أول يوم مدرسة... جزائريون يروون ذكرياتهم

29 أكتوبر 2020
الصورة
عادوا إلى المدرسة رغم كورونا (بلال بنسالم/ Getty)
+ الخط -

حتى اليوم، ما زالت بعض العائلات الجزائرية تتمسّك بعادات وتقاليد ورثتها أباً عن جد، في اليوم الأول لدخول الأطفال إلى المدرسة. هذا اليوم يشبه الاحتفال، إذ تعدّ الأمهات الحلويات التقليدية على رأسها "الخْفاف"، وهي عبارة عن عجينة تُقلّى بالزيت ويضاف إليها العسل، لتكون البداية حلوة بطعم العسل. كما أن الهدف من تناولها هو تهيئة الدماغ للاستيعاب والحفظ. عائلات أخرى تفضَل إعداد ماء الورد المقطّر مع الحليب لأبنائها ليشربوه قبل الذهاب إلى المدرسة. وبالنسبة إليها، فهو يعكس تفتّح زهرة العلم للجيل الجديد، وتبديد كلّ المخاوف التي يشعر بها الأطفال الذين ينتقلون من عالم الأسرة الضيق إلى عالم أوسع وأشخاص جدد. 
أحمد بطاطاش صار اليوم أستاذاً جامعياً، وقد شغل منصباً سياسياً (نائب في البرلمان). تذكّر يومه الأول في المدرسة حين كان يُرافق ابنته إلى المدرسة في عامها الدراسي الأول. لم ينس الحسرة التي شعر بها في الأول من سبتمبر/ أيلول عام  1980، حين رافقه شقيقه الأكبر إلى المدرسة لأن والده كان يعمل في جنوب البلاد. قال إن "جميع التلاميذ كانوا برفقة آبائهم باستثنائي. كدت أنفجر في البكاء بعدما رأيت ذلك المشهد إذ كنت برفقة شقيقي لا أبي". كان يعرف معظم زملائه في الصف بحكم الجيرة. كذلك، ما زال يذكر أن اسمه كان الثاني في قائمة الأسماء بعدما بدأ المعلمون يتلونها، بعد زميله دحاش بوزيد. كبر وكان يستعد لمغادرة منزله والالتحاق بالجامعة التي يفترض أن يبدأ دراسته فيها. ولدى مروره من أمام  منزله، قال: "كانت فرحتي كبيرة حين مررت من أمام منزلي، وقد وجدت أفراد عائلتي يلوحون لي بأيديهم". يذكر أحمد أنه في عام 1980، ألغت الجزائر التعليم الابتدائي وأرست التعليم الأساسي معتمدة منهاجاً مختلفاً.

العام الدراسي في الجزائر  (رياض كرامدي/ فرانس برس)

 

ويرتبط اليوم الأول في المدرسة في ذاكرة البعض بالألوان والرسم وارتداء الزي المدرسي. في هذا السياق، تقول الإعلامية إيمان عويمر لـ "العربي الجديد": "لطالما كنت متحمسة للدخول إلى المدرسة مثل شقيقتي التي سبقتني إليها كونها تكبرني بعام واحد". حتى اليوم، ما زالت تذكر لون أول حقيبة اشترتها وهو الأزرق. قبل أيام من بدء العام الدراسي، كان خالها يصطحبها إلى المدرسة لاكتشاف المكان. "في يومي الأول، شعرت بخجل كبير، جلستُ في طبقةٍ في الصف الثاني. وحين عدتُ إلى البيت، استقبلتني عائلتي بالحلوى بهدف تشجيعي على الذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي".  

من جهته، يذكر الأستاذ الجامعي سليم أوفة يومه الأول في المدرسة بكل تفاصيله. يقول لـ "العربي الجديد": "كان يوم أحد في الرابع من سبتمبر/ أيلول 1994. اصطحبني والدي إلى المدرسة الابتدائية التي كانت تبعد عن البيت نحو 400 متر فقط". شعر بمزيج من الخوف والشغف. يقول: "ذهبت إلى المدرسة بملابس جديدة لم أعتد ارتداءها إلا أيام العيد، وفي حوزتي قلم وورقة إذ كنت أعرف الكتابة بعض الشيء باعتبار أنني أذهب إلى مدرسة لتعليم القرآن". شعر ببعض القلق بعدما تركه والده وحيداً وسط ضجيج وصخب التلاميذ في الساحة، بعدها قادهم المدير إلى الصف وجلس قرب أحد التلاميذ الذي بات منافساً على المرتبة الأولى على امتداد المشوار الدراسي. 
كلّما استقبل المعلّم عماد الدين العافري تلاميذ جددا، يتذكر يومه الأول في المدرسة في سبتمر/ أيلول عام 1996. يقول: "في ذلك اليوم، أردت أن يصطحبني والدي إلى المدرسة وكان قد خرج في الصباح الباكر. انتظرته بفارغ الصبر إلا أنه تأخر بعض الشيء علماً أنه كان لدي بعض الوقت للوصول إلى المدرسة. لكنني فضّلت الذهاب برفقة شقيقي بعدما نفد صبري. أردت الوصول إلى مدرسة الحي بسرعة. يستعيد بعض تفاصيل ذلك اليوم بكثير من الحنين.

