استمع إلى الملخص
- الحكومة اللبنانية تتخذ إجراءات احتياطية لتحسين الجهوزية في ظل التهديدات المستمرة، بما في ذلك تدريبات على الإخلاء وتجهيز المستشفيات بدعم دولي، رغم القلق المستمر حول فعالية هذه الخطط.
- تقرير الشركة الدولية للمعلومات أشار إلى غياب خطط حكومية فعالة لمواجهة الكوارث، مع التركيز على المساعدات النقدية بعد الأزمات بدلاً من التخطيط المسبق، مما يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات المستقبلية.
على وقع الترقب اللبناني لاحتمال توسع العدوان الإسرائيلي، تبرز تساؤلات حول استعدادات الدولة، خصوصاً بعد الثغرات الفاضحة في الخطة الوطنية العام الماضي.
كشفت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان مدى هشاشة خطط الاستجابة الوطنية، خصوصاً مع توسع الحرب في 23 سبتمبر/ أيلول 2024، وما رافقها من حركة نزوح هائلة تجاوزت مليوناً و200 ألف نازح حتى مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وفق الإحصاءات الرسمية حينها. وعلى الرغم من مبادرة وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة مجلس الوزراء اللبناني إلى إنشاء غرف عمليات في كل المحافظات ولدى الوزارات المعنية، طاولت انتقاداتٌ عدة عملها وشككت في حقيقة جهوزية الدولة اللبنانية للحروب والكوارث، من منطلق أن النازحين تُركوا في العراء، سواء في الشوارع أو عند الأرصفة والشواطئ، بينما فُتحت مراكز إيواء تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة.
وفي حين علت صرخات الاستغاثة حينها مطالبةً بتوفير الفُرش والبطانيات والأدوية ومستلزمات النظافة الشخصية وأبسط الاحتياجات الأساسية، برزت الاستجابة الصحية على مستوى أعلى من تلك المتعلقة بالاحتياجات الأخرى، وسط تبريرات ربطت الأزمة بشحّ المواد وعدد النازحين الهائل، ليتبيّن لاحقاً أنها مجرد حججٍ لم تخلُ من عمليات فساد وفوضى واحتكار مارستها بعض الجهات النافذة، والتي أدّت في ديسمبر/ كانون الأول 2024 إلى إقالة الأمين العام السابق للهيئة العليا للإغاثة، اللواء محمد خير من منصبه.
وبينما يكثر الحديث في الوقت الراهن عن احتمال تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان، تبرز إلى الواجهة تساؤلات حول خطة الاستجابة الوطنية والتحضيرات ومدى الجهوزية، وسط تفاؤل حذر بين صفوف اللبنانيين بأن تكون دولتهم قد أعدّت خطة ناجعة تحدّ من تكرار مأساة النزوح الأخير، وتوفر لهم الخدمات الإغاثية بعيداً عن المحسوبيات والزبائنية والاحتكار.
وفي السياق، يكشف مصدر معني بإدارة الإغاثة والكوارث لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومة اللبنانية تتّخذ بشكل دائم إجراءات احتياطية سواء في حالة السلم أو الحرب، من خلال خطوات تنسيقية بين كل الإدارات المعنية للقيام بالواجب المطلوب عند حدوث أي أزمة أو كارثة أو حرب. ومن ضمن ذلك تنفيذ تمارين تدريبية تتعلق بعمليات الإخلاء وتأمين مراكز الإيواء وتوفير المساعدات الغذائية والمستلزمات الأساسية ومختلف الاحتياجات المرتبطة بتداعيات الحرب، لكن طبعاً ضمن الإمكانيات المتاحة".
ويضيف: "لا نبرّر الثغرات التي رافقت تجربة الاستجابة الإنسانية خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان أواخر العام الماضي، لكن الواقع تخطى كل التوقعات، خصوصاً عندما نتحدث عن نزوح ربع الشعب اللبناني في غضون ساعات، إنه رقم مهول، وهي كارثة غير مسبوقة عرقلت جهود الإغاثة والاستجابة".
وعن الاستفادة من تلك التجربة لإعداد خطط وطنية أكثر جدوى وفعالية، يبدي أمله في ذلك، مؤكداً أنهم واصلوا منذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 اتخاذ الإجراءات الاحتياطية وتطوير خطة الاستجابة الوطنية من أجل رفع حالة الجهوزية وسرعة التدخل، مشيراً إلى أن تفعيل الإجراءات غبّ الطلب، ويبقى الأمل بأن تكون الجهوزية أكثر فعالية من المرحلة السابقة، إن لناحية الإيواء وتأمين الفرش والبطانيات والمساعدات الغذائية والمستلزمات الحيوية أو لناحية الرعاية الصحية. والأمل الأكبر ألا تندلع الحرب في لبنان مجدداً".
وتنصّ المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة، أو المرض، أو العجز، أو الترمّل أو االشيخوخة، أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه".
ولم تنجح المحاولات الكثيفة لـ"العربي الجديد" بالتواصل مع أمين عام المجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد المصطفى، من أجل الاستفسار عن الخطة الوطنية، ما يطرح التساؤلات حول مدى وجود خطة فعلية يراهن عليها اللبنانيون في حال توسّع الحرب الإسرائيلية، ويفتح التكهنات أمام مصير تشرّد محتوم بانتظار النازحين.
