أيتام غزة... حرمان ومعاناة لا ينتهيان

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:36 (توقيت القدس)
معاناة أطفال غزة مستمرة، دير البلح، 6 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني أيتام غزة من ظروف معيشية قاسية بعد فقدانهم لأحد أو كلا الوالدين بسبب العدوان الإسرائيلي، حيث يعيشون في خيام أو بيوت مدمّرة تفتقر إلى المأوى الآمن والرعاية الاجتماعية والنفسية، ويواجهون صعوبات في الحصول على الطعام والمأوى والدفء.

- تروي رهف حجازي ونادية نعمان معاناتهما في تربية أطفالهما الأيتام في ظل نقص مقومات الحياة الأساسية، حيث تضطران لبيع المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم.

- يواجه الأيتام نقصاً في الغذاء والملابس والرعاية النفسية، مما يعرضهم للأمراض والتمييز المجتمعي، ويظهر عليهم علامات صدمة مثل الانعزال ونوبات البكاء.

لم يترك العدوان الإسرائيلي أيتام غزة في همومهم التي تغطي مختلف جوانب حياتهم، ليضاعف أزماتهم المعيشية اليومية بعد فقدانهم السند والمأوى الآمن، والطعام الصحي، والكرامة المجتمعية، ليعيشوا فصول الحياة القاسية بحرمان ومعاناة وخوف. تتضاعف قسوتها في مراكز الإيواء حيث ترصد المشاهد طفلاً يضم حقيبة مدرسية محترقة لأنها آخر شيء يربطه بوالده، وطفلة تستيقظ فزعة من أقل صوت لأنها فقدت أمها على وقع القصف، ومعهم أطفال يقفون في طابور طويل للحصول على وجبة بسيطة، بينما أعينهم تبحث عن شيء ما، دفء ما، حضن ما، أي شيء يشبه الحياة التي سلبت منهم.

وبحسب الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء يقدر عدد الأطفال الذين فقدوا أحد أو كلا الوالدين بعد بداية العدوان بنحو 39,384 طفلاً، من بين هؤلاء، يقدر أن حوالي 17 ألف طفل أصبحوا يتامى بالكامل "أي فقدوا كلا الوالدين"، ويعيش هؤلاء الأطفال في خيام أو بيوت مدمّرة، في ظل شح في المأوى، والرعاية الاجتماعية، والرعاية النفسية. ومنذ اللحظة  التي هدأ فيها صخب الانفجارات قليلاً في غزة، بدأت ملامح الفقد تظهر بوضوح على وجوه أطفال لم يعرفوا بعد معنى الكلمات الثقيلة التي تختبئ خلف كلمة يتيم، بعضهم لم يدرك أن من كان يحتضنه بالأمس لن يعود اليوم، فقط وجدوا أنفسهم وحيدين في عالم صار أقسى من قدرتهم على الاحتمال.
العدوان لم يكتف بخطف آبائهم أو أمهاتهم، بل جردهم من أبسط ما يحتاج إليه الطفل ليشعر أن الدنيا ما زالت آمنة، بيت يحتضنهم بدل الخيمة الباردة التي تسرب المطر، وجبة دافئة بدل الطحين والمعلبات التي لا تكاد تشبه الطعام، ويد تمسح على رؤوسهم بدل الواقع الذي يضغط على طفولتهم كل يوم.

الصورة
أطفال غزة يكافحون لللحياة وسط الركام، مدينة غزة، 4 ديسمبر 2025 (Getty)
أطفال غزة يكافحون للحياة وسط الركام، مدينة غزة، 4 ديسمبر 2025 (Getty)

تقول الفلسطينية رهف حجازي (39 عاماً) وهي زوجة شهيد ارتقى إثر غارة جوية على منزل ملاصق إنها تسكن مع أطفالها الخمسة، أكبرهم في سن العاشرة داخل خيمة متواضعة غربي المدينة، تحاول ترتيبها ولملمة الأغطية على أطفالها لتشعرهم بالدفء المفقود. وتضيف لـ"العربي الجديد": "أولادي صاروا بلا أب في لحظة، وأنا صرت أماً وأباً وكل شيء، بعد أن فقدت زوجي وابني الأكبر سعد (12 عاماً)، وفقدت معهما المنزل وكل ما كنت أملك". تبين حجازي وهي تنظر نحو أطفالها أنه من الصعب والقاسي إجابة الأطفال عن التساؤلات اليومية حول والدهم، وتفاصيل الحياة الطبيعية، في ظل حياة أشبه بصراع يومي، لا ماء منتظم، ولا طعام كاف، ولا أمان.

