استمع إلى الملخص
- انتقدت منظمة العفو الدولية انتهاكات حقوق الإنسان ضد المهاجرين في تونس، محذرة من تواطؤ الاتحاد الأوروبي في هذه الانتهاكات بسبب تعاونه مع تونس دون ضمانات فعّالة.
- يعكس الميثاق رغبة بروكسل في إدارة تشاركية للهجرة مع دول الجنوب، مع تقديم دعم تقني ومالي لتونس، لكن نجاحه يعتمد على معالجة جذور الهجرة وتحقيق تنمية مشتركة.
صادقت المفوضية الأوروبية في نوفمبر الماضي على مشروع ميثاق جديد للشراكة مع دول جنوب المتوسط لمكافحة الهجرة، ومن بينها تونس.
يُبدي نشطاء الهجرة في تونس قلقهم من مشروع الميثاق الجديد الذي ستعتمده المفوضية الأوروبية لإدارة علاقاتها مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط، بسبب مخاوف من زيادة التضييق على حركة البشر، وتشديد مراقبة الحدود التي قد تنتهي بمزيد من مآسي المهاجرين في عرض البحر.
وتعتبر تونس التي منحها الاتحاد الأوروبي صفة البلد الآمن لقبول المهاجرين شريكة رئيسية مع الاتحاد في سياسة مكافحة الهجرة السرّية وكبح تدفقات المهاجرين من جنوب المتوسط، وتتعامل في شكل وثيق مع دول الاتحاد الأوروبي في تنفيذ سياسات الهجرة من جنوب المتوسط، ما يجعلها بلداً مهماً في تنفيذ الميثاق الأوروبي الجديد.
وفي 6 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ندّدت منظمة العفو الدولية في تقرير أصدرته "بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان" في حق مهاجرين سريين في تونس، وأكدت حصول حوادث اغتصاب وتعذيب، وقالت إنّ "الاتحاد الأوروبي يخاطر بالتواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان من خلال مواصلة تعاونه مع تونس في مجال ضبط الهجرة بدون ضمانات فعّالة لحماية حقوق الإنسان".
ومنذ أن وقعت تونس مذكرة تفاهم حول الهجرة مع الاتحاد الأوروبي في يوليو/ تموز 2023، تواجه سياساتها الخاصة بالهجرة انتقادات واسعة بسبب التصعيد الأمني ضد المهاجرين، وارتفاع عمليات الصد في البحر. وينظر نشطاء الهجرة في تونس إلى مشروع الميثاق من أجل المتوسط باعتباره "غطاءً ناعماً لمزيد من التضييق على المهاجرين".
ويقول الناشط رمضان بن عمر لـ"العربي الجديد" إن "المفوضية الأوروبية تقدم مشروع الميثاق بصفته تحوّلاً نوعياً في الشراكة الأورومتوسطية، لكنه في الحقيقة يعتمد على القوة الأمنية، ويُهمل الالتزام بالقيم الإنسانية والحقوق"، ويتابع: "الإدارة الأمنية للهجرة هي الملف الأهم في المشروع، ودول الاتحاد الأوروبي تعطي أولوية لأمن الحدود على حقوق البشر، ولا تنظر إلى دول الجوار الجنوبي إلّا باعتبارها أنظمة تقدم لها خدمات أمنية واقتصادية واستراتيجية، علماً أن المفوضية تقول إنّ الميثاق يهدف إلى معالجة التحديات المشتركة، وفتح آفاق جديدة من خلال تعزيز الروابط بين الشعوب، ودعم النمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميَين والتعاون الوثيق في مجال الهجرة".
يعتقد الباحث في سياسات الهجرة نزار الجليدي بأن "المصادقة الأوروبية المرتقبة على الميثاق من أجل المتوسط تعكس رغبة متزايدة لدى بروكسل في تحويل إدارة الهجرة إلى ملف تشاركي مع دول جنوب المتوسط، اضطرارياً وليس اختيارياً". ويقول لـ"العربي الجديد": "رغم أنّ الإطار الجديد لا يزال عاماً، لكنه يشير إلى مقاربة ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية، هي الشراكة التقنية، وتقاسم المسؤولية، والضغط السياسي الناعم". يضيف: "من حيث التأثير العملي على دول جنوب المتوسط والمغرب العربي خاصة، أعتقد بأنّ النتائج ستتباين بحسب قدرة كل دولة على التفاوض وعلى ضبط حدودها. والتجارب السابقة تُظهر أنّ الأوروبيين يميلون إلى ربط أي دعم مالي أو لوجستي بتشديد الإجراءات على الهجرة السرية أكثر من معالجة الأسباب الاقتصادية والسياسية الأكثر عمقاً. ومن المهم ألّا يتحوّل الاتفاق إلى مجرّد آلية خارجية لنقل العبء جنوباً، كما الحال الآن". ويرجّح أن تستفيد تونس من دعم تقني ومالي إضافي يعزّز قدراتها في إدارة الحدود والبنى التحتية المتعلّقة بالهجرة، خاصة في مجال المراقبة والإنقاذ البحري، وتطوير المسارات القانونية.
ومنذ توقيع مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي استفادت تونس من حزمة مساعدات مادية وعتاد بحري دعم قدراتها الأمنية لمكافحة التدفقات الهجرية. وتعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم مبلغ 150 مليون يورو لتونس التي تلقّت تحويلاً أولياً بـ67 مليون يورو عام 2023، ويرجّح الجليدي أن "يواصل الاتحاد الأوروبي الدفع نحو ضبط الهجرة في جنوب المتوسط باستخدام معايير أكثر صرامة، لكن ضمن صيغة تعتمد الحوافز بدلاً من الإملاءات لتجنّب خلق توترات إضافية في جنوب المتوسط"، ويعتبر أن "نجاح أي مشروع شراكة جديد بين دول ضفتي المتوسط يتطلّب سياسة تُوازن بين الاعتبارات الأمنية والإنسانية، واحتياجات دول المنطقة الاجتماعية والاقتصادية، بدلاً اختزالها في دور حارس الحدود".
ويبقى نجاح الميثاق، بحسب الجليدي "رهن قدرته على الانتقال من منطق الإدارة الآنية للأزمة إلى مقاربة أوسع تعالج جذور الهجرة في الجنوب، وتبني تنمية مشتركة تحفظ الاستقرار على جانبي المتوسط".