استمع إلى الملخص
- واجه النازحون صعوبات في حماية أنفسهم من البرد والمطر، حيث استخدموا أكياس النايلون لسد الثقوب في الخيام، وانتشرت الأمراض بين الأطفال والمرضى وكبار السن.
- تدهورت الحالة النفسية للنازحين بسبب العجز والخوف من فقدان المأوى، وزادت الأمطار والسيول من معاناتهم اليومية في ظل غياب البنية التحتية.
أكثر من ربع مليون عائلة نازحة وجدت نفسها أمام كارثة لا يمكن وصفها
يجتهد الأهالي في سدّ الثقوب بأكياس النايلون أو قطع قماش
لم يُغرق منخفض بيرون الخيام فقط، بل أغرق قلوب الناس بقلق جديد
تحوّلت مساحات واسعة من مخيمات النزوح المنظمة والعشوائية في قطاع غزة إلى برك مياه وأوحال طينية من جراء منخفض بيرون العميق الذي يضرب المنطقة، بعد أن تدفقت المياه داخل الخيام التي لم تستطع مقاومة شدة الأمطار وغزارتها، فوجدت آلاف العائلات نفسها محاصرة بالماء والبرد والظلام.
أكثر من ربع مليون عائلة نازحة وجدت نفسها أمام كارثة يصعب وصفها. في الليل، كان صراخ الأطفال يمتزج بصفير الرياح التي تخترق أطراف الخيام، بينما يجتهد الأهالي في سدّ الثقوب بأكياس النايلون أو قطع قماش مبلّلة فقدت قدرتها على توفير أي حماية. اضطر بعض النازحين إلى حمل فراشهم فوق رؤوسهم في محاولة لإنقاذه من الغرق، بينما قضى آخرون ليلتهم واقفين بعدما تحولت الأرض إلى مستنقع لا يصلح للجلوس. أمّا المرضى وكبار السن، فكان البرد يشكّل خطراً مضاعفاً عليهم، في وقت انتشرت فيه أعراض الالتهابات الصدرية والحساسية بين الأطفال، وفق مشاهدات "العربي الجديد".
المشهد هذه المرة كان أشد قسوة، حيث تداعت الخيام، وانكسرت الأخشاب التي تحملها بفعل الرياح العاتية، وانهارت أجزاء منها فوق العائلات النائمة، فيما تحولت الطرقات داخل المخيمات إلى سيول عزلت الناس عن الماء الصالح للشرب، وعن نقاط توزيع الطعام والمساعدات التي لم تتمكن من الوصول بسهولة.
الفلسطيني محمد الخواجة كان يكافح من أجل تحويل مسارات تدفق المياه عن خيمته الغارقة، يقول لـ"العربي الجديد": "لم أعد أعرف أين أضع قدمي. في أول ليلة هطول المطر، اجتاحت المياه المكان كما لو كانت سيلاً جارفاً، ولم أتمكن من سد أي فتحة بسبب الأمطار الغزيرة والرياح القوية. جمعت أبنائي الخمسة في أحد أطراف الخيمة، لكن كل شيء غرق".
ويضيف الخواجة وهو يمسح الطين عن يديه: "أصعب لحظة كانت عندما رأيت ابني الصغير يرتجف من البرد من دون وجود أي شيء جاف، حتى النار لم أتمكن من إشعالها لمنحه بعض الدفء (..) لم أتمكن من النوم دقيقة واحدة خوفاً على عائلتي، المنخفض وما رافقه من تحذيرات جعلانا نعيش الخوف مجدداً".
ولم تقتصر الكارثة على الخسائر المادية، بل انعكست على الحالة النفسية للنازحين الذين يعيشون أصلاً في أقصى درجات الضغط والخوف، شعور العجز أمام المطر وحده كان مؤلماً، إلا أنه امتزج هذه المرة بالخوف أمام المطر الغزير القادر على اقتلاع ما تبقّى لهم من مأوى. النازح عاهد أبو ريالة (38 عاما) كان يقف فوق كتلة من الطين يحاول ترتيب ما تبقى من خشب خيمته المكسور، يروي لـ"العربي الجديد" تفاصيل الليلة التي غمرت فيها الأمطار خيمته قائلاً: "منذ أن رأيت الغيوم السوداء، أدركت أن الوضع غير طبيعي، لكنني لم أتوقع أن تهطل الأمطار وكأن البحر انقلب فوق رؤوسنا".
ويتابع وهو يزيح الماء من داخل الخيمة: "صرخت على زوجتي للخروج من الخيمة التي أغرقتها السيول، لكن الوضع في الخارج كان أسوأ، حيث الطين والوحل والرياح القوية والسيول الممزوجة بمياه الصرف الصحي". ويضيف لـ"العربي الجديد": "عندما رأيت مشهد الخيمة صباحاً، شعرت أنني عدت إلى نقطة الصفر مجدداً، لا فراش، لا ملابس جافة، ولا حتى مكان أجلس فيه، لكن لا خيار أمامي سوى معاودة ترميم الخيمة وترقيع أطرافها البالية".
ويوضح أبو ريالة أن ترميم الخيمة لا يمكنه الصمود في وجه التغيرات الجوية القاسية، مبيناً أنه لم يستلم خيمة من الخيام الجديدة التي تُوزَّع خلال الفترة الحالية، ويقول بحسرة: "إننا نسمع عن تلك المساعدات ولا نراها".
وأفاد كثير من الآباء بأنهم لم يشاهدوا أبناءهم يرتجفون بهذا الشكل من قبل، فيما قضت العديد من الأمهات الليل في محاولة لتجفيف ملابس أطفالهن من دون جدوى، إذ كان الهواء نفسه مشبعاً بالرطوبة والبرد.
كانت النازحة حلا المتربيعي (16 عاماً) تقف خائفة بجوار خيمة عائلتها التي فقدت جانبها الأمامي تماماً بفعل الرياح، وتقول بخجل لكنها تحاول التماسك: "أول مرة في حياتي أحس بالخوف من المطر، كنا نحب الشتاء وننتظر رائحة التراب، لكن في ظل هذه الأوضاع، بات مرعباً، دخلت المياه علينا كالشلال، وأنا وأخواتي كنا نمسك أطراف الخيمة بأيدينا حتى لا تطير". وتتابع بصوت متعب: "لم أتمكن من النوم دقيقة واحدة بسبب المطر والمياه والبرد وصوت الرياح القوية، حتى ملابسنا ودفاترنا، التي نحاول من خلالها مواجهة تعطل الدراسة، تبللت، بكيت كثيرا على دفاتري، ربما لأنها آخر ما يذكرني بأنني ما زلت طالبة".
ولم يُغرق منخفض بيرون الخيام فقط، بل أغرق قلوب الناس بقلق جديد، وزاد من المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون منذ شهور طويلة بلا كهرباء ولا مياه ولا بنية تحتية، وكلما هدأت الأمطار قليلاً، كان الجميع يخرج لتفقد خسائره، متمنين أن تكون الليلة القادمة أرحم، رغم معرفتهم أن السماء ما زالت محمّلة بالغيم. ولم يعد الناس في قطاع غزة المثقل بالأزمات والهموم والمشاكل المتلاحقة والمتفاقمة يوماً بعد آخر يبحثون عن الدفء، بل عن بقعة جافة يضعون عليها أطفالهم بعيداً عن الطين الذي غمر الأرض وأغطيتهم وأمتعتهم البسيطة.