"أوقفوا خطف النساء السوريات"... حملة أهلية موثقة وفريق متابعة حكومي

31 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 10:13 (توقيت القدس)
تحتفي بسقوط نظام الأسد، اللاذقية، 10 ديسمبر 2024 (عارف وتاد/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أطلقت مجموعة من الناشطين السوريين حملة "أوقفوا خطف النساء السوريات" للضغط على الحكومة للكشف عن مصير المختطفات ومحاسبة المسؤولين، منتقدة استجابة الحكومة الضعيفة.
- أعلنت وزارة الداخلية السورية عن تشكيل فريق لمتابعة قضايا الاختفاء، لكن الحملة تواجه اتهامات بأنها مدفوعة من جهات خارجية، ووثقت 112 حالة خطف.
- دوافع الخطف تشمل الطائفية والسياسية والاقتصادية، مع تعرض المختطفات للاغتصاب والتعذيب، واحتمال وجود شبكات دولية للاتجار بالبشر.

وسط استمرار الشكاوى من الخطف المتكرر للنساء، انطلقت حملة حقوقية تناشد الحكومة السورية التدخل الحاسم لوقف هذه الجريمة، مؤكدة أن أجساد النساء ليست أداة للتصفية السياسية والطائفية.

"أوقفوا خطف النساء السوريات"، حملة تطوعية أطلقتها مؤخراً مجموعة من الناشطين والصحافيين والروائيين والكتّاب والشعراء السوريين من المقيمين في الخارج وداخل بلدهم، في محاولة لإعلاء الصوت بوجه ما وصفوه جرائم ممنهجة لخطف النساء في سورية على اختلاف طوائفهن، ولا سيما من الأقليات. ونشط أعضاء الحملة منذ أيام في نشر فيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى الكشف عن مصير المختطفات واستعادتهن، ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم باعتبارها خطوة أولى نحو إرساء مصالحة وطنية شاملة. كما أدانوا الاستجابة الهشة للحكومة السورية تجاه هذه القضية الإنسانية العادلة، واستمرارها بإنكار حالات الخطف الطائفي، ما يعزز بنظر ناشطي الحملة، مشاعر الخوف والخذلان والعزلة.

وصدر عن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، في 29 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي عبر منصة إكس، أنه "حرصاً على الشفافية شكلت الوزارة فريقاً متخصصاً لمتابعة كل قضايا الاختفاء دون استثناء، وسيتم إعلان التفاصيل والحقائق بشأن حالات اختفاء عدد من الفتيات والإجراءات المتخذة، خلال مؤتمر صحافي سيُعقد قريباً للمتحدث باسم الداخلية".

وعلى الرغم من مناشدة أعضاء الحملة بأخذ قضايا خطف النساء على محمل الجد، برزت حملة مضادة تتّهم ناشطي الحملة الأولى بأنهم من "فلول النظام السوري المخلوع وعملاء للعدو الصهيوني ودعاة لتقسيم البلاد"، بينما شدد ناشطو حملة "أوقفوا خطف النساء السوريات"، على أن جرائم الخطف لا تحمل طابعاً أمنياً فحسب إنما طابعاً طائفياً أيضاً.

الصورة
شعار الحملة التي أُطلقت أخيراً (العربي الجديد)
شعار الحملة التي أُطلقت أخيراً (العربي الجديد)

توضح الكاتبة والروائية والصحافية السورية، سمر يزبك، أن "الحملة انطلقت منذ نحو 10 أيام لمطالبة السلطات السورية بتحقيق علني شامل بقضايا خطف النساء، بعد أن لاحظنا منذ نحو شهرين تصاعداً في عمليات الخطف بشكل مرعب، حتى صارت تحصل يومياً في بعض الأحيان، كما وثقنا حالات اغتصاب". وتتابع لـ"العربي الجديد": "لاحظنا نوعاً من التواطؤ، باعتبار أن الخطف يتم على أساس طائفي. ويأتي خطف العلويات بالدرجة الأولى ومن ثم الدرزيات، وذلك بعد المجازر الأخيرة في الساحل السوري ومحافظة السويداء، إلى جانب نساء من طوائف أخرى. لذلك، قررنا توحيد الجهود وتسليط الضوء على القضية من خلال حملة إعلامية تقض مضاجع السلطات السورية، استناداً إلى ما نملكه من وثائق عديدة".

