إسرائيل تعطّش عشرات آلاف الفلسطينيين في عدة مناطق من ريف نابلس

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 12:51 (توقيت القدس)
احتجاج في الخليل جنوبي الضفة للمطالبة بالمياه، 20 يوليو 2025 (مصعب شاور/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- توقفت بئر بيت إيبا الإنتاجية عن العمل، مما أدى إلى أزمة مائية حادة تهدد عشرات الآلاف في نابلس وجنين وقلقيلية، خاصة مع موجة الحر الشديدة. الناشطون المحليون يناشدون سائقي صهاريج المياه لتزويد القرى المتضررة بالمياه.

- السيطرة الإسرائيلية على الموارد المائية تعمق الأزمة، حيث تمنع حفر آبار جديدة وتتحكم في كميات المياه للفلسطينيين، بينما تواصل تزويد المستوطنات بانتظام. المطالب بإعادة ربط التجمعات ببئر المسعودية لم تلقَ استجابة.

- نقص المياه يشكل تحدياً يومياً للأسر الفلسطينية، حيث يضطرون لشراء صهاريج مياه بأسعار مرتفعة. الأزمة تكشف هشاشة البنية المائية الفلسطينية واعتمادها على المياه المستوردة من إسرائيل، مما يفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية.

لم يكن إعلان شركة المياه الإسرائيلية "ميكوروت" توقف بئر بيت إيبا الإنتاجي، شمال غربي نابلس شمالي الضفة الغربية، عن العمل بسبب عطل في المضخة الرئيسية مجرد خلل فني عابر، بل تحوّل خلال ساعات إلى أزمة إنسانية تهدد عشرات آلاف الفلسطينيين في قرى وبلدات شمال وشمال غرب وجنوب غرب نابلس، وعدد من بلدات جنين وقلقيلية، التي تعتمد بصورة رئيسية على مياه هذا الخط. وجاء ذلك في وقت تشهد فيه الضفة الغربية موجة حر شديدة، وترتفع معها معدلات استهلاك المياه إلى مستويات غير مسبوقة.

لم يجد الناشط المجتمعي عبد الرحمن البنا، من قرية تل جنوب غرب مدينة نابلس، سوى منصات التواصل الاجتماعي لمناشدة سائقي صهاريج المياه في المدينة والبلدات والقرى المجاورة، نقل المياه إلى قريته التي تعاني نقصاً حاداً في الإمدادات منذ نحو أسبوعين، بعد توقف شركة "ميكوروت" الإسرائيلية عن ضخ المياه لعشر بلدات وقرى في محيط نابلس، بحجة تنفيذ أعمال صيانة في بئر "بيت إيبا" المغذي لها، في وقت تشهد فيه المنطقة ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة، وتعاني أصلاً شح الموارد المائية.

يقول البنا، في حديثه لـ"العربي الجديد": "عطشنا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. استنفدنا كل السبل دون جدوى، وجفّت الآبار المنزلية، وشحت عيون المياه، في وقت يتضاعف فيه الاستهلاك خلال فصل الصيف. ومع ذلك، لا أحد يلتفت إلى معاناة أكثر من 50 ألف مواطن لا يجدون كأس ماء يشربونه". ويضيف: "لم يبلغ الصيف ذروته بعد، ومع ذلك نعيش بالفعل لهيب أغسطس/آب، فيما لا يولي الاحتلال أي اهتمام لما إذا كان الفلسطيني يجد ماءً يشربه أم لا، وكل ما يعنيه هو راحة المستوطن ورفاهيته".

حلقة جديدة في أزمة مائية مزمنة تشهدها قرى نابلس

من جهتهم، يرى مسؤولون محليون أن العطل ليس سوى حلقة جديدة في أزمة مائية مزمنة تعيشها القرى الفلسطينية، نتيجة السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه وحرمان الفلسطينيين من تطوير بنيتهم التحتية المائية. ويحذّر عضو مجلس قروي برقة شمال نابلس، سامي دغلس، من أزمة مياه وشيكة تهدد القرى والبلدات شمال غربي نابلس، بعد قرار الاحتلال الأخير.

