرك شمالاً

ولا تقتصر تداعيات الاحترار المناخي على البعوض، بل تشمل أيضاً أنواعاً جديدة من القراد، تتوسع تدريجياً نحو شمال أوروبا. ومن أبرزها قراد المروج، الذي انتشر في أجزاء واسعة من ألمانيا وسُجلت له مشاهدات متفرقة في الدنمارك. ورغم أن الأمراض التي ينقلها إلى الإنسان غالباً ما تكون محدودة الخطورة، يشكل تهديداً كبيراً للكلاب، إذ ينقل طفيلياً يسبب "الملاريا الكلبية"، وهو مرض قد يكون قاتلاً إذا لم يُعالج سريعاً. ويشير رينيه بودكر إلى أن نحو نصف الكلاب التي تعرضت للدغات القراد في برلين كانت مصابة بقراد المروج، في مؤشر على سرعة انتشاره.

حدود مناخية تتلاشى

ويرى الباحثون في الدنمارك أن القضية لا تقتصر على وصول حشرات جديدة، بل تعكس تراجع الحدود المناخية التي كانت تحمي شمال أوروبا من كثير من الأمراض المدارية. فمع ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الدفء، تزداد قدرة البعوض والقراد على الاستقرار والانتشار، بينما تجد الفيروسات والطفيليات بيئة أكثر ملاءمة لإكمال دورة حياتها.

وتشير دراسات أوروبية صدرت صيف العام الماضي، إلى أن هذه التحولات تمتد إلى السويد والنرويج وفنلندا، ما يدفع السلطات إلى تعزيز المراقبة والإنذار المبكر. كما أكدت ذلك الوكالة الأوروبية للبيئة والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها في يونيو/حزيران الماضي.

وهكذا لم يعد الاحترار المناخي يُقاس في إسكندنافيا بارتفاع درجات الحرارة وحده، بل أيضاً بالحشرات التي تعبر حدودها الطبيعية وبالأمراض التي تحملها، في مؤشر على أن تغير المناخ يعيد رسم الخريطة البيولوجية للقارة ويضع شمال أوروبا أمام تحديات صحية لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة.