الأجنّة المجمّدة... حلم الإنجاب الذي أحرقه الاحتلال في غزة
استمع إلى الملخص
- الأجنّة المجمدة كانت أملًا للأزواج الذين يعانون من مشاكل الخصوبة، مثل باسل عبد الرحمن وزوجته، الذين فقدوا الأمل بعد تدمير الأجنّة، مما دفعهم للتفكير في السفر لإجراء محاولات جديدة.
- أكد بهاء الغلاييني، مؤسس مركز "البسمة"، أن الهجمات استهدفت مختبر الأجنّة مباشرة، مما يهدد مستقبل تقنية الإخصاب في غزة.
وصل الإجرام الإسرائيلي إلى درجة استهداف الأجنّة المجمدة وتدمير المراكز السبعة للإخصاب وأطفال الأنابيب في غزة، ما يحرم آلاف العائلات حلم إنجاب طفل، فضلاً عن الخسائر الجسيمة.
لم تسلم الأجنّة المجمّدة في حافظات داخل مختبر "مركز البسمة للإخصاب وأطفال الأنابيب" في مدينة غزة من الاستهداف الإسرائيلي، إذ تعرّض المركز الواقع في شارع الجلاء إلى سقوط قذيفتين مباشرتين أطلقتهما مدفعية الاحتلال، سقطت إحداها في مختبر الأجنّة، وأخرى في قسم المحاسبة، وخلفت إحداها إحراق خمسة آلاف بويضة.
وطاول الاستهداف الإسرائيلي جميع مراكز الإخصاب وأطفال الأنابيب البالغ عددها سبعة في قطاع غزة، ما أدى إلى توقف هذه الخدمة كلياً، وحرمان آلاف العائلات من حلم إنجاب طفل، أو علاج مشكلات العقم.
بعد ثلاث عمليات أطفال أنابيب في مركز "البسمة"، كانت الأجنّة المجمّدة أكثر ما يمنح الأمل للفلسطيني باسل عبد الرحمن وزوجته علياء، واللذان كانا ينتظران أن يُرزقا بطفل ينير حياتهما بعد 18 عاماً من الزواج. في المحاولة الأولى، وبعد شهرين من التحاليل والعلاج والفحوص، تكللت عملية أطفال الأنابيب بالنجاح، وحملت زوجته، لكنها أجهضت في الشهر السادس. بعد فترة خضعت علياء لعملية جديدة اعتمدت تقنية الأجنّة المجمّدة، لكنها أجهضت بعد شهرين من الحمل، وتكررت الحال مع المحاولة الثالثة بالأجنّة المجمّدة، إذ أجهضت الزوجة في بداية الحرب الإسرائيلية على غزة.
ورغم عدم نجاح العمليات الثلاث، كانت الأجنّة المجمّدة بارقة أمل للزوجين، توفّر عليهما إجراء الكثير من الفحوص والتحاليل والانتظار، كما تخفّض تكاليف عملية الإخصاب المُرهقة، فبدلاً من دفع نحو ثلاثة آلاف دولار أميركي لإجراء العملية، يدفعان نحو 500 دولار في حال وجود أجنّة مجمّدة.
يندّد أهالي غزة باستهداف جيش الاحتلال الأجنّة المجمّدة والنطف، وكشفت تحقيقات دولية أن الاحتلال تعمد استهداف مراكز الإخصاب
يقول عبد الرحمن لـ"العربي الجديد": "كنا نخطط لاستخراج الأجنّة المجمّدة لإجراء المحاولة الرابعة، كان لدينا أمل كبير في أن نُرزق بطفل، لكن قصف المختبر شكل صدمة قاسية. لا نعرف كيف يُعقل أن يتمّ استهداف نُطَف وأجنّة مجمّدة. العقل لا يستطيع تفسير هذه الفاشية، والإجرام الذي وصل إليه الاحتلال. ولم يعد أمامنا سوى السفر من أجل إتمام المحاولة الرابعة".
