استنفار طوارئ سورية لمواجهة فيضان نهر الفرات

الرقة

محمد أمين

avata
محمد أمين
صحافي سوري، مراسل "العربي الجديد" في سورية.
دمشق

محمد كركص

محمد كركص صحافي سوري (العربي الجديد)
محمد كركص
صحافي سوري
28 مايو 2026   |  آخر تحديث: 22:21 (توقيت القدس)
الحكومة السورية تستنفر لمواجهة فيضان الفرات في الرقة ودير الزور
+ الخط -
اظهر الملخص
- أنشأت وزارة الطوارئ السورية غرفة عمليات مشتركة لمواجهة فيضان نهر الفرات في دير الزور والرقة، بسبب الإطلاقات المائية من تركيا، وتم إجلاء السكان من المناطق المهددة وتحذيرهم من الاقتراب من النهر.

- تعمل الوزارة على رفع سواتر ترابية حول محطات ضخ المياه وتنسق مع وزارات أخرى لتعزيز السدود وتنفيذ عمليات إجلاء، مع دعم منظمات محلية ودولية لتقليل الخسائر.

- أدى الفيضان إلى خروج 50 محطة مياه عن الخدمة، مما يزيد من الأزمات المعيشية، وأعلنت وزارة الاتصالات عن إجراءات لدعم السكان، وسط جهود لتأمين المنطقة.

أنشأت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في سورية غرفة عمليات مشتركة تضمّ جهات معنية عديدة لمواجهة خطر فيضان نهر الفرات في محافظتَي دير الزور والرقة، ولا سيّما أنّ الفرات تحوّل إلى خطر جدي يهدّد حياة الناس وأرزاقهم وينذر بالأسوأ في حال استمرار الإطلاقات المائية غير المسبوقة من الجانب التركي على مدى أيام إضافية.

ومن أجل متابعة هذه القضية، قطع وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح زيارته المقرّرة لكندا، وأعلن عن عودته إلى سورية لمتابعة مستجدّات فيضان نهر الفرات الأخير. وأفاد بأنّ فرق مؤازرة تصل تباعاً إلى المناطق المتضرّرة من حلب وإدلب وحماة وحمص، فيما أشار إلى عدم وقوع أيّ وفيات مرتبطة بالفيضانات حتى الآن، وأنّ حالات الوفاة المسجّلة تعود لأطفال كانوا يسبحون في النهر.

وارتفع منسوب نهر الفرات إلى مستويات غير مسبوقة في الأيام القليلة الماضية بسبب ضخّ الجانب التركي كميات كبيرة من المياه المخزّنة في بحيرات سدود عدّة تقع على نهر الفرات، لعلّ أبرزها سدّ "أتاتورك" جنوب شرقي تركيا، وذلك من أجل التخلّص من فائض المياه الناجمة عن المتساقطات المطرية الغزيرة.

الصورة
فتح إحدى بوابات سد أتاتورك على نهر الفرات في تركيا - 21 مايو 2026 (أشبر آي آيدن/ الأناضول)
فتح إحدى بوابات سدّ "أتاتورك" على نهر الفرات، تركيا، 21 مايو 2026 (أشبر آي آيدن/ الأناضول)

في هذا الإطار، اضطرّت إدارة سدّ "الفرات" أو سدّ "الطبقة" في ريف الرقة الغربي، الذي يُعَدّ أكبر سدود سورية، إلى فتح بوابات المفيض للسيطرة على هذه الموجة من الفيضانات. ورفعت كميات الإطلاق المائي من 290 متراً مكعّباً في الثانية الواحدة لتتخطّى ألف متر مكعّب في الثانية. يُذكر أنّ سدّ "الفرات" يحتجز خلفه بحيرة تخزين تزيد سعتها على 10 مليارات متر مكعّب من المياه، تمتدّ على نحو 80 كيلومتراً طولاً ونحو خمسة كيلومترات عرضاً في عدد من المواقع.

والى الشرق من سدّ "الفرات" بنحو 30 كيلومتراً، يقع سدّ "كديران"، الذي يؤدّي من جهته دوراً في تنظيم جريان مياه نهر الفرات منذ إنشائه، في ثمانينيات القرن الماضي. وقد اضطرّت إدارته، بدورها، إلى فتح قنوات المفيض لتتّجه المياه شرقاً إلى مدينة الرقة ثمّ إلى دير الزور وصولاً إلى الجانب العراقي.

وأعلنت لجنة الطوارئ وإدارة الكوارث في محافظة دير الزور، اليوم الخميس، إجلاءً فورياً لسكان مناطق واقعة على سرير النهر ومهدّدة بالغمر، من أجل تجنّب أيّ خسائر محتملة بالأرواح. يُذكر أنّ نهر الفرات الآتي من ريف حلب الشمال الشرقي يقسم محافظتَي الرقة ودير الزور من الوسط، الأمر الذي يجعل السكان المحليين يُطلقون على المنطقة الواقعة إلى جنوبه "الشامية" وتلك الواقعة إلى شماله "الجزيرة".