يقفون في الصف مع مراعاة التباعد الاجتماعي(بلال بنسالم/ Getty)

 

"وقفتُ في الصف مع زملائي في وقت كان والدي يراقبني من بعيد. لم أكن مهتماً بملابسي الجديدة لأن ذلك لم يكن الأهم بالنسبة إلي. أذكر أنني كنت الأطول بين زملائي، وما زاد من فرحتي هو مناداة اسمي أولاً، فشعرت بأنني تحت أنظار الجميع. كنتُ متشوقاً جداً لإكتشاف الأجواء داخل الصف، ومتعجباً من بعض التلاميذ الذين كانوا يطلبون من آبائهم إعادتهم إلى البيت. تقدّم منا الأستاذ فرحات تونسي، المعلم الأول في مشواري الدراسي، وطلب منا بكل لطف مرافقته إلى الصف. حرصت على الجلوس في الصف الأول. وحين عدت إلى المنزل، أخبرت عائلتي بكل التفاصيل، خصوصاً حين طلب مني الأستاذ تهجئة الحروف التي حفظتها في مدرسة تعليم القرآن".  
ومثل عماد الدين،  صار التلميذ عبد الوهاب داودي مدير مدرسة في منطقة أم البواقي شرقي الجزائر. يقول لـ "العربي الجديد" إن ذكرياته في المدرسة ساهمت في دفعه لاحقاً لأن يصبح مدير مدرسة، وقد حرص على حسن استقبال التلاميذ وتبديد مشاعر الخوف التي عادة ما تصاحب التلاميذ في اليوم الدراسي الأول، أو حين يترفعون من صف إلى آخر. اعتمد أسلوب الحوار مع التلاميذ عسى أن يجعلهم أقل خوفاً، بالإضافة إلى الأنشطة لتعزيز ثقتهم في أنفسهم. يقول إنه قبل 45 عاماً، كان يستعد للذهاب إلى المدرسة للمرة الأول في حياته.

يتذكر: "اصطحبنى والدي إلى مدرسة سعيدي الجموعي في مدينة عين البيضاء. رفضت الدخول وبكيت ورحت أًصرخ. ثم استلمتني معلمة تدعى شريفة. وبفضل عطفها وحسن تعاملها، اندمجت بسهولة، لأبدأ مشواري التعليمي. أذكر أن الطاولات كانت صغيرة والكراسي ملتصقة بها. وكان هناك اكتظاظ في الصف. لحسن الحظ أن المدرسة كانت تقدم لنا وجبات ساخنة وحليبا وخبزا وشكولاتة. وعلى الرغم من الظروف المعيشية الصعبة، كان المستوى التعليمي جيداً. 

لطالما كنت متحمسة للدخول إلى المدرسة مثل شقيقتي التي سبقتني إليها 


كذلك، يتذكر الصحافي جيلالي لخضاري، من ولاية غليزان غربي الجزائر، يومه الدراسي الأول وإن كان قد مرّ عليه نحو أربعة عقود. يقول لـ "العربي الجديد": "كنت سعيداً جداً لأنني لم أكن أعرف التعب الذي ينتظرني. ظننت أنه مكان للعب. كان والدي قد هيأني لذاك اليوم. أخبرني بأننا سنذهب إلى المدرسة غداً، وكانت السعادة تغمره لأنني أول طفل يذهب إلى المدرسة. في ذلك اليوم، كان جميع أفراد العائلة قد استيقظوا في وقت مبكر. ألبستني أمي ثياباً جديدة اشتراها لي والدي، وحملت حقيبة خضراء على ظهري وتوجهت إلى المدرسة والسعادة تغمرني. في باحة المدرسة، أوقفني المدير وألصق بطاقة بيضاء على قميصي ومحفظتي، بعدما كتب عليهما اسمي ورقم الصف. وفي يومي الثالث، سألت أهلي: هذه القراية (الدراسة) قاع ما تكملش (ألا تنتهي)؟".