رُزق الفلسطيني زكي بشير بذكرين صارا بعمر ثلاث سنوات ونصف السنة، بعد أن تكللت عملية أطفال الأنابيب بالنجاح، كما قام بتجميد أجنّة داخل مختبر مركز "البسمة"، غير أن القصف أنهى حلمه في زيادة عدد أفراد الأسرة. ويُخبر "العربي الجديد" أن العملية لم تكن سهلة، إذ خضعت زوجته لفحوص كثيرة، سبقتها مرحلة تحضيرية استمرت 60 يوماً، كانت تتلقى خلالها الحقن المثبّتة للحمل بشكل دوري.
ويقول: "كنا نتكبد كلفة 100 دولار لكل حقنة، فضلاً عمّا تبع ذلك من كلفة العملية والتي فاقت ألفَي دولار، إلى جانب اتّباع نظام علاجي طيلة فترة الحمل. وقد قمتُ بتجميد الأجنّة كي لا نكرّر تلك الإجراءات المُرهقة، خصوصاً أن جسد زوجتي لن يحتمل كل تلك الحقن التي ما زالت آثارها حتى اليوم. عندما جمّدنا الأجنّة، كنا ندفع مبلغاً سنوياً من أجل حفظها يُقدّر بنحو 184 دولاراً، وكنت أنتظر انتهاء الحرب كي نجري عملية زرع الأجنّة، لكن قصف المركز هدم الحلم، وانهارت زوجتي لحظة سماع الخبر، فهي لا تريد العودة إلى مرحلة الصفر والحقن التي أتعبت جسدها".
وسبق أن عانت الحوامل بواسطة عملية أطفال الأنابيب صعوبات الحصول على الحقن المثبّتة للحمل، فضلاً عن ارتفاع ثمنها. ومن هؤلاء نورا أبو القمبز، والتي أجرت عملية الزرع بعد خمسة أعوام من الزواج وعدم جدوى العلاج، وبعد فترة من التحاليل والفحوص، تكللت عملية الزرع بالنجاح، واستمر الحمل حتى الشهر السابع، وحينها أصيبت بعوارض ولادة مبكّرة، فقصدت المستشفى، لكنها فقدت حملها.
ويقول زوجها لـ"العربي الجديد": "فقدنا الجنين الأول في المنزل، والثاني وُلد حيّاً لكنه فارق الحياة. عانت زوجتي خلال الحرب سوء التغذية، وانعدام الفحوص، والنزوح وذعر القصف، والمشي مسافات طويلة، وقلة الأدوية التي تضاعف سعرها والتي كنا نجتاز المسافات للحصول عليها، ما أثّر بشكل كبير على حملها".
كانت الأجنّة المجمّدة الفرصة الثانية التي فقدها الزوجان بعد القصف الإسرائيلي، كون الزوج يعاني مشكلة خصوبة، ويضيف: "نصحني الأطباء بتجميد الأجنّة، كي أحظى بفرصة إنجاب، غير أن الدمار الذي لحق بالمراكز المتخصصة وضعني أمام هاجس تفاقم حالتي الصحية قبل أن أتمكن من السفر".
بدوره، يقول مؤسس ومدير مركز "البسمة"، بهاء الغلاييني، إن مركزه كان الوحيد الذي يوفّر تقنية تجميد الأجنّة لكل المراكز العاملة في قطاع غزة، وكان يضم عدداً كبيراً من الأجنّة، نحو أربعة آلاف من البويضات المخصبة، فضلاً عن النُّطف غير المخصبة، وعددها يتجاوز الألف.
ويوضح الغلاييني لـ"العربي الجديد" أن "هذه الأجنّة والعيّنات كانت محفوظة في (بنك الأجنّة) داخل المركز، بواسطة نيتروجين سائل بدرجة حرارة 180 درجة مئوية تحت الصفر. وهذا السائل يتسرب كل فترة ويحتاج إلى إعادة تعبئة أو زيادة الكمية الناقصة. خلال الشهر الأول من الحرب، وبعد نقص النيتروجين السائل وقرب نفاده، جمعنا الأجنّة في حافظة واحدة، لكن أثناء عملية النقل فُقدت بعض الأجنّة لعدم وجود نيتروجين كافٍ، والذي يتم استيراده عادةً، وبعد أن علمنا بوجود كمية نيتروجين سائل في مخيم النصيرات وسط القطاع، طلبنا من قوات الاحتلال عبر مؤسسة دولية، السماح بنقل النيتروجين لإنقاذ الأجنّة، إلا أنها رفضت الطلب ولم تسمح لنا بالوصول إلى النيتروجين".
ويبيّن الغلاييني أن "قذيفة إسرائيلية أصابت مختبر الأجنّة بشكل مباشر، وأدّت بعد انفجارها إلى تطاير الأغطية عن الحافظات، ومن ثم تسرب النيتروجين السائل واحتراق كلّ الأجنّة. هذه الأجنّة كانت تمثل لأصحابها رحلة العمر، فهي خلاصة علاجات وعمليات جراحية ومعاناة، وزيارات عيادية متكررة استغرقت من عمر أصحابها سنوات سعياً خلف جنين واحد يجري تجميده على أن يتمّ نقله إلى رحم الزوجة، غير أن الاستهداف مسح كل تلك السنوات، وأطاح حلم الحصول على جنين".
ويشدد على أن "المصيبة أكبر عندما تكون فرصة الزوج والزوجة بالإنجاب معدومة من جراء مشاكل في الخصوبة، وتحقيقات لجان دولية خلصت إلى أن قوات الاحتلال تعمّدت استهداف المركز، وقد عزّز النتائج سقوط القذيفة مباشرة على المختبر، ومنع إدخال النيتروجين لإنقاذ الأجنّة".
وبشأن تداعيات الاستهداف الإسرائيلي على مستقبل هذه التقنية الجراحية، يشير الغلاييني إلى أن "آلاف الأسر التي ترغب في الإنجاب، ولا يمكنها ذلك إلا عن طريق عملية إخصاب خارج الجسم، لم يعد باستطاعتها ذلك، فقد تضررت كل المراكز المتخصصة بهذه التقنية، فضلاً عن تضرر واحتراق الأجهزة والمستلزمات الطبية، ولا نعلم المدة التي سوف تستغرقها عملية الصيانة وإعادة تأهيل هذه المراكز".
ويلفت مدير "مركز قرة عين للإخصاب وطفل الأنابيب"، أكرم جمعة، إلى أن الشهر الأول من الحرب كان حافلاً بالحالات التي ستخضع لعمليات الزرع، وهناك حالات كانت تتابع الحقن اليومية. ويضيف لـ"العربي الجديد": "في يوم انطلاق الحرب واليوم التالي، كان لدينا خمسة أجنّة يجب زرعها، لكن لم يتمكن المرضى من الوصول إلى المركز، والذي تدمّر بدوره لاحقاً، بعد أن تكبّدت ما قيمته نحو 400 ألف دولار لإنشائه. منذ ذلك اليوم، اختفى صوت الفرح، وتبددت الآمال، وصارت ذكريات".
وأنشأ جمعة المركز في عام 2008، وتحوّل بعد توسعه إلى المركز الوحيد المتخصص بهذه التقنيات في مدينة رفح جنوبي القطاع، وأجرى حتى أغسطس/ آب 2023، نحو ثمانية آلاف حالة إخصاب مجهري، وكانت نسبة النجاح والحمل "مذهلة". بينما الأضرار والخسائر المادية جسيمة، خصوصاً أن تكلفة إنشاء مختبر الإخصاب توازي إنشاء مركز صحي، وهذه المراكز أُنشئت بجهود فردية من قبل أطباء.
ولم يسلم الأطفال الذين وُلدوا نتيجة عملية إخصاب خارج الجسم من الحرب، إذ أرسلت صفاء أبو شرقية رسالة إلى جمعة تذكّره بعملية الإنجاب الناجحة قبل عامين من الحرب، والتي رُزقت عبرها بطفلها الوحيد عمر، غير أن الطفل استشهد في قصف إسرائيلي، تاركاً والدته بقلبٍ تعتصره حسرة الفراق.
ويشير جمعة إلى أن أبو شرقية استفسرت عن إمكانية إجراء عملية أخرى، وكان رده أن الأمر بات مستحيلاً بسبب تدمير المركز. ويوضح: "حالة صفاء كانت إحدى أغرب الحالات متعددة المشاكل، إذ بعد سلسلة عمليات أُجريت لها ولزوجها، وبعد استهلاك كميات كبيرة من المنشطات، والتعب في الحمل والولادة، رُزقت بطفل، لكنه استشهد، فأي ألم هذا؟".