ويقول دغلس لـ"العربي الجديد"، إنّ "نحو عشر قرى وبلدات تعتمد بشكل رئيسي على المياه الواردة من بئر بيت إيبا"، مؤكداً أن انقطاع الضخ قد يستمر شهراً أو شهرين، الأمر الذي ينذر بأزمة إنسانية مع تزايد الطلب على المياه خلال فصل الصيف. ويوضح دغلس أن القرى المتضررة لا تمتلك مصادر بديلة كافية، مشيراً إلى أن أحد الينابيع التي كانت تشكل مورداً مائياً مهماً، وهو عين الدلبة، خرج من الخدمة بعد أن سيطر عليه مستوطنون قبل نحو ثلاثة أشهر، وقطعوا خطوط المياه المغذية له، وحولوا المنطقة إلى موقع ترفيهي تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي.

أحد الينابيع التي كانت تشكل مورداً مائياً مهماً، وهو عين الدلبة، خرج من الخدمة بعد أن سيطر عليه مستوطنون

ويؤكد دغلس أن المجالس المحلية تواصلت مع بلدية نابلس وسلطة المياه الفلسطينية لتوفير كميات إضافية من بئر المسعودية الواقع شمالاً، إلا أن هذه الكميات لا تلبّي سوى جزء محدود من الاحتياجات، في ظل معاناة مدينة نابلس نفسها من نقص في المياه. ويبيّن أن الاعتماد على نقل المياه بالصهاريج لا يمثل حلّاً عملياً، في ظل ارتفاع التكاليف وصعوبة حركة الشاحنات بسبب الحواجز العسكرية وإغلاقات الطرق، إضافة إلى مخاطر اعتداءات المستوطنين على المركبات التي تتحرك بين القرى.

وبحسب دغلس، فإن المجالس المحلية تطالب منذ سنوات بإعادة ربط هذه التجمعات ببئر المسعودية القريبة جغرافياً، بدلاً من الاعتماد الكامل على مصادر تديرها شركة "ميكوروت"، إلا أن هذا المطلب لم يجد استجابة حتى الآن. ويعتبر المتحدث أن توقيت تنفيذ أعمال الصيانة في ذروة فصل الصيف يثير تساؤلات، ولا سيما مع استمرارها لفترة قد تصل إلى شهرين، داعياً إلى تدخل عاجل من الجهات الفلسطينية المختصة والمؤسسات الدولية لضمان حق السكان في الحصول على المياه، بوصفها حقاً أساسياً لا يجوز المساس به.

إسرائيل تتحكم في كميات المياه

وفي بلدة سبسطية شمال غربي نابلس شمالي الضفة، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً، إذ يؤكد رئيس البلدية محمد عازم أن الاحتلال يتحكم فعلياً في كميات المياه التي تصل إلى القرى الفلسطينية، ويمنع حفر آبار جديدة أو تطوير الشبكات، بينما يواصل تزويد المستوطنات بالمياه بصورة منتظمة. ويقول عازم لـ "العربي الجديد، إنّ "محطات الضخ في البلدة فرغت بالكامل، وإن استمرار الأزمة يهدد الحياة اليومية لآلاف المواطنين"، مطالباً المجتمع الدولي بالتدخل لضمان وصول المياه باعتبارها حقاً أساسياً تكفله القوانين الدولية.

أما رئيس مجلس قروي بيت إيبا، محمد طالب دبوس، فيوضح لـ "العربي الجديد" أنّ البئر خاضعة لسيطرة الاحتلال الكاملة رغم كونها تقع في المناطق المصنفة (أ) وفق اتفاق اوسلو، وأن سلطة المياه الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المكلفة بالمتابعة مع الشركة الإسرائيلية. ويلفت دبوس إلى أن قريته تعاني نقصاً حادّاً في المياه أسوة ببقية المناطق التي تستفيد من البئر.

نقص المياه هاجس يومي

داخل المنازل، تحول نقص المياه إلى هاجس يومي، فمنذ نحو ثلاثة أسابيع لم تصل المياه إلى منزل المواطن الفلسطيني محمد شحادة، الذي اضطر إلى شراء صهاريج مياه بأسعار مرتفعة رغم وضعه الاقتصادي الصعب. ويقول شحادة لـ"العربي الجديد"، إنّ أبسط تفاصيل الحياة أصبحت مرتبطة بموعد وصول صهريج المياه، حيث إن أفراد أسرته باتوا يقتصدون في كل لتر يستخدمونه، فيما يخشى على صحة أطفاله وكبار السن مع استمرار الانقطاع.

