أم محمد عليوة.. فلسطينية ترعى 36 يتيماً داخل خيمة في غزة
استمع إلى الملخص
- تعرضت لإصابات خطيرة خلال القصف، مما أدى إلى فقدانها السمع والبصر مؤقتًا، لكنها أصرت على الخروج من المستشفى لرعاية أحفادها.
- تواجه تحديات كبيرة في توفير احتياجات أحفادها الأساسية، لكنها تظل مصممة على رعايتهم، معتبرةً أن وجودهم يمنحها القوة للاستمرار.
على أطراف حيّ الشجاعيّة، شرقيّ مدينة غزة، حيث تحوّلت المنطقة إلى أثرٍ بعد عين، تعيش أم محمد عليوة، وهي امرأة ستينية تجرّ ملامحُها ذاكرةً مثقلة، مع 36 من أحفادها الذين فقدوا والدهم أو والدتهم أو كليهما، في ظروف معيشية غايةٍ في البؤس والقسوة والحرمان. لم تعد الأم الثكلى والجدّة المرهقة تُحصي أحزانها، لكنّها تعد 36 طفلاً يحومون حولها ككواكب صغيرة نجت من انفجار كبير، اختفى آباؤهم وأمهاتهم تحت الركام، وأصبحت وحدها السقفَ المتبقي لهم.
الخيمة التي لجأت إليها ليست سوى قطعة قماش ممزقة تتشبث بأعمدة حديد ملتوية، مرتفعة فوق ركام بيتها الذي وُلدت فيه وربّت أبناءها. وإلى جوارها يمتد الخط الأصفر، تلك المسافة التي يعرف أهل الشجاعيّة أنّها ليست مجرد خط على الأرض، بل رمز لهشاشة الحياة، وحدود وهمية تفصل بين النجاة والموت.
وعلى الرغم من الإصابات البالغة التي تعرضت لها في حرب الإبادة، تستيقظ أم محمد كل صباح، قبل الأطفال، تكنس محيط الخيمة من شظايا الزجاج والحديد، وتُعيد ترتيب الحجارة حولها كأنها تبني بيتاً جديداً، وفي الليل حين تهبّ الريح من جهة الحدود، تتحرك الخيمة، فيرتجف معها الأطفال، لكن الجدة تجمعهم حولها، كأن صدرها مستودع لا ينضب من الطمأنينة والسكينة.
عن تفاصيل مأساتها، تقول أم محمد لـ"العربي الجديد" إنها نزحت أكثر من 20 مرة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، إلى أن عادت مجددا مع عائلتها خلال الهدنة الثانية في شهر يناير/ كانون الثاني، والتي استمرت قرابة الشهرين، لتعاود الأسرة النزوح مجددا.
وتضيف: "نزحنا غرباً بالقرب من بحر غزة بعد التهديد الإسرائيلي الأخير منذ قرابة شهرين، وذهب ابني البكر محمد للتسوق من سوق ميدان فلسطين القريب من مستشفى المعمداني، شرقي المدينة، لكن القدر لم يمهله، حيث تم قصف المستشفى ليرتقي شهيدا تاركا خلفه عشرة أبناء، فيما أصيبت زوجته الحامل". وتتابع: "في اليوم التالي للعزاء، تجمعت العائلة داخل الخيمة لمواساتنا، وكانت تضم قرابة 50 شخصاً من أبنائي وبناتي وأقاربي، حينها جرى قصف المكان دون سابق إنذار، وقد تعرضت لإصابات خطيرة في الرأس والظهر والخصر، خضعت على أثرها لعمليات جراحية، وما زلت بحاجة لعمليات أخرى لإزالة الشظايا المتبقية".
وتوضح أم محمد أنها كانت غائبة عن الوعي منذ لحظة الاستهداف، وبعد الإفاقة كانت فاقدة للسمع والبصر نتيجة قوة الانفجار، وبعدما استجمعت قواها بدأت بالسؤال عن أبنائها وبناتها، لتفاجأ باستشهاد ابنتيها رشا ونائلة، وإبناها محمد وعزات، وأحفادها محمد وآلاء وولاء، وإصابة أحمد وحماد ولطيفة وحفيدها حذيفة.
وبعد تلقي الصدمة، شعرت أم محمد أنها في كابوس مرعب، إذ لم تتحمل هول المصيبة التي حلّت بها، تقول: "طلبت من إدارة المستشفى الإذن بالخروج لرعاية أحفادي الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم، على الرغم من حالتي الصحية الصعبة، وقد وقعت تعهدا للخروج على مسؤوليتي الشخصية".
وتبين الجدّة أنها خرجت لتجد نفسها وأسرتها وأحفادها بلا مأوى، ما دفعها إلى العودة بعد توقيع وقف إطلاق النار الأخير إلى ركام منزلها الواقع بالقرب من الخط الأصفر، والذي يعتبر الخط الفاصل بين "المناطق الآمنة" والمناطق التي ما زالت خطيرة. وبعد عودتها من النزوح الأخير مشياً على الأقدام، اضطرت العائلة التي لا تملك حتى خيمة إلى تجميع الشوادر والقماش والأعمدة المعدنية من ركام البيوت المدمرة، لإنشاء خيمة "مرقعة" على أنقاض بيوت العائلة المدمرة، إذ دمرت آلة الحرب ستة بيوت متجاورة كانت تضم أولادها وأفراد عائلتها، لتعيش أقسى أيام حياتها في ظل الخوف والحرمان وعدم توفر أي مصدر دخل.
وتجد الستينية صعوبة بالغة في السيطرة على الأحفاد – أكبرهم بعمر 17 عاماً وأصغرهم رضيع – وتوفير احتياجاتهم الأساسية من مأكل ومشرب وفرش، فيما لا تتوانى عن احتضانهم لعدم وجود أي خيار آخر، وتقول: "سأستمر في رعايتهم وتربيتهم كما ربيت آباءهم وأمهاتهم".
وتواجه أم محمد ومن معها من الأطفال تحدياً كبيراً مع حلول الشتاء جراء النقص الحاد في مختلف مقومات الحياة الأساسية، فلا طعام، ولا خيمة دافئة أو فرش وأغطية، باستثناء فرش جمعوها من البيوت المدمرة، ولا تزال ملطخة بدماء أصحابها. ومع كل يوم يمر، تبدو الخيمة وكأنها تكبر لا بقماشها، بل بمن فيها، بوجوه صغيرة تتعلم الضحك من جديد، وبجدة تحمل جيلين على كتفيها، وتقول للعالم بصوت لا يسمعه أحد: "ما دام في طفل ماسك إيدي.. أنا لسا واقفة".