ارتفاع ضحايا حريق مصنع الملابس في دلتا مصر إلى 13 قتيلاً
استمع إلى الملخص
- أصدرت النيابة العامة أوامر بحبس نجل صاحب المصنع وفتح تحقيق شامل، مع توجيه اتهامات بالإهمال الجسيم لمالك المصنع والجهات الرقابية.
- طالبت دار الخدمات النقابية والعمالية بمحاسبة المسؤولين، وأصدرت وزارتي التضامن الاجتماعي والعمل تعويضات لأسر الضحايا، مع التأكيد على تحسين منظومة السلامة في المصانع.
ارتفع عدد ضحايا حريق مصنع الملابس بالمحلة الكبرى وسط دلتا النيل بمصر إلى وفاة 13 شخصاً من بينهم رجل إطفاء و35 مصاباً، مع تصاعد الخسائر البشرية ومبنى المصنع المقام وسط منطقة سكنية شديدة الزحام. ويأتي حصر القتلى والمصابين بعد مرور 36 ساعة على وقوع الكارثة التي شهدتها المنطقة الصناعية، صباح أمس الجمعة، إثر اندلاع حريق ضخم في مصنع ملابس جاهزة بحي اليماني، أعقبه انهيار أجزاء كبيرة من المبنى، مخلفاً 13 حالة وفاة و35 إصابة، في حصيلة مرشحة للزيادة في ظل وجود إصابات شديدة الخطورة.
وأصدرت النيابة الإدارية في مصر، مساء اليوم السبت، بياناً عقب معاينة لموقع المصنع، صباح اليوم السبت من فريق من النيابة برئاسة المستشار ممدوح الشاذلي، أكدت فيه أن المصنع غير مرخص، ويتكون من مبنى أمامي عبارة عن مصبغة ومبنى خلفي ملاصق له هو عبارة عن مخزن، وأنه في حوالى الساعة الواحدة والنصف من صباح أمس الجمعة، جرى إخطار الجهات المختصة باندلاع حريق في المصنع، وأثناء مباشرة الحماية المدنية السيطرة على النيران، امتدت آثار الحريق إلى الغلايات الكائنة بالمصبغة، ما تسبب في حدوث انفجار كبير أدى إلى انهيار جزئي في المبنى الأمامي وانهيار كلي بالمبنى الخلفي، وسقوط ضحايا. وتبين من المعاينة أن العاملين بالمصنع غير مؤمن عليهم ولا تربطهم أيّ علاقة تعاقدية مع مالك المصنع، وأن الأخير يمتلك عدد من المصانع الأخرى بذات المنطقة والنشاط.
وأمرت النيابة العامة بحبس نجل صاحب المصنع وبحصر الأنشطة المملوكة لمالك المصنع محل الحادث كافّة بالمنطقة الصناعية بالمحلة الكبرى لبيان مدى استيفائها للشروط والأحكام القانونية، وتشكيل لجنة خماسية من جهاز شئون البيئة، وهيئة التنمية الصناعية، ووزارة القوى العاملة، والرقابة الصناعية، وقطاع الحماية المدنية بوزارة الداخلية، وتكليفها بسرعة فحص الواقعة، ومعاينة أنشطة مالك المصنع بالمنطقة الصناعية كافّة، وحصر أعداد العاملين بها وبيان مدى استيفاء الاشتراطات القانونية للمنشأة أو العاملين بها، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال تلك المنشآت على وجه السرعة.
بدورها جدّدت دار الخدمات النقابية والعمالية مطالبها بضرورة محاسبة المسؤولين عن الإهمال الجسيم الذي أودى بحياة العمال ورجال الدفاع المدني، وأكدت الدار أن ما وقع لا يمكن اعتباره حادثاً عرضياً، بل نتيجة مباشرة لغياب منظومة السلامة والصحة المهنية في المصانع المصرية. وطالبت الدار، في بيان لها اليوم، السبت، بفتح تحقيق عاجل وشامل يكشف للرأي العام ملابسات الحادث، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره سواء من أصحاب المنشآت غير المرخصة أو الجهات الرقابية التي غضت الطرف عن المخالفات. وأشارت إلى أن متوسط أجور العمال لا يتجاوز 4000 جنيه شهرياً، وهو ما لا يتماشى مع الحد الأدنى للأجور أو تكاليف المعيشة المتزايدة، كما شدّدت على ضرورة التحقيق في كيفية توصيل المرافق لمبنى غير مرخص استُخدم لتشغيل مصنع داخل منطقة مكتظة بالسكان. واعتبرت دار الخدمات النقابية والعمالية، أن حماية العمال ووقف نزيف الأرواح يتطلبان إرادة سياسية جادة، تضع حياة العامل وكرامته فوق منطق الربح السريع أو التراخي الرقابي، محذّرة من أن استمرار سياسات الإهمال يعني ببساطة انتظار الكارثة التالية.