وتضيف: "أطلقنا الحملة بفيديوهات قصيرة تؤكد رفضنا المطلق لاستخدام النساء بوصفهن أداة عقاب جماعي من أجل إهانة جماعة معينة أو طائفة ما، وفي حال لم تحدّ السلطات السورية من عمليات الخطف أو لم تحقق فيها، سنتوجه نحو المحاكم الدولية، خصوصاً أننا لاحظنا تلاعبها بهذه القضية. وفي السياق، نتعاون مع العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية ونمدها بكل المعطيات والبيانات التي وثّقناها من خلال متابعتنا الحثيثة لحالات الخطف".

وتختم يزبك بالقول: "تُعدّ حملتنا صرخة أخيرة في وجه ممارسة تحولت سلاحاً لتفتيت ما تبقى من النسيج الوطني السوري. فمنذ سقوط النظام، رُصدت موجات متكررة من اختطاف النساء المنتميات إلى أقليات محددة. وغالباً ما ترافق ذلك مع عنف ذي طابع طائفي صريح أو مبطّن، ما يضفي على هذه الجرائم بُعداً سياسياً لا يمكن تجاهله. مع العلم، أن اختطاف امرأة من جماعة ما لمجرد هويتها المذهبية يعني عملياً إعلان عزل هذه الجماعة وتجريدها من حقها في الأمان، وإبلاغها بأنها مُستباحة".

ويرى ناشط سوري فضل إبقاء اسمه طي الكتمان خوفاً على سلامته، أنه "رغم تكذيب حالات الخطف وإنكارها، اعترفت وزارة الداخلية السورية مؤخراً أنها شكلت فريقاً متخصصاً بمتابعة قضايا الاختفاء، وهذا اعتراف كامل بوجود حالات خطف، رغم أن الفريق سيكون مثل ذرّ الرماد في العيون". ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنه "لولا تأثير حملة أوقفوا خطف النساء السوريات لما شهدنا حملة معاكسة تطلق اتهامات مُريبة بحق المختطفات، وتسخّف القضية". ويكشف أن "44 شابة سورية لا زلن مختطفات من أصل 112 حالة خطف وثقتها الحملة منذ سقوط نظام الأسد".

ويتحدث الناشط نفسه عن "ثلاثين شابة إضافية أُفرج عنهن، لكن أسماءهن حُذفت من القائمة، بسبب رفض تلك الشابات أو أهاليهن الإفصاح عن تعرضهن للخطف. وقد علمت الحملة أن بعضهن كنّ مختطفات في حلب، وأخريات في إدلب وريف حماة، بينما جرى اقتياد عدد منهن إلى الحدود السورية - اللبنانية، قبل أن يعيدهن الأمن العام اللبناني، ما يرفع الحالات الموثقة من قبلنا إلى 142 حالة".

ويضيف: "بشهادة شابة مُفرج عنها، جرى اقتيادهن إلى الحدود اللبنانية بعد إلزامهن بالحجاب، وكان من بين المختطفين عدد من الشباب والأطفال. وأفادت شابة من إدلب بأن عشرات النساء من المناطق التي شهدت المجازر، تم خطفهن وتزويجهن في ريف إدلب لرجال من الفصائل المسلحة". ويذكّر بتقارير دولية بشأن الخطف في سورية، بينها منظمة العفو الدولية التي وثقت 36 حالة على الأقل، بينما رصدت الأمم المتحدة 38 حالة، وكشفت وكالة رويترز عن 33 حالة على الأقل. ويؤكد وجود حالات خطف أخرى غير موثقة بعد.

الصورة
قلق من الخطف المتكرر للنساء، حلب، 2 سبتمبر 2025 (بكر القاسم/ الأناضول)
قلق من الخطف المتكرر للنساء، حلب، 2 سبتمبر 2025 (بكر القاسم/ الأناضول)

