إيران: ضغط العقوبات على مرضى السكري

08 نوفمبر 2020
الصورة
نقص في أدوية كثيرة بسبب العقوبات (عطا كيناري/ فرانس برس)
+ الخط -

الأنسولين عامل حاسم لحياة مرضى السكري. هذا الدواء الحيوي شبه مفقود في إيران بسبب العقوبات الأميركية، ما يهدد حياة كثيرين. وعلى الرغم من الوعود بحلّ الأزمة فإنّها مستمرة منذ أشهر

"أعاني منذ فترة طويلة من مرض السكري وتدهورت صحتي منذ سنوات، ليترك ذلك أثراً كبيراً في وضعي النفسي. بسبب المرض أعاني من التعب والضغط النفسي المستمرين، ازدادا في زمن كورونا، ما وضعني أمام مشكلة كبيرة لاحتواء المرض، تحديداً عندما أضطر للبحث عن الأنسولين في جميع الصيدليات من دون العثور عليه". هذا ما تقوله المريضة بداء السكري، أكرم رحيمي، لوكالة "إيسنا" الإيرانية، وتضيف: "كلما شربت الماء، سواء في النهار أو الليل، لا يروي ظمئي، كما أعاني من ضيق نفس، فاقمه وضع الكمامة منذ أشهر".

تكشف تصريحات رحيمي عن جانب من معاناة مرضى السكري هذه الأيام في إيران في زمن كورونا، خصوصاً مع النقص الحاد في الأنسولين الذي يصل أحياناً إلى حدّ الغياب الكامل، مع العلم أنّه دواء أساسي، تتوقف عليه حياة هؤلاء المرضى، المقدر عددهم بنحو خمسة ملايين شخص في إيران، يستخدم أكثر من 600 ألف منهم بشكل منتظم، قلم الأنسولين في مواجهة السكري.
روت شبكات التواصل الاجتماعي قبل فترة معاناة هؤلاء المرضى في الحصول على الأنسولين عبر هاشتاغ #أنسولين_نيست (الأنسولين غير موجود) ليكمل المستخدمون من المرضى وأهاليهم فصول هذه الرواية المأساوية. قالت شابة في تغريدة: "أعاني منذ 16 عاماً من السكري من النوع الأول، ولا يمكنني كبحه من خلال تناول الحبوب، ولذلك أستخدم قلم الأنسولين. أنا فتاة عمري 25 عاماً ولديّ آمال وأمنيات. من دون الأنسولين لا يمكنني البقاء حية، إلا لأيام. ولذلك، فإنّ اختفاء الأنسولين يعني إطلاق رصاصة الرحمة عليّ وعلى أمثالي". كذلك، قال محمد رضا: "أبي وأمي كلاهما مصاب بالسكري. قدم والدي ملتهبة، ولم يبق منها إلاّ العظام، وبسبب كورونا لم نحصل على موعد في المستشفى لإجراء عملية جراحية له. الآن ماذا أفعل؟ الأنسولين غير متوفر. أين الأنسولين؟".
وفي مواجهة هذه الأزمة، تقول السلطات الصحية إنّ نقص الأنسولين في البلاد "أمر مؤقت" وفق رئيس منظمة الغذاء والدواء الإيرانية، محمد رضا شانه ساز، مشيراً إلى أنّ المنظمة ستقوم بتوزيع الدواء، غير أنّ المرضى يقولون إنّهم يعانون منذ أشهر من هذه المشكلة التي تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة: "الموت لا ينتظر توزيع الأنسولين هذا الأسبوع" كما يقول أحدهم. وتؤكد صحة كلام هؤلاء المرضى رسالة بعثها 120 طبيباً إلى الرئيس حسن روحاني، في أغسطس/ آب الماضي، حذروا فيها من نقص شريط قياس السكر وقلم الأنسولين، مؤكدين أنّ "اختفاء أيّ من الوسيلتين، يعرّض المرضى على المدى القصير لخطر هبوط حاد للسكر وتراجع مستوى الوعي وخطر الموت المفاجئ، وعلى المدى البعيد لأعراض مثل بتر الأعضاء والجلطة القلبية والدماغية ومشاكل في الكلى". وبالرغم من إصدار روحاني تعليمات في رسالة إلى وزير الصحة سعيد نمكي، فإنّ النقص الحاد لقلم الأنسولين هذه الأيام، يؤكد استمرار المشكلة التي تعزوها السلطات الإيرانية إلى العقوبات الأميركية والمشاكل التي أحدثتها على مستوى معاملات إيران المالية مع الدول.
لا تستهدف العقوبات الأميركية بشكل مباشر تجارة الأدوية في إيران، لكنّ الأخيرة تواجه صعوبات كبيرة في تمويل عمليات شراء الأدوية من الخارج بسبب حظر مصارفها ومعاملاتها المالية، فضلاً عن تجنب كثير من الشركات الأجنبية بيع هذه الأدوية لإيران خوفاً من تعرضها لعقوبات أميركية.
وبحسب رصد "العربي الجديد" فإنّ المرضى الإيرانيين هم الشريحة الأكثر تضرراً من العقوبات الأميركية، إذ إنّ مفاعيل الأزمة الاقتصادية التي أحدثتها العقوبات وضعف أداء الحكومة الاقتصادي، وما تبعها من تضخم غير مسبوق في الأسعار والخدمات، أكثر تأثيراً عليهم، وتبقى معاناتهم أكبر من غيرهم، نظراً أولاً لغلاء أسعار الأدوية، وثانياً لغياب أصناف مهمة من هذه الأدوية تتوقف حياتهم عليها، من بينها الأنسولين لمرضى السكري. 
من جهتهم، يؤكد مراقبون أنّ اختفاء الأنسولين في الصيدليات الإيرانية، له سبب آخر أيضاً، بالإضافة إلى العقوبات الأميركية، مشيرين إلى تهريب هذا الدواء وأدوية وسلع أساسية أخرى إلى الدول المجاورة لإيران بسبب الفارق الكبير في الأسعار بعد هبوط الريال الإيراني إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الأخيرة. وفي السياق، أعلنت استخبارات الجيش العراقي، مؤخراً، عن ضبط شحنة أدوية مهربة من إيران على متن 19 شاحنة، كانت تحتوي على أصناف تقدر بمئات الآلاف من الدولارات. لكنّ وزارة الصحة الإيرانية، نفت أن تكون الأدوية مهربة من إيران، إذ قال المتحدث باسم منظمة الغذاء والدواء، كيانوش جهانبور، في تغريدة إنّ الشحنة لم تتضمن أيّ دواء من إيران، إنّما عبرت من الأراضي الإيرانية إلى العراق. مع ذلك، أكد مسؤولون إيرانيون تهريب الأدوية من ضمنها الأنسولين إلى دول الجوار خلال الفترة الماضية، إذ أشار محمود نجفي عرب، رئيس لجنة اقتصاد الصحة في غرفة التجارة بطهران، إلى توفير نحو ضعفي احتياجات البلاد من الأنسولين، لكنّه قال إنّ "جزءاً كبيراً منه جرى تهريبه، وهذا التهريب العكسي لا يخصّ الأنسولين فقط، إنّما جميع الأدوية الغالية التي نواجه فيها هذه المشكلة".

في الأثناء، أحيا أخيراً نبأ استيراد 600 ألف قلم أنسولين بعض الأمل لدى مرضى السكري في إيران، فقد كشف المدير العام للدواء بمنظمة الغذاء والدواء الإيرانية، حيدر محمدي، عن استيراد هذه الشحنة وتوزيعها بدءاً من الأسبوع الماضي. كذلك، قال رئيس المنظمة، محمد رضا شانه ساز للتلفزيون الإيراني، إنّ هذه الكمية تصل إلى المستهلكين بأسعار أرخص بكثير من قبل، لإيجاد تنافس بين منتجي هذا الدواء في الداخل. وعلى الرغم من أهمية الخطوة لإنقاذ حياة المرضى، رصدت "العربي الجديد" استمرار الأزمة، فالنقص ما زال على حاله، ما يشكل ضغطاً نفسياً كبيراً على المرضى وأسرهم. 

المساهمون