استمع إلى الملخص
- النزوح المتكرر يجبر آلاف العائلات على ترك منازلها، واللجوء إلى مدارس ومساجد تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، مما يجعل الحياة اليومية تحدياً مستمراً للسكان.
- الأزمات النفسية والاجتماعية تتفاقم بين سكان غزة، مما يبرز الحاجة الملحة لتدخل المجتمع الدولي لتقديم المساعدات ووقف الحرب ورفع الحصار.
تعيش غزة واحدة من أحلك فصولها الإنسانية في ظل حرب طاحنة طال أمدها، وزادت معها معاناة السكان واتسعت رقعة الألم، فمع كل يوم جديد تتجدد عمليات القصف والنزوح، ويتعمّق الواقع المأساوي الذي تتآكل فيه المقومات الأساسية للبقاء، وتنهار القدرة على الصمود.
إلى ذلك لم يعد النزوح مجرد حدث طارئ، بل واقعٌ متكررٌ يُرغم آلاف العائلات على ترك منازلها مرات، غالباً بلا وجهة، بحثاً عن أي رقعة آمنة تقيهم ويلات القصف، من دون أن يجدوا ما يسد رمقهم أو يستر أجسادهم أو يداوي جروحهم. وفي ظل التدمير الواسع للبنى التحتية، انهارت الخدمات الأساسية، وتوقفت إمدادات الغذاء والماء والدواء، في وقت لا تملك العائلات أي إمكانيات مادية لتلبية أبسط الاحتياجات، كما توقفت المؤسسات الإنسانية والإغاثية عن تقديم خدماتها جراء اشتداد الحصار.
ويقف الواقع المعيشي في غزة اليوم على حافة الانهيار التام، فالطعام أصبح شحيحاً إلى درجة المجاعة، والمياه النظيفة أصبحت رفاهية نادرة، فيما يعاني المرضى والجرحى من غياب الأدوية والرعاية الصحية وسط مستشفيات مدمرة أو عاجزة، ومنشآت صحية تؤدي بالكاد الحدّ الأدنى من دورها. أما المأوى فتحوّل إلى أزمة حادّة، إذ تؤوي المدارس والمساجد والمباني العامة والمساحات الفارغة آلاف النازحين في ظروف غير إنسانية، ومن دون كهرباء أو صرف صحي، وسط تكدس هائل يُزيل أدنى درجات الراحة والخصوصية.
ولا يقتصر المشهد على البعد المادي، بل يشمل أزمات نفسية واجتماعية متفاقمة، إذ يعاني الأطفال والنساء وكبار السن من آثار الصدمة والقلق المزمن، وسط انعدام الأمل وغياب أي أفق للحل أو الاستقرار. ويعكس الفلسطينيون بأصواتهم معاناتهم من وطأة الحرب، في ظل استمرار النزوح وانهيار مقومات الحياة الأساسية.
وقالت خديجة الربعي (57 عاماً)، وهي أم لستة أبناء وجدة لعشرة أطفال تعيش داخل مدرسة نزوح، لـ"العربي الجديد": "الواقع المعيشي صعب للغاية جراء انعدام مختلف مقومات الحياة، وتجدد عمليات النزوح من منطقة إلى أخرى يزيد تعقيد المشهد، من خلال تجديد الشعور بتجدد الحرب. وهذه المرة يتجدد النزوح بعدما تآكلت أجسادنا وقدرتنا على الصمود والمواجهة، بعدما استنزف طول أمد الحرب إمكانياتنا وقدراتنا". تابعت: "خرجنا بألم من حي الشجاعية إلى منطقة تل الهوا بعدما اشتد القصف، ونواجه الآن نزوحاً جديداً إلى المحافظات الجنوبية. والنزوح المتكرر ينسف كل محاولات التاقلم ويضع العائلات أمام محاولات جديدة لترتيب أمورنا بعدما فقدنا كل المقومات الأساسية".
ووصفت أم إيهاب قلجة، في حديثها لـ"العربي لجديد"، الوضع بأنه "مأساوي إذ تنعدم كل وسائل الراحة والأمان والرعاية، ولا يوجد أكل كاف، أو مياه نظيفة، أو رعاية صحية، أو حتى أدوية تخفف الآلام والأوجاع، وتحميهم من مضاعفات المرض". وأكدت قلجة التي تعاني من مرضي السكري وضغط الدم أن" الحرب أعدمت العناية بكبار السن، وأحتاج شخصياً إلى دواء منتظم. وقد فقدت الوعي مرات بسبب نقص الأنسولين، ويمكن القول إن جميع بناء غزة يعيشون الآن على الكفاف، ولو ماتوا لن يعرف أحد بهم فالحرب سرقت الإنسانية".
من جهته، يذكر الثلاثيني أحمد عبد الهادي الذي كان يعمل في مول تجاري، ثم فقد منزله وعمله، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنه كان يطمح في فتح بقالة صغيرة لإعالة أسرته المؤلفة من أربعة أفراد، لكن الحرب دمرت حياته وسلبت كل أحلامه المتواضعة". وأشار إلى أنه يعيش في خيمة متهالكة تنعدم فيها كل وسائل الأمان والراحة، برفقة شعور القلق والتوتر طوال الوقت نتيجة عدم استقرار الأوضاع وفقداننا كل مقومات الحياة إذ نخاف دائماً من الأيام واللحظات القادمة".
وأمام هذا الواقع القاتم، تبدو الحاجة ماسة لتدخل عاجل من المجتمع الدولي، ليس فقط لتقديم المساعدات الإغاثية، بل للضغط من أجل وقف الحرب ورفع الحصار وتهيئة الظروف لبدء عملية إنقاذ إنساني شامل، يعيد للغزيين الحد الأدنى من حقوقهم في الحياة والكرامة.