ويؤكد مصدر في وزارة الصحة العامة في لبنان، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين والوزارة مستمرون في تجهيز كل المستشفيات الحكومية ودعمها ورفع قدراتها، إن كانت تلك المتضررة من الحرب الإسرائيلية الأخيرة أم غير المتضررة والتي تتابع الوزارة مراحل فتح الأقسام الجديدة ضمنها ورفدها بالنواقص والحاجات، من خلال المساعدات الدولية.
ويضيف لـ"العربي الجديد": "تشمل عملية التجهيز مختلف المستشفيات في شتى المحافظات اللبنانية، من منطلق أن المستشفيات يجب أن تكون جاهزة في كل الحالات وأمام كل الاحتمالات، سواء لخدمة المواطن في الأيام العادية أو في حال وقوع أزمات وحروب أو كوارث طبيعية أو طوارئ صحية، مع العلم أن الحرب لم تنتهِ أصلاً ولا يمكن الحديث عن تجددها إنما عن احتمال توسعها، وما زالت الوزارة تسجل سقوط شهداء وجرحى جراء الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ تخطى عدد الشهداء في أقل من عام أكثر من 300 شهيد، أي منذ 27 نوفمبر 2024 وحتى تاريخ الإحصاءات الأخيرة منذ أيام، بينما تجاوز عدد الجرحى 920، ما يعني أن العدد الإجمالي للضحايا خلال هذه الفترة تخطى 1200 ضحية".
مع العلم، أن الخروقات الإسرائيلية على لبنان تتواصل بشكل شبه يومي، وتحصد أرواح المدنيين، فضلاً عن الإصابات البشرية والأضرار المادية الجسيمة.
وفي تاريخ 8 فبراير/ شباط 2023، نشرت الشركة الدولية للمعلومات (شركة دراسات وأبحاث مستقلة) تقريراً حول مواجهة الكوارث في لبنان، أكدت فيه أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة لم تضع خططاً، أو ترصد مبالغ مخصصة للهيئة العليا للإغاثة، لتنفيذ مشاريع في إطار التخطيط لمواجهة الكوارث قبل حدوثها، سوى رصد مبالغ لتقديم مبالغ نقدية بعد وقوع الكوارث، وقبول الهبات على اختلاف أنواعها المقدمة إلى الدولة اللبنانية من الدول والهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية والجهات المحلية والأشخاص المعنويين والطبيعيين لإغاثة المتضررين.
وأوضحت في التقرير ذاته، أن مجلس الوزراء اللبناني قرّر عام 1975 تأليف هيئة عليا للإغاثة، وحدّد مهامها بموجب القرار 35/1 بتاريخ 17/12/1976، والتي عُدّلت لاحقاً في العام 1997. لكن على الرغم من أن المادة 8 من القرار المذكور نصّت على ضرورة اعتبار الهيئة العليا للإغاثة الهيئة الرسمية الوحيدة المعتمدة لأعمال الإغاثة، حصرت الحكوماتُ المتعاقبة وبدلاً من ضرورة تكليف الهيئة العليا للإغاثة بإدارة مخاطر الكوارث، مهامَّ الهيئة بأعمال لا ترتبط بالإغاثة في بعض الأحيان، وكانت بمعظمها عبارة عن دفع تعويضات نقدية فحسب.
ويتحدث التقرير عن لجنة وطنية أُنشئت عام 2010 من أجل وضع خطة طوارئ لمواجهة الكوارث، وذلك بموجب القرار 103/2010، قبل أن يتمّ إنشاء وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة مجلس الوزراء من خلال مشروع تعزيز قدرات الحكومة اللبنانية في الحد من مخاطر الكوارث في العام 2010، بالشراكة ما بين الحكومة اللبنانية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتُعرّف الوحدة المذكورة عن دورها بأنها الجهة الوطنية الوحيدة المعنية بكافة مراحل الحد من مخاطر الكوارث، من وقاية واستعداد واستجابة وتعافٍ، إذ تتولى مهمات عدة، من بينها اتخاذ التدابير الفورية لمواجهة الكارثة أو الأزمة ومعالجتها بالتنسيق مع الإدارات والهيئات المعنية، ومتابعة عمليات الاستجابة على الصعيد الوطني، وتقييم نتائج التدخل واقتراح التدابير التي تساعد على تحسين الأداء مستقبلاً، إلا أن اللافت، بحسب التقرير، أن الحكومات لم تعمد إلى التعلم من التجارب الماضية والمآسي التي مرّت بها البلاد لوضع خطة تنسيق وطنية تتولى التخطيط لما قبل الكارثة، وليس بعد وقوعها، بحيث تكلّف بها جهازاً رسمياً، وليس وحدة مؤقتة سُمّيت وحدة تخفيف الكوارث.
وكشفت "الدولية للمعلومات" أنه في العام 2013، جرى تأليف لجنة أخرى في لبنان برئاسة الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع وعضوية عدد من المديرين العامين، وكان العضو المقرر هو الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة. وفي العام 2014، أُبرِمَ عقدُ اتفاق بين رئاسة مجلس الوزراء وشركة سويسرية، وقبول هبة مالية لدعم إدارة مخاطر الكوارث.