الأزواج العاملون بلا أطفال... أزمة ديمغرافية في الصين؟

18 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:39 (توقيت القدس)
تجارب معقدة للأزواج العاملين بلا أطفال في الصين، مارس 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- بدأت ظاهرة العزوف عن الإنجاب في الصين في الثمانينيات مع سياسة الإصلاح والانفتاح، حيث أصبح الأزواج العاملون بلا أطفال نموذجًا شائعًا، خاصة بين الأسر ذات الدخل المزدوج والمستوى التعليمي العالي، ومن المتوقع أن يصل عدد هذه الأسر إلى 21 مليونًا بحلول عام 2025.

- يواجه الأزواج العاملون بلا أطفال تحديات تتعلق بالرعاية في الشيخوخة، كما تعبر لي دينغ عن مخاوفها من التخلي عن الوظيفة والعودة إلى الحياة الأسرية التقليدية، مما يعكس القلق من فقدان الدعم العائلي في المستقبل.

- يشير أستاذ الدراسات الديمغرافية يو لونغ إلى أن العزوف عن الإنجاب يعود لأسباب مالية ومهنية، مع تزايد الظاهرة في المناطق المتقدمة اقتصاديًا، مما يدفع الشباب للاعتماد على الرعاية المدفوعة أو المؤسسات، وتلجأ بعض النساء إلى تجميد البويضات كضمان مستقبلي.

قبل أكثر من أربعة عقود، ظهر في الصين الجيل الأول من الأزواج العاملين بلا أطفال. وبعدما تقدموا في السن، يواجهون حالياً سؤال كيف تبدو الشيخوخة بلا أطفال يمكن الاعتماد عليهم؟

أصبح العزوف عن الإنجاب، الذي كان يُعدّ في السابق خياراً يخالف الطبيعة والتقاليد الاجتماعية، ظاهرة شائعة في الصين، خصوصاً بين الأسر ذات الدخل المزدوج. بدأت هذه الظاهرة في ثمانينيات القرن الماضي بعدما اتبعت البلاد سياسة الإصلاح والانفتاح التي أحدثت طفرة اقتصادية. وأشار هذا التوجه إلى نموذج أسري يتمتع فيه كلا الزوجين بدخل ولم ينجبا أطفالاً، وقد لاقى رواجاً كبيراً بين الأسر ذات المستوى التعليمي العالي والدخل المرتفع. لكن بعد مرور أكثر من أربعة عقود دخلت الدفعة الأولى من ذوي الدخل المزدوج الذين لم ينجبوا أطفالاً مرحلة منتصف العمر والشيخوخة، ويعيش بعض الأزواج بهدوء واتزان ويتمسكون بنياتهم الأصلية، بينما يندم آخرون على قرارهم.

تشير دراسات صينية حديثة إلى أنه بحلول عام 2025 تجاوز عدد الأسر ذات الدخل المزدوج من دون أطفال 21 مليوناً، بزيادة 67% مقارنة بعام 2020، بينما بلغ إجمالي عدد الأزواج المتزوجين من دون أطفال 188 مليوناً، ما يمثل نحو 38% من إجمالي الأسر، علماً أن هذه الفئة الواسعة لا تقتصر على الأزواج الذين لا ينجبون أطفالاً، بل تشمل أيضاً الأسر التي لا تنجب أطفالاً مؤقتاً أو غير القادرة على الإنجاب لأسباب صحية، ومن غيّرت رأيها في منتصف الطريق، ومن اختارت تربية الحيوانات الأليفة بدلاً من الأطفال. ويتركز هذا العدد بشكل خاص في المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين وشينزن. ومع ازدياد عدد الصينيين الذين يختارون المسار نفسه تُقدّم تجاربهم لمحة مبكرة عمّا قد يتطلبه مستقبل خالٍ من الأطفال.

