أنين الأرض

05 نوفمبر 2020
الصورة
يفلح أرضه في ولاية الجزيرة السودانية (أشرف الشاذلي/ فرانس برس)
+ الخط -

إن لم تتمكن من سماع ذلك الأنين الخافت، فإنك من المؤكد ستشعر به، فهو موجع إلى حد الموت. فبعد أن غسلت الأمطار وجه الأرض، ارتفع العشب الطري ليغازل الشجيرات الصغيرة والأشجار الكبيرة الخارجة لتوها من الغمر، لتعانق نسمات ما بعد الخريف، وتكتوي بلسعات الشمس المولدة للطاقة والحياة. لكن ما هذه الحُرقة الزائدة؟ ما هذا الدخان الخانق؟
في مثل هذه الأيام من كل عام ينشط المزارعون في إعداد أراضيهم للموسم الجديد، وبينهم من لا يكتفي بما هو مخصص له من مساحة، مثلما أن النيران التي يشعلونها لا تعترف بالحدود المرسومة على الخرائط، ولا تفرق بين العشب الزاحف، والشجيرات المتطاولة، ولا حتى الأشجار الكبيرة التي يرمي بها قدرها في مرمى النيران، وما بينها من حيوات.
إسحق هو من الرعاة الذين عرفوا الاستقرار في القرى الناشئة عقب موجة النزوح البيئي الكبيرة أواخر القرن الماضي إلى الجنوب الشرقي لحوض النيل الأزرق، حيث ما زالت الأرض تعطي من يزرع ومن يسرح بأغنامه ومواشيه. يقول عندما يتحول المرعى إلى اللون الرمادي تكون الأرض قد أطلقت الأنين على أثر موت آلاف الكائنات، وانقراض ممالك الحشرات، وهروب ما بقي على قيد الحياة من حيوانات برية وطيور، ويكون الناس قد عرفوا الأسى أكثر.
تشكل المراعي مستودعات هائلة لمصادر الغذاء التي تقضي عليها النيران، بجانب التأثير السلبي على دور المرعى بتضاريسه القادرة على الحفاظ على مياه الأمطار ريثما تتسرب إلى باطن الأرض لتغذي المخزون الجوفي، وبعد الحرائق تتلوث بالكربون لتصعب معالجاتها الطبيعية في ظل عدم وجود معالجات أخرى يقوم بها الإنسان.
وتوفر المراعي الطبيعية وبيئاتها المختلفة موائل آمنة لحياة تتنوّع وتتعدّد مُكّونة نظاماً بيئياً متكاملاً. ويشكل منتوج هذه المراعي في بعض الدول الأفريقية ما بين 80 إلى 90 في المائة من الغذاء، بجانب فوائد أخرى تقع في صميم سبل كسب العيش واستقرار الانسان. 

من جهة ثانية، يقول الخبراء إن موضوع النيران يرتبط بشكل وثيق بالاستقرار السياسي. ففي ظل انتشار الحروب وتفاقم النزاعات يبقى انتشار الحرائق في المراعي أقل وطأة من النزاع المسلح، وتبقى ممارسات المعنيين بأمر خطوط النار مغامرات غير محسوبة العواقب. وفيما يعتقد البعض أن الأرض قادرة على استعادة حياتها، فإن الرعاة قادرون على الوصول إلى المراعي الغنية، مثلما هم قادرون على حماية حيواناتهم. لكن من يحمي الطبيعة من هذه المهددات المتزايدة يوماً بعد يوم؟
(متخصص في شؤون البيئة)

المساهمون