الاحتلال الإسرائيلي يلوث مياه البحر المتوسط: خزان ضخم للنفايات البلاستيكية
استمع إلى الملخص
- أكثر من 90% من النفايات البحرية هي أكياس وتغليفات بلاستيكية رقيقة تتراكم في قاع البحر بسبب الأمواج وكربونات الكالسيوم، وليست معدات صيد قديمة.
- رغم السياسات الصارمة، تتلقى إسرائيل كميات كبيرة من البلاستيك من الدول المجاورة، ويوصي البحث باستخدام أكياس متعددة الاستعمال وتحديد المواد المستخدمة في تصنيع الأكياس.
لا يكتفي الاحتلال الإسرائيلي بكونه تهديداً على أمن المنطقة العربية واستقرارها، ولا باحتلال أراضٍ من بعض هذه الدول وسلب شعوبها حقهم في الحياة والوصول إلى مواردهم الطبيعية، بل يمتد تهديده ليطاول المياه، وخصوصاً البيئة البحرية في منطقة المتوسط. ففي حين تصل ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية إلى المحيطات حول العالم سنوياً متسببة بأضرار بيئية مستمرة، فإن الوضع في البحر الأبيض المتوسط ليس مختلفاً؛ حيث تصل النفايات من الشواطئ لتغوص في قاع البحر مهددة البيئة البحرية ومتسببة بأضرار صحيّة أيضاً، على ما كشفه بحث إسرائيلي، نُشر اليوم السبت، أجراه مركز بحوث البحار والبحيرات في إسرائيل، بالتعاون مع جامعة حيفا، كاشفاً عن نتائج مقلقة ومظهراً أن المياه الاقتصادية الإسرائيلية في البحر المتوسط "تحوّلت إلى خزّان ضخم للنفايات البلاستيكية، يُعد من الأكبر على المستوى العالمي".
5 آلاف كيس في كل كيلومتر مربع!
من بادر إلى البحث كانت رئيسة مراقبة البحر المتوسط في مركز بحوث البحار د. ياعيل سيغال، بالتعاون مع الطالب شينغ-يو لي، الذي أجرى المسح في إطار أطروحة الماجستير الخاصة به تحت إشراف رئيسة قسم العلوم الجيولوجية البحرية في مدرسة علوم البحر "ليون تشارني" في جامعة حيفا البروفيسورة ريفيتال بوكمان.
وبحسب البحث الذي أجراه هؤلاء، فقد تبيّن أن الخطر الذي تمثله النفايات البلاستيكية التي تنتقل من شواطئ إسرائيل إلى عمق المتوسط متنوع، وهو يتراوح ما بين التسبب في التلوّث البكتيري وتسميم البيئة البحرية؛ إذ أوضحت سيغال في مقابلة مع موقع "واينت" أن "البلاستيك يشكّل قاعدة لاستيطان بكتيريا تنمو عليه، وهي غير موجودة طبيعياً في البحر. إضافة إلى ذلك، فإن ألوان البلاستيك والإضافات الأخرى قد تُطلِق مع الوقت مواد سامة إلى البحر".
كشف البحر عن تراكيز مرتفعة جداً من البلاستيك في المساحة البحرية لإسرائيل
في إطار البحث، مُسحت كميات من أكياس البلاستيك في قاع البحر المتوسط، على أعماق مختلفة من 80 متراً إلى 1300 متر، وعلى مسافات تتراوح بين 19 كيلومتراً و49 كيلومتراً من سواحل فلسطين المحتلة. وبناءً على المعطيات، وُجدت تركيزات مرتفعة جداً من البلاستيك في المساحة البحرية لإسرائيل. وفي هذا الصدد، توضح سيغال أنه "في معظم الأماكن، قيست كثافات تتراوح بين مئات إلى آلاف قطع النفايات في الكيلومتر المربع الواحد. وفي نهاية الطرف اليابسي، على بعد نحو 17 كيلومتراً، وُجدت 5354 قطعة بلاستيك في الكيلومتر المربع، وهي إحدى أعلى الكثافات التي وثّقت في البحر المتوسط، وربما في العالم كله". وتقارن سيغال ما تقدم مع معظم القياسات التي أُجريت في السنوات الأخيرة قبالة سواحل إسبانيا، إيطاليا، اليونان وتركيا، مشيرةً إلى أن المسح في هذه الدول أظهر أنه "توجد عشرات أو مئات القطع البلاستيكية فقط في الكيلومتر المربع".
الاحتلال يتهم قطاع غزة ومصر بتلويث البحر المتوسط
وتشير سيغال إلى أن "أكثر من 90% من النفايات البحرية التي جُمعت في منطقة إسرائيل هي أكياس وتغليفات بلاستيكية رقيقة، وليست معدات صيد قديمة كما هو الحال في أماكن أخرى من البحر المتوسط". وفيما شاع افتراض أن للأكياس قدرة طفو عالية، كشف البحث أن أكياس البلاستيك تتراكم بالأساس في قاع البحر، على أعماق تتراوح بين 200 و1000 متر. وفي هذا السياق، توضح سيغال أن الأمواج تولّد قوّة تدحرج الأكياس نحو الأسفل إلى قاع البحر، حيث تدخل إليها حبيبات الرمل ما يجعل الأكياس أثقل. وتضيف أن "النفايات تتراكم في القاع في المناطق الأعمق، حيث التيارات أضعف"، موضحةً أن خاصية الطفو أو الغرق للأكياس تتحدد أيضاً بحسب مكونات تصنيعها؛ حيث وجد البحث أن هناك مادة تُسمّى كربونات الكالسيوم تُضاف إلى الأكياس، و"نتيجة لذلك، تميل الأكياس إلى الغرق نحو القاع".
النتائج الآنفة ينبغي أن تُشعل بحسب الموقع "تحذيراً بشأن استخدام أكياس البلاستيك أحادية الاستعمال في إسرائيل". ومع ذلك، يزعم أن "التيارات الإقليمية (البحرية)، وعلى رأسها التيار الليبي-المصري، تنقل أيضاً نفايات بلاستيكية من غزة ومن دول مجاورة مثل مصر ولبنان إلى السواحل والمياه الاقتصادية لإسرائيل"، مع العلم أن الاحتلال دمّر قطاع غزة بالكامل، وبدأ بتحويله مؤخراً إلى مكب لنفايات النقب الغربي. وحول ذلك، تزعم سيغال أنه "صحيح أن إسرائيل تطبّق سياسة صارمة نسبياً بشأن الصيد والنفايات المحلية، لكنها تتلقى كمية هائلة من البلاستيك من الدول المجاورة".
السفن مصدراً لتراكم النفايات البلاستيكية
في إطار البحث، تبيّن أن نوع المادة التي تُصنع منها الأكياس يحدد مدى بُعدها وعمقها الذي تصل إليه؛ إذ قالت بوكمان إنه "على عمق 1400 متر وجدنا أن مصدر الأكياس هو السفن، أي أن الحديث يدور عن نوع معين من الأكياس يُلقى من السفن إلى البحر. وهكذا يساهم البحث في فهم مَن يُلقي النفايات في البحر، ويمكن أن يساعد في تطبيق القانون بشكل أدق وأفضل". وعلى الرغم من أن تنظيف البحر هو مهمة صعبة ومعقدة، غير أن تنظيف الشواطئ والجداول "ممكن"، بحسب سيغال، التي تؤكد أنه "مع تنظيف الشواطئ والجداول من الأكياس، يتقلص الضرر لأنها لا تُسحب في هذه الحالة إلى البحر".
إلى ذلك، تشير بوكمان إلى أن "كمية الأكياس التي تُصل من الشاطئ إلى البحر تُظهر أن حل فرض الدفع مقابل الأكياس أحادية الاستعمال في السوبرماركت ليس فعّالاً بما فيه الكفاية". ورأت أنه "يجب استخدام أكياس متعددة الاستعمال، وتحديد المواد المستخدمة في تصنيع الأكياس".
وعلى الرغم من أن البحث متعلّق بكميات البلاستيك في المساحة البحرية الإسرائيلية فقط، إلا أن نتائجه تؤكد أن معظم النفايات البلاستيكية تغوص في نهاية المطاف إلى قاع البحر، وبذلك تتحوّل إلى مصدر تلوث مستمر يهدد الأنظمة البيئية الفريدة، ومخزون الأسماك، وصحة البشر.