الصورة
عوامل عدة زادت عدد الأزواج العاملين بلا أطفال، مايو 2026 (Getty)
عوامل عدة زادت عدد الأزواج العاملين بلا أطفال، مايو 2026 (Getty)

مخاوف الإنجاب

لعلّ السؤال الأكثر شيوعاً الذي يُطرح على الأزواج العاملين من دون أطفال هو كيفية تخطيطهم للحصول على الرعاية في شيخوختهم. لي دينغ، محاضرة في جامعة شينزن كان التعليم شغفها الأول لذا قررت أن تتفرغ تماماً للدراسة من أجل الحصول على درجة الامتياز، ما أهّلها للالتحاق بسلك التدريس، ما أثرّ على حياتها العاطفية. تقول لـ"العربي الجديد": "عندما وقعت في حب زميل لي بالجامعة صارحته بعدم رغبتي في الإنجاب، فوافق في بداية العلاقة، لكن عندما عرفت عائلته بذلك، مارست ضغوطاً كي لا نتزوج، وانفصلنا بعد وقت قصير. وبعد التخرج والحصول على فرصة للعمل في الجامعة، قررت عدم الارتباط إلا بشرط القبول بعدم الإنجاب، ومع ذلك لم أسعَ إلى الزواج بسبب انشغالي بالتدريس. بالنسبة إليّ كان الزواج والحمل والولادة تعني على الأرجح التخلي عن الوظيفة، والعودة إلى روتين الحياة الأسرية، وقبول الهيمنة الذكورية، وخلق ذلك لدي خوفاً وتردداً استمرا عدة سنوات. أيضاً كانت لديّ شخصياً مخاوف مضاعفة خاصة بتحمل مسؤولية تربية الأطفال في سن مبكرة قبل أن أحقق أحلامي في العمل والحياة الاجتماعية".

وعن خططها الحالية، تقول لي إنها تعايشت مع الأمر الواقع، وأصبحت فكرة الارتباط، وهي تقترب من عقدها الرابع، بعيدة جداً، وتشير إلى أنها قبل ثلاثة أعوام قررت اقتناء كلب في المنزل، وتشعر الآن بأنه أحد أفراد أسرتها. ينتظرها كل يوم بعد عودتها من الجامعة، وتقضي معه أوقاتاً سعيدة وتصطحبه معها في جولاتها الخارجية ولقاءاتها مع أصدقاء مقربين.

تضاؤل الأسرة

يتحدث أستاذ الدراسات الديمغرافية في معهد تشانغ، يو لونغ، لـ"العربي الجديد"، عن أن "معظم الناس يختارون عدم الإنجاب لأسباب منطقية تشمل في شكل أساسي الأعباء المالية الثقيلة، ونقص خدمات رعاية الأطفال، وتزايد مخاوف النساء بشأن تطورهن المهني. أما الرجال فيواجهون عقبات عملية أقل نسبياً في اختيارهم عدم الإنجاب. وفي السنوات الأخيرة زاد انتشار الظاهرة لثلاثة عوامل رئيسية هي الوضع الاقتصادي للأسرة، والنشاط الشخصي، والتطور المهني خصوصاً في المناطق المتقدمة اقتصادياً". يضيف: "غالباً ما يكون لدى الأزواج الأكبر سناً أشقاء وأبناء إخوة وأخوات وأقارب آخرون يمكنهم التدخل في حالات الطوارئ. أما الشباب الأصغر سناً الذين لا ينجبون أطفالاً، والذين تأثروا بسياسة الطفل الواحد وانخفاض معدلات المواليد، فقد يكون لديهم عدد أقل بكثير من هؤلاء حولهم. وبمجرد وفاة والديهم، قد تتقلص شبكة العائلة بسرعة. ومع تضاؤل هذه الروابط سيتعين على المزيد من الناس الاعتماد على المؤسسات أو الرعاية المدفوعة أو أي ترتيبات شخصية".

ويذكر أيضاً أنه "مقارنة بالشباب، يحتاج الأشخاص في منتصف العمر الذين يختارون ترك نمط حياة الدخل المزدوج من دون أطفال، إلى مزيد من الشجاعة والمال، بما في ذلك تقنيات الإنجاب المساعدة والزيادة المفاجئة في نفقات رعاية الأطفال، فبعد سن الأربعين تنخفض نسبة نجاح مثل هذه العمليات بشكل كبير، بغض النظر عن الطريقة المستخدمة". ويلفت إلى أن "بعض النساء اللواتي يخترن عدم الإنجاب يلجأن إلى تجميد بويضاتهن كنوع من الضمان. إلا أن إنجاب الأطفال، خاصة للنساء العازبات، يتعارض مع القانون الصيني الحالي، ولا تزال التكلفة الباهظة ونسبة نجاح تجميد البويضات بوصفها تأميناً للمستقبل، موضع نقاش، إذ يُشبه الأمر تذكرة يانصيب باهظة الثمن، لما ينطوي عليه من مسائل قانونية وأخلاقية عديدة".