من جهتها، أكدت سلطة المياه الفلسطينية، في بيان سابق، أنها تتابع تداعيات توقف محطة ضخ بئر بيت إيبا، بعد تلقيها بلاغاً رسمياً من شركة "ميكوروت" يفيد بخروج البئر عن الخدمة، الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض كميات المياه الواصلة إلى عدد من القرى في محافظات نابلس وجنين وقلقيلية. وأوضحت سلطة المياه أنّ "ميكوروت" عزت التوقف إلى خلل في المضخة الرئيسية للبئر، مشيرة إلى أن إعادة تشغيلها ستكون بعد استكمال أعمال الصيانة، من دون تحديد موعد زمني لذلك. فيما ستستأنف الشركة المزودة الضخ مؤقتاً عبر آبار أخرى لديها، وبحسب الكميات المتوفرة، إلى حين إعادة بئر بيت إيبا إلى الخدمة.

وأكدت سلطة المياه أنها تتابع مع الشركة المزودة أعمال الصيانة وإعادة تشغيل البئر، وتواصل جهودها للتخفيف من آثار العطل على المناطق المتأثرة، من خلال متابعة كميات التزويد واتخاذ ما يلزم من إجراءات وفق الإمكانات المتاحة، إلى حين استئناف الضخ بشكل كامل.

ولا تنفصل أزمة بئر بيت إيبا عن واقع مائي تفرضه إسرائيل منذ عقود في الضفة الغربية. يقول المختص في شؤون البيئة والمياه علي عوكل لـ "العربي الجديد" إنه "بموجب اتفاقية أوسلو الثانية (1995) بقيت إسرائيل صاحبة السيطرة الفعلية على الموارد المائية المشتركة، بينما يحتاج الفلسطينيون إلى موافقات إسرائيلية لحفر أي بئر جديد أو تطوير الشبكات، وهي موافقات نادراً ما تُمنح، خاصة في المناطق المصنفة (ج)".

ويستعين عوكل بأحدث بيانات البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، التي تشير إلى أن إسرائيل تسيطر على أكثر من 80% من موارد المياه الجوفية في الحوض الجبلي بالضفة الغربية، بينما يحصل الفلسطينيون على أقل من 20% منها، رغم أن هذا الحوض يعد المصدر الرئيس للمياه في الأراضي الفلسطينية.

كما يعتمد الفلسطينيون بشكل متزايد على شراء المياه من شركة "ميكوروت" الإسرائيلية، إذ تستورد السلطة الفلسطينية سنوياً أكثر من 90 مليون متر مكعب من المياه، وهي كميات أصبحت تشكل جزءاً أساسياً من احتياجات المدن والقرى الفلسطينية. ويشدد عوكل على أن تكرار الأعطال أو تقليص كميات الضخ لا يكشف فقط هشاشة البنية المائية الفلسطينية، بل يعكس أيضاً حجم الارتهان للاحتلال الذي يملك السيطرة على الآبار الرئيسية، وشبكات النقل، وعمليات التطوير، ما يجعل الأمن المائي الفلسطيني رهين القرار الإسرائيلي.

مقارنة استهلاك المياه بين الفلسطينيين والمستوطنين في الضفة الغربية
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وتظهر بيانات سلطة المياه الفلسطينية، أن متوسط استهلاك الفرد الفلسطيني في بعض مناطق الضفة الغربية ينخفض إلى أقل من 70 لتراً يومياً، وهو أقل من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية والبالغ 100 لتر يومياً، فيما يستهلك المستوطن الإسرائيلي في الضفة الغربية ما يزيد على 300 لتر يومياً في المتوسط، وفق تقارير حقوقية ودولية. وقد يفاقم استمرار الأزمة، بالتزامن مع موجات الحر، الأوضاع الصحية والإنسانية في عشرات القرى، ويضاعف الأعباء الاقتصادية على الأسر التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على شراء المياه المنقولة بالصهاريج، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتسع دائرة الفقر في الضفة الغربية.