حريق مصنع غزل البشبيشي وغياب السلامة المهنية
وأعاد الحادث إلى الواجهة ملف غياب اشتراطات السلامة المهنية، بالمناطق الصناعية والسكنية، التي لم تقف عند حدود سقوط الضحايا والمصابين من العمال بالمصنع، بل امتدت لتشمل قتيلاً جديداً من أفراد قوات الحماية المدنية، الذي سقط أثناء محاولته إنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض ليدفع ثمن غياب الرقابة والإهمال الإداري، ويصف سكان "شارع الشرجة" حيث يقع المصنع المنكوب، تفاصيل اللحظات الأولى للحريق، في شهادات تنقل صورة مروعة عمّا جرى.
يقول محمود السيد، وهو صاحب محل مجاور "فجأة سمعنا صوت انفجار قوي، كأنه قنبلة. بعدها بلحظات النار أمسكت بالمصنع كلّه، إذ غطّى الدخان الشارع، وصوت الصرخات جاء مرعباً، مضيفاً أن الشباب هُرعوا لإنقاذ عمال المصنع لكنهم فوجئوا بسقوط جزء كبير من سقف المصنع، معلقاً "الدخان كان خانقاً".
وبدت المسنة منى عبد العليم، والدة أحد العمال المصابين، عاجزة عن الكلام وهي تحكي لـ"العربي الجديد": "ابني كان يعمل بالطابق الثاني وعندما وقع الانفجار، تهدمت فوق رأسه الحوائط وجزء من سقف المصنع"، مشيرة إلى أنه ظلّ محتجزاً في أحد أركان المبنى حتى تمكّنت قوات الإنقاذ من إخراجه بعد انهيار العقار بساعتَين، مصاباً بجروح خطيرة مع عدد آخر من زملائه. ويقول أحمد بسيوني، جار أحد الضحايا أن المتوفى: "كان العائل الوحيد لأسرة من خمس أفراد، كان يعمل 12 ساعة لتوفير لهم لقمة العيش لهم. الآن أصبحت أسرته بلا دخل.. مأساة بكل معنى الكلمة".
ويقول أحد رجال الإسعاف، رفض ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد": "المشهد كان فوق طاقة البشر، جثث محروقة، مصابون في حالة إغماء بسبب الاختناق، وسط صراخ الأهالي خلال بحثهم عن أولادهم، حاولنا نقل المصابين بسرعة، لكن الضغط كان رهيباً، إذ كل دقيقة تفرق بين حياة وموت". مضيفاً "النار كانت سريعة الانتشار في المبنى ضعيف البنيان، ما أدى إلى انهياره بسرعة، حاولنا أن نخرج أكبر عدد ممكن، لكن المشهد كان سيئاً، عليهم وعلينا معتادي التعامل مع الكوارث، وهو ما تسبب في موت بعض الحالات من الاختناق الناتج عن حريق الأقمشة ومحتويات المصنع".
وكشفت اللجنة الفنية التابعة لحي أول المحلة، التي انتقلت لمعاينة المبنى عقب الحريق، عن مفاجأة صادمة، إذ وجدت المصنع مقاماً على مساحة 700 متر مربع، دون الحصول على تراخيص بناء رسمية، ولم يخضع من الأساس لاشتراطات السلامة الإنشائية أو الرقابة الفنية، ما يجعل الكارثة نتيجة حتمية لتراكمات من التجاوزات.
وأكد حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية لـ"العربي الجديد" أن كارثة المصنع نتيجة طبيعية لغياب الرقابة وضعف منظومة السلامة، مشيراً إلى وجود آلاف المنشآت الصناعية التي تعمل بدون تراخيص بناء أو التزام باشتراطات الدفاع المدني والحريق بما سيؤدي إلى تكرار الحادث لمرات عديدة في المنطقة أو نظيرتها في باقي المحافظات.
من جهته، أصدر اللواء أشرف الجندي، محافظ الغربية، قراراً فورياً يقضي بـ"إزالة المبنى بالكامل حتى سطح الأرض"، مؤكداً أنه يشكل خطورة على حياة المواطنين، مبيناً في تصريح رسمي، بأن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحريق نشب جرّاء ماس كهربائي، أعقبه انفجار في غلاية بالدور الأول العلوي، وهو ما أدى إلى الانهيار الجزئي للمبنى. كما انتقل المحامي العام لنيابات شرق طنطا، عاصمة إقليم محافظة الغربية، وسط دلتا النيل، على رأس وفد قضائي، لمعاينة موقع الحادث، وأشرف على أعمال رفع الأنقاض للعثور على جثمان الشرطي المتوفى، وأمر بفتح تحقيق عاجل لمعرفة أسباب غياب الرقابة على المصنع، وكيف سمح له بالعمل دون ترخيص وفي غياب وسائل الحماية المدنية.
وصرفت وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة العمل، 400 ألف جنيه لأسرة كل ضحية وفاة، إلى جانب تعويضات للمصابين بحسب حالتهم الصحية موجهة الإدارات المختصة بسرعة إنهاء الإجراءات، بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأسر المنكوبة.