إسبانيا تطلق خطة لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين

29 مايو 2025   |  آخر تحديث: 18:36 (توقيت القدس)
مهاجرون في جزر الكناري، إسبانيا، 15 يناير 2025 (سابين جاكوب/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتبنى إسبانيا خطة طموحة لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين بهدف إدماج مليون مهاجر خلال ثلاث سنوات، لمعالجة تراجع النمو الديمغرافي ونقص اليد العاملة، رغم معارضة حزب "فوكس" اليميني المتطرف.
- يُعد البرنامج الحالي الأوسع منذ عام 1986، ويشمل توسيع نظام تأشيرات العمل الموسمية بالتعاون مع دول مثل المغرب والسنغال، مع تسهيلات قانونية للمهاجرين من أميركا اللاتينية.
- تواجه الحكومة تحديات في دمج المهاجرين، حيث يُسجل الجيل الثاني أداءً دراسيًا أقل، وتؤكد الخبيرة كارمن غونزاليس على أهمية نجاح الاندماج في سوق العمل والتعليم.

تسلك إسبانيا طريقاً مغايراً في وقت تتشدد فيه السياسات الأوروبية تجاه الهجرة وتتعالى فيه الأصوات الشعبوية الرافضة للوافدين. فعوضاً عن الانكفاء، تُقدِم مدريد على خطوة جريئة عبر إطلاق خطة ضخمة لتسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، بهدف إدماج نحو مليون مهاجر، خلال السنوات الثلاث المقبلة. وتُعد هذه المبادرة الأكبر من نوعها في تاريخ البلاد الحديث، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ الأميركية، اليوم الخميس، حيث تسعى من خلالها الحكومة إلى معالجة أزمتين متداخلتين؛ تراجع النمو الديمغرافي، ونقص اليد العاملة في قطاعات اقتصادية حيوية.

ورغم وجود معارضة من حزب اليمين المتطرف "فوكس"، حظي مشروع التسوية بدعم واسع من المجتمع المدني، حيث وقّع أكثر من 600 ألف مواطن على عريضة تدعم المشروع، تقدّمت بها أكثر من 900 منظمة غير حكومية. وقد وافقت غالبية الكتل البرلمانية على مناقشته، رغم الخلاف حول تفاصيله. وبحسب بيانات بنك إسبانيا، ساهم المهاجرون بشكل فعّال في رفع الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام الأخيرة، خصوصاً بين 2022 و2024، حيث حقق الاقتصاد الإسباني نمواً بنسبة 3.2%، متفوقاً على اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وفرنسا.

ويعمل المهاجرون أساساً في قطاعات الزراعة، السياحة، الرعاية الصحية، الخدمات، وهم منتشرون في المدن الكبرى كما في المناطق الريفية التي تعاني تناقصاً سكانياً. وفي الوقت الذي تواجه فيه البلاد أزمة شيخوخة متفاقمة، وانخفاضاً حاداً في معدلات الولادة، التي بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق عند 1.19 طفل لكل امرأة ، تمثل الهجرة حلّاً عملياً للحفاظ على سوق العمل ونظام المعاشات.

مسارات متعددة نحو الإقامة في إسبانيا

إسبانيا، ليست جديدة على عمليات تسوية أوضاع المهاجرين. فقد نفذت منذ 1986 ستة برامج مشابهة استفاد منها أكثر من 1.2 مليون شخص، إلا أن البرنامج الحالي يُعدّ الأوسع والأكثر طموحاً، ويُرافقه توسيع في نظام تأشيرات العمل الموسمية بالتعاون مع دول مثل المغرب والسنغال وموريتانيا. ويُشكل القادمون من أميركا اللاتينية نسبة تفوق 40% من المهاجرين، ويستفيدون من اتفاقيات تسمح لهم بدخول البلاد بدون تأشيرة.

كما يُتيح لهم القانون الإسباني الحصول على الجنسية في غضون عامين في حال إثبات روابط عمل أو تعليم، ثم الإقامة الدائمة والجنسية الكاملة لاحقاً. وقد استفاد نحو 300 ألف شخص من هذا المسار، فيما يُتوقع أن تُسرّع التعديلات الجديدة إجراءات تجنيس نحو 200 ألف آخرين.

تحديات أمام الحكومة.. من الاندماج إلى التعليم

رغم الطابع الإنساني والاقتصادي الإيجابي لهذه السياسات، تُواجه الحكومة تحديات تتعلق بالاندماج. فقد أظهرت بيانات أولية من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنّ المهاجرين من الجيل الثاني يُسجلون أداءً دراسياً أقل من نظرائهم الإسبان، ويواجهون صعوبات في الوصول إلى الجامعات وفرص التدريب المهني.

وحذرت الخبيرة كارمن غونزاليس من معهد "إلكانو الملكي" من أنّ "نجاح الهجرة لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى نجاح الاندماج الفعلي في سوق العمل والتعليم والمجتمع". أما ميشيل بيس من مركز "تشاتام هاوس"، فقد أكدت، لـ"بلومبيرغ"، أنّ "الهجرة تمثل فرصة اقتصادية كبرى، لكن من الضروري أن تُستثمر عوائدها في البنى التحتية، من مدارس ومساكن ورعاية صحية، لتجنّب التوترات الاجتماعية".

وجهة أوروبية بديلة؟

إذا نجحت إسبانيا في تنفيذ خطتها الطموحة، فإنها لا تكتفي بإصلاح داخلي فحسب، بل ترسم ملامح نموذج بديل في إدارة ملف الهجرة، يقوم على الموازنة بين البعد الإنساني والبراغماتية الاقتصادية، ويتعامل مع المهاجرين باعتبارهم رافعة محتملة للنمو، وليس بوصفهم أعباء ينبغي صدّها. وفي قارة تتناقص فيها معدلات الخصوبة وتتزايد أعداد كبار السن، تبدو المقاربة الإسبانية استباقية وشجاعة، وربما مُلهمة.

وفي عالم يزداد فيه العداء للمهاجرين ويعلو فيه صوت الانغلاق، تتقدم إسبانيا بخيار مغاير، قائلةً إن المهاجرين ليسوا تهديداً، بل فرصة. وإذا كُتب لخطتها النجاح، فقد تُجبر دولاً أوروبية أخرى على مراجعة سياساتها التقليدية، وربما تُعيد رسم خريطة الهجرة في أوروبا نحو وجهة أكثر انفتاحاً وإنصافاً.

المساهمون