اجتماعات الشمال السوري... تعاون ومساندة

اجتماعات الشمال السوري... تعاون ومساندة

13 يونيو 2022
تخلق الاجتماعات العائلية متنفساً وتجلب التعاون (العربي الجديد)
+ الخط -

استعادت معظم مناطق الشمال السوري تقليداً قديماً يتمثل في عقد أفراد العائلة اجتماعات دورية، بعدما انقطعت هذه العادة خلال سنوات الحرب. ويبحث شباب ورجال من العائلة في هذه الاجتماعات مشاكلهم، ووسائل تكريس التكاتف والتعاون بينهم، كما يستمعون إلى نصائح الكبار. وواكب مهجرون من مناطق مختلفة فكرة تنظيم هذه الاجتماعات لمناقشة أوضاعهم، وتبادل الآراء في شأن أساليب حل مشاكلهم

قضايا وناس
التحديثات الحية

يروي ممدوح سميسم (47 عاماً)، وهو من سكان مدينة بنش، لـ"العربي الجديد"، أنه بعدما استقر الوضع الأمني نسبياً في شمال سورية قبل نحو سنتين، اقترح أحد الأقرباء محاولة تجديد اجتماعات العائلة التي كانت تعقد قبل الثورة، وتوقفت بسبب الحرب من جهة، ومن جهة أخرى لتجنب التجمعات ومنع استهداف طيران النظام لها، ويقول: "رغم عدم وجود جميع أفراد العائلة بسبب النزوح واللجوء، رأى الباقون أن عودة الاجتماعات الدورية فكرة جيدة لاستعادة التآلف بينهم، والتعاون لمواجهة الظروف الصعبة التي يمرون بها".
يتابع: "أنشأنا في بداية الأمر مجموعات للتواصل على تطبيق واتساب، ثم باشرنا عقد اجتماع واحد أسبوعياً في منزل عضو، قبل أن نتفق على تخصيص مكان موحد، فتبرع أحد رجال العائلة بجزء من بناء يملكه كان يضم روضة للأطفال لتجنب إحراج أي فرد لا يملك غرفة تتسع لعدد كبير من الحاضرين"، يضيف: "تضم عائلتنا حوالى 300 شخص، وشكلنا مجلس عائلة من 35 شخصاً من الكبار، واخترنا منسقاً لدعوة الأفراد إلى الاجتماعات الطارئة والولائم والأفراح. كما حددنا خمسة أعضاء لكل فرع كبير من العائلة يمثل عائلة جده وإخوته وأبناء عمومته، وينوب عنهم في اتخاذ القرارات".
ويصف سميسم الاجتماعات بأنها "ضرورة لخلق متنفس وجو عائلي يسوده التعاون والمحبة، ومناقشة أهم المواضيع، وحل النزاعات بين أفراد العائلة نفسها، وبين باقي العائلات في المدينة، وهي تحيي موروثاً شعبياً تناقله أجدادنا".

الصورة
استهدف طيران النظام السوري اجتماعات عائلية خلال الحرب (العربي الجديد)
استهدف طيران النظام السوري اجتماعات عائلية خلال الحرب (العربي الجديد)

ويقول أحمد السيد علي (35 عاماً)، الذي يسكن أيضاً في مدينة بنش لـ"العربي الجديد": "تشتتت عائلتنا خلال الثورة، ونزح قسم من أفرادها داخلياً، وغادر آخرون البلاد، ثم جمع أحد الشبان أولئك الباقين عبر اقتراح إحياء اجتماعات العائلة لمحاولة التعاون من أجل التغلب على مصاعب الحياة، وبحث المشاكل التي تعترض أفرادها، ومحاولة حلها جماعياً".
يتابع: "باعتبار أن عائلتنا كبيرة، لم نجد منزلاً يستوعب حضور أفراد كثيرين الاجتماعات الدورية، فقررنا عقدها في جامع الحسين بمدينة بنش كونه يقع وسط منازل عائلتنا. وأعادت الاجتماعات العائلية التآلف بين الأفراد، وأصبحت متنفساً لنا للقاء أبناء عمومتنا وأقاربنا، وبحث المشاكل التي نعاني منها، كما أحيت لدينا فكرة الاستماع إلى كبار العائلة الذين يوفرون آراء سديدة، ويملكون تجارب في الحياة لا تتوفر للشبان".
يروي سامر الحمصي (45 عاماً)، لـ"العربي الجديد"، أن أفراداً من عائلته نظموا اجتماعات دورية جمعت مهجرين من ريف حمص الشمالي للاطلاع على المشاكل التي يعانون منها ومحاولة إيجاد حلول لها، واختاروا مكاناً لاستضافة الاجتماعات الدورية أطلقوا عليه اسم "البيت الحمصي".
ويقول: "تدور الأحاديث في البيت الحمصي حول كل ما يتعلق بالمهجرين من ريف حمص الشمالي، وتناقش إمكان بناء مجمع سكني يضم المهجرين يكرر تجربة مماثلة شهدتها مدينتا الدانا وسرمدا، شمالي إدلب، لمهجري ريف حمص. وتوفر الاجتماعات أيضاً فرصاً لاستعراض وجود منازل للإيجار يحتاجها البعض، وإيجاد فرص عمل، وقد خففت فعلاً الكثير من الأعباء، وعززت المحبة بين المهجرين الذين باتوا يشعرون بأنهم عائلة واحدة، خصوصاً أن كثيرين منهم يفتقدون عائلاتهم وأقاربهم بسبب التهجير القسري الذي تعرضوا له".

ويرى الخبير الاجتماعي باسل نمرة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "بيت العائلة الذي يستضيف الاجتماعات الدورية التي تعقد شهرياً أو أسبوعياً ظاهرة إيجابية نفسياً واجتماعياً. عندما يأتي الفرد إلى هذا المكان، ولو مرة شهرياً، يشعر بالانتماء إلى العائلة، وأنه يملك سنداً، فهؤلاء الناس يشعر الشخص معهم بأنه محاط بمحبين يساعدونه في حل المشاكل الاقتصادية والمادية، وحتى في إيجاد عمل. واجتماعياً، يتضامن أفراد العائلة في حالات كثيرة وفي الأفراح والأتراح، ما يعزز أواصر الترابط بين العائلات والمجتمع. ولا ننسى أن الظاهرة لا تنحصر في الأرياف فقط، إذ هي موجودة في المدن أيضاً. وحتى لو أجري جزء من هذه الاجتماعات عبر الإنترنت يعطي وجودها دعماً وقوة نفسية وإحساساً بأن الشخص يلقى دعماً، وأن عائلته المقربة منه موجودة في حياته، لذا نتمنى أن تنتشر هذه الظاهرة الإيجابية وتتعزز ويجري تفعيلها بأبهى وأقوى صورة لها".

المساهمون