وعن تعرض بعض المختطفات للاغتصاب، يشير الناشط نفسه إلى أن "كشف التعرض للاغتصاب مسألة معقدة، خصوصاً جراء صعوبة تأكيده طبياً بعد انقضاء فترة على الجريمة، وإزاء خوف الشابات من وصمة المجتمع، لكن بعضهن تجرّأن بعد شهر ونصف الشهر على كشف المستور، وأكدت شابة بعمر 21 عاماً أنها تعرضت رفقة شقيقتها القاصر (17 عاماً) للاغتصاب على يد فصائل مسلحة منذ اليوم الأول للخطف. وهناك من رفضن الحديث لكنهن يعانين حالة نفسية سيئة، ولاحظنا أن أهاليهن منعوا عنهن الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي أو الخروج من المنزل أو الذهاب حتى إلى الجامعة، وهذه ردة فعل قد تؤشر لاحتمال تعرضهن للاغتصاب، وهناك من واجهن الطلاق بعد عودتهن من الخطف. حتى أن إحدى المختطفات العائدات التي رُميت مقيّدة في الشارع وتعاني انهياراً نفسياً، كانت تجري مؤخراً فحوصاً شاملة في أحد مستشفيات طرطوس برفقة أهلها، قبل أن تقتحم القوى الأمنية المستشفى وتقتادها إلى مركز التحقيق، بذريعة الإدلاء بإفادتها. وهناك قاصر من اللاذقية لم تتجاوز حينها 15 عاماً، أرغموها على وضع الحجاب والظهور بفيديو تدّعي فيه أنها هربت مع حبيبها وتزوجته، علماً أنها تعرضت للتعذيب وطُلب من أهلها فدية، لكن لم يتم الإفراج عنها لغاية اليوم".

ويشرح الناشط نفسه: "وثّقنا حالات الخطف في سورية منذ فبراير/ شباط 2025 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وهناك تسجيلات صوتية وفيديوهات، كوننا نقوم بعمل ميداني ونتواصل مع عائلات الضحايا، رغم أن معظم المختطفات لا يردن الكلام ولا زلن يعشن القهر والعذاب النفسي، وهناك ضغوط أمنية تُمارس لإسكات الأهالي وطمس الملف".

ويضيف: "تختلف النتائج حسب نوع الخطف ودوافعه، فهناك الدوافع الطائفية والانتقامية، حيث وُجهت في بعض الحالات إهانات طائفية للضحايا، ووثقنا شهادات عن ضرب وتعذيب مصحوب بشتائم طائفية، وعن ربط صريح بين الاختطاف والانتماء الطائفي للضحية، إلى جانب الدوافع السياسية والأمنية بهدف زعزعة الاستقرار وتأجيج التوترات الطائفية وخلق مناخ من الخوف والانعدام الأمني. وهناك الدوافع الاقتصادية حيث أُفرج عن نسبة لا بأس بها من المختطفين والمختطفات مقابل فدية تراوحت بين 15 ألف دولار أميركي ومائة ألف دولار. لكن في حالة موثقة، دُفعت فدية خمسة ملايين دولار لرجل أعمال لم يُفرج عنه، ودفعت عائلة إحدى الضحايا 15 ألف دولار لكن الفتاة لم تعد. ولمسنا احتمال وجود شبكات دولية للاتجار بالبشر، إذ ذكرت إحدى الضحايا أن الخاطفين كانوا ينوون بيعها، وأخرى تواصلت مع أهلها وأبلغتهم أنها خارج البلاد، دون أن تستطيع معرفة اسم البلد. وهناك مؤشرات تدل على اختطاف شابات بهدف جعلهن سبايا أو تزويجهن بشكل قسري، غير أن العديد من الحالات لا تزال مجهولة المصير، بينها النساء المختطفات خلال مجازر الساحل السوري، رغم أن ذويهم يرجحون وفاتهن بسبب العدد الكبير من الجثث المشوهة".

ويشرح الناشط السوري آليات الخطف وأساليبه، مشيراً إلى أن "معظم الحالات وقعت في وضح النهار، بين الثامنة صباحاً والسادسة مساء، ما يؤكد اطمئنان الخاطفين وسط انتشار ثقافة الإفلات من العقاب. واللافت أن الأماكن المستهدفة لم تكن معزولة، بل مناطق حضرية نشطة، حيث جرى الخطف من الشوارع العامة أثناء التنقل باتجاه المدرسة أو الجامعة، أو أثناء قيام الضحية بالتسوق أو زيارة الأقارب، وفي بعض الحالات تم الخطف من المنازل. أما المركبات الأكثر شيوعاً واستخداماً في عمليات الخطف، فهي فانات بيضاء، وقد تمكنا من تحديد نوع معين من هذه الفانات، إلى جانب سيارات مدنية عادية".

المساهمون