 الحرمان يفاقم معاناة أيتام غزة

من ناحيتها، تشير نادية نعمان وهي أم لثلاثة أيتام لـ"العربي الجديد" إلى أنها تشعر بإرهاق شديد بعد أن باتت تحمل كل الهموم على عاتقها، في ظل واقع صعب تنعدم فيه مختلف مقومات الحياة الطبيعية، بالتزامن مع تغول المتطلبات، والحرمان الذي يفاقم معاناتهم.
وتقول نعمان بأسى: "أنا فقدت زوجي، لكن أولادي فقدوا سند حياتهم"، فقد كانت عائلتها تعيش حياة بسيطة قبل أن يتحول منزلهم إلى ركام، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الخيمة هي الملاذ الوحيد لهم، رغم أنها لا تقيهم برداً ولا خوفاً. 

وتكمل نعمان حديثها "أحياناً أنام وإيدي على قلوبهم، بخاف أصحى ألاقي واحد منهم مريض أو بردان أو جوعان"، بينما تضطر إلى بيع بعض المساعدات الإنسانية لتوفير الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية التي لا تشملها المساعدات الشحيحة. وعن تعامل أطفالها مع اليتم، تبين نعمان أنهم لا يتوقفون عن السؤال عن والدهم، بينما لا تتمكن هي من الرد عليهم، وتقول "الأيتام في غزة لم يفقدوا الأب فقط، بل فقدوا طفولتهم وأمانهم بدون وجود أي سند أو معيل".

الصورة
الشقاء يغتال الطفولة في غزة، خانيونس، 30 نومفبر 2025 (Getty)
الشقاء يغتال الطفولة في غزة، خانيونس، 30 نومفبر 2025 (Getty)

ويترك غياب الراعي المباشر الأطفال أمام نقص واضح في الغذاء، وجبة واحدة غير مكتملة العناصر هي الحد المتوفر في بعض الأيام، الملابس قليلة، والأحذية ممزقة، ووسائل النظافة شبه غائبة، وهو ما يفاقم معاناتهم الصحية ويعرضهم للأمراض بسهولة، علاوة على الضغط النفسي الذي يتجاوز أعمارهم. وتعتني الفلسطينية منال حميد بطفلها محمد (7 سنوات) وهو طفلها الوحيد الذي نجا من القصف الإسرائيلي الذي استهدف منزلهم، ليخرج بجراح غائرة من تحت ركام منزلهم وقد فقد والده وإخوته وكل شيء في حياته التي لم تبدأ بعد. تقول حميد وقد غلبها التأثر: "كنت على سرير المستشفى حين رأيت طفلي للمرة الأولى بعد خضوعه للعلاج، كان مشهداً يقطع القلب، كانت مشاعري مضطربة حينها، هل أفرح لنجاة أصغر أطفالي، أم أبكي على فقدان باقي أبنائي وتدمير حياتي". وتبين حميد لـ"العربي الجديد" أنها تعاني إلى جانب ألم الحزن والفقد تفاصيلَ الحياة اليومية القاسية، وغيابَ الدعم اللازم لطفلها اليتيم، الذي بات بلا مأوى، أو مصدر دخل يمكنها من توفير أبسط متطلباته اليومية، مضيفة "نحن لا نطلب معجزة، نطلب فقط حياة كريمة للأطفال الأيتام".

ومع غياب الرعاية المتخصصة ونقص الدعم النفسي، تتضاعف المعاناة، كثير منهم بدؤوا يُظهرون علامات صدمة واضحة، الانعزال، نوبات بكاء مفاجئة، فقدان الشهية، التعلق الشديد بأي شخص يمنحهم لحظة اهتمام. ويعاني الأيتام كذلك غيابَ الحماية والاهتمام المجتمعي الكافي، ويبقى حجم الاحتياج أكبر بكثير من القدرات المتوفرة، بعض الأيتام يضطرون إلى التسول للحصول على المال، وآخرون يواجهون نظرة الشفقة أو التمييز الناعم الذي يشعرهم بأنهم مختلفون عن أقرانهم.

المساهمون