وفي ريف الرقة الغربي، يتتبّع المواطن السوري حسين المحسن أخبار فيضان نهر الفرات، ويعبّر لـ"العربي الجديد" عن مخاوفه على الأراضي الزراعية القريبة من سرير النهر والمزروعة بالقمح الذي اقترب حصاده. وعند تلّة قريبة من النهر، يقف المحسن مع أصدقاء له يراقبون مجراه، فيما يلاحقون آخر المستجدات حوله. ويقول: "لم أشهد في حياتي مثل هذه المشاهد، ولم يسبق لي رؤية بوابات نهر الفرات مفتوحة"، مضيفاً "ربّما لو كنّا نملك عدداً من السدود على نهر الفرات لكان هذا الفيضان خيراً على البلاد وليس بلاءً كما الحال اليوم".

وتسابق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في سورية الوقت، من أجل تقليل الخسائر وحماية السكان. هذا ما يقوله معاون الوزير أحمد قزيز لـ"العربي الجديد"، مضيفاً أنّ الفرق الفنية "موجودة عند سرير نهر الفرات منذ أسبوعَين". ويشير إلى أنّ الوزارة "أطلقت تحذيرات للسكان من أجل الابتعاد عن النهر، وعدم السباحة فيه أو الإبحار فيه بواسطة زوارق، بالإضافة إلى إخلاء المناطق التي تقع على ضفّتَيه". ويلفت قزيز إلى أنّ "ثمّة من تجاهل هذه التحذيرات، الأمر الذي أدّى إلى وقوع أضرار، خصوصاً في الأراضي التي سُجّلت فيها تعديات نتيجة الجفاف"، موضحاً أنّ "هذه مناطق في سرير النهر، ولا يجوز قانونياً استثمار ما نجم فيها عن انحسار المياه، في السنوات الماضية".

في السياق نفسه، جدّدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية دعوتها السكان إلى الامتناع عن السباحة في نهر الفرات، محذّرةً من خطورة التيارات المائية وسرعتها، كذلك دعت الأهل إلى تشديد الرقابة على أطفالهم والحؤول دون اقترابهم من ضفّتَي النهر حفاظاً على سلامتهم.

ويقول قزيز إنّ وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث "تنسّق حالياً مع الإدارات المعنية، من قبيل وزارة الطاقة ومؤسسة سدّ الفرات ووزارتَي الدفاع والداخلية لمواجهة هذه الحالة. ونحن اليوم نعزّز السدود الترابية ونردم مناطق منخفضة، وقد نفّذنا عمليات إجلاء احترازية لعائلات من قرى وجزر صغيرة عدّة في النهر، تلك التي تُعرَف محلياً بالحويجه".

ويؤكد المسؤول السوري أنّ "تدفّق المياه من تركيا ما زال مستمراً"، شارحاً أنّ "سورية كانت معتادة على تدفّق 500 متر مكعّب في الثانية الواحدة"، مضيفاً أنّ التدفّق "وصل اليوم إلى ألفَي متر والبنية التحتية للسدود غير مهيّأة لهذه الكميات". وإذ يبيّن قزيز أنّ "التدفّق بهذه الكميات المرتفعة سوف يستمرّ حتى الأحد المقبل"، يفيد بأنّ حالات الوفاة التي وقعت "كانت بسبب السباحة وليس الفيضان". ويشدّد على أنّ ما تمرّ به البلاد يتطلّب تعاوناً مجتمعياً مع الدولة لتجاوزها بأقلّ الخسائر، لافتاً إلى أنّ منظمات عدّة تقدّم مساعدات في هذا الخصوص وإلى أنّ مكتب التعاون الدولي لدى وزارة الخارجية السورية داعم في هذا الاتّجاه.

وفي إطار الإجراءات الاحترازية، تواصل فرق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تنفيذ أعمال رفع سواتر ترابية حول محطات ضخّ المياه في مناطق العشارة والعشاير والمسرب بريف دير الزور الغربي، بهدف منع وصول المياه إلى المحطات بعد ارتفاع منسوب نهر الفرات، وضمان استمرار وصول المياه إلى السكان. كذلك تنفّذ الفرق أعمال تدعيم وحماية مماثلة في محافظة الرقة، تشمل محيط محطات الضخّ ومنازل السكان في مناطق حويجة بدر وحويجة زهرة وحاوي الهوى، من ضمن استجابة ميدانية مستمرّة لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب مياه النهر.

وفي ظل انقطاع الجسور بين ضفّتَي نهر الفرات أخيراً، راحت فرق الطوارئ تنقل الحالات الإنسانية والإسعافية فتؤمّن عبور المرضى والاحتياجات العاجلة، من ضمن خطة الاستجابة الطارئة التي تنفّذها لجنة الطوارئ في دير الزور.

من جهته، يدعو المهندس السوري موسى الحسن، من أبناء الرقة، إلى "إعلان الرقة ودير الزور منطقتَين منكوبتَين بسبب فيضان نهر الفرات، ولا سيّما أنّه أدّى إلى أضرار في المنازل والأراضي الزراعية". ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "النهر "انحسر في خلال سنوات الجفاف الطويلة عن أراضٍ، وتقلّص مجراه إلى حدّ بعيد"، الأمر الذي دفع إلى تجاوزات عليه. ويشدّد الحسن على أنّ "النهر ليس غدّاراً؛ فهذا مكانه الطبيعي"، شارحاً أنّ عودة نهر الفرات إلى مجراه أدّت إلى وقوع أضرار؛ "فقد هُدمت جسور إسعافية بين ضفّتَي النهر، كانت قد أُقيمت بعد إسقاط نظام الأسد في عام 2024".

ويتابع الحسن أنّ "تجاوزات المياه وصلت إلى الأراضي الزراعية، ودخلت إلى حيّ الطيار في مدينة الرقة؛ حويجة سواقي وحويجة قدور ومناطق أخرى". ويكمل أنّ "الأضرار طاولت محطات لضخّ المياه، ولا سيّما في قريتَي الحمرات وطاوي رمان في ريف الرقة الشرقي، إنمّا من دون وقوع خسائر بشرية" من جرّاء ذلك، مشيراً إلى "حوادث غرق تحدث في كلّ عام".

في سياق متصل، ذكرت شبكات إخبارية محلية في محافظة دير الزور أنّ نحو 50 محطة مياه خرجت عن الخدمة من أصل 210 محطات، بعدما غمرتها مياه نهر الفرات، الأمر الذي من شأنه خلق أزمات للسكان الذين يعيشون في الأساس وسط ظروف معيشية ضاغطة.

وأعلنت مديريات الموارد المائية حالة الطوارئ، وبدأت بتنفيذ سلسلة إجراءات احترازية شملت حماية محطات الضخّ، وفكّ عدد من التجهيزات والمولّدات الكهربائية ونقلها إلى أماكن آمنة، إلى جانب مراقبة مناسيب المياه على مدار الساعة. كذلك تعمل الورش الفنية والآليات التابعة للهيئة العامة للموارد المائية من أجل تدعيم السواتر الترابية وتأمين المنشآت القريبة من مجرى النهر، بالتوازي مع التواصل مع الأهالي والمزارعين لإبعاد معدّاتهم عن المناطق المهدّدة ورفع الجهوزية لأيّ مستجدّات طارئة. يُذكر أنّ الهيئة طمأنت بأنّ الوضع ما زال تحت السيطرة حتى الآن، وأنّها أيّ أضرار مباشرة في محطات الضخّ الرئيسية لم تُسجَّل، مع استمرار عمليات المتابعة الميدانية والإجراءات الوقائية.

بدورها، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية حزمة إجراءات استثنائية لدعم السكان في المناطق المتضرّرة، تضمّنت إتاحة المكالمات الخلوية والمكالمات عبر الإنترنت مجاناً، بدءاً من مساء اليوم الخميس، وطوال فترة الطوارئ، مع إمكانية تمديد القرار أو توسيع نطاقه. كذلك أعادت الوزارة تفعيل الاشتراكات المقطوعة لدى مزوّدي الإنترنت، على خلفية عدم تسديدهم الفواتير المتوجّبة عليهم، بالإضافة إلى إجراءات أخرى من بينها ما يتيح إجراء اتصالات عبر أيّ محطة تغطية متوفّرة، إلى جانب نشر أبراج متنقلة لتعزيز التغطية وإبقاء الفرق التقنية في حالة جهوزية على مدار الساعة.

ويشير المواطن السوري أحمد نوري، من سكان ريف دير الزور الشرقي، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "الأهالي يعيشون حالة قلق متزايدة مع استمرار ارتفاع منسوب نهر الفرات"، مؤكداً أنّ "المياه اقتربت من منازل وأراضٍ زراعية، وثمّة خوفاً حقيقياً من اتّساع الأضرار". أمّا المزارع مصطفى بدر من ريف الرقة فيقول لـ"العربي الجديد" إنّ "السكان يحاولون إبعاد المعدّات الزراعية والمواشي عن المناطق القريبة من مجرى نهر الفرات"، مشيراً إلى أنّ "فرق الطوارئ موجودة في المنطقة، غير أنّ الناس يخشون من أيّ ارتفاع مفاجئ قد يؤدّي إلى غمر مساحات أوسع".

ذات صلة

الصورة
خراب وخدمات شبه معدومة للاجئين الفلسطينيين، حلب، يونيو 2026 (العربي الجديد)

مجتمع

تختصر حال مخيّمَي عين التل والنيرب شمال غربي سورية معاناة اللاجئين الفلسطينيين بعد أعوامٍ من الحرب، حيث يلتهم الفقر حياتهم ويتوسل